الأحد، 23 فبراير 2014

علمتني الحياة 13: مدرسة الموت

علمتني "الحياة" أن أتعظ "بالموت"!

في الأيام القليلة الماضية وعظتني ثلاثة أخبار صادمة عن وفاة ثلاثة أشخاص أعرفهم، أحدهم عشريني، و الثاني ثلاثيني، و الثالث أربعيني، و ثلاثتهم ماتوا فجأة، في ظروف مختلفة، و في ثلاث دول متفرقة، في لحظة كانوا فيها في صحة و عافية و يملأون الأرض نشاطأ و حركة!

ما أفصح و ما أبلغ موت الفجأة حين يقذف مواعظه في قلوب الغافلين أمثالي ... يذكرني بحقيقتين مهولتين: أنني ميتٌ لا محالة ... و أن الموت سوف يطرق بابي في أي وقت و تحت أي ظرف فيخطف روحي، و يقطع آمالي، و يختم أعمالي، و يقيم قيامتي، و يضع النقطة الأخيرة في صحائفي التي سألقى بها ربي!

ما أصعب مجرد تخيل ذلك اليوم حين لن يجد أصحابي من وسيلة لإكرامي إلا التعجيل في دفني، و حين يتنافسون على حمل نعشي يركضون بي سريعاً نحو لحدي، و حين يلتمس الواحد منهم الأجر بيدٍ يمدها ليشارك في إهالة التراب علي جسدي، و حين يذهبون لأبقى وحدي أواجه مصيري البائس إن لم تتغمدني رحمة ربي!

أسأل الله حسن الخاتمة و حسن المآل.

ما أنت إلا كزرع عـنـد خُضرتـــه **** بكلِ شيء من الآفات مقصودُ
فإن سَلِمتَ من الآفات أجمعها **** فأنت عند كمال الأمر محصودُ!

علمتني الحياة 12: مراجعة النفس

علمتني الحياة أن أعيد النظر فيما أتبناه من مواقف و ما أحمله من أفكار و ما أعتنقه من مبادئ بشكل دوري ...
فمثل هذه المراجعات قد كشفت لي في مرات متعددة أن استغراقي في فروع ما انطلقت منه من آراء و مبادئ قد ألهاني أحياناً بضيق الفرع عن سعة الأصل، أو شغلني بالتمادي فيما هو مهم من تلك الفروع عن ما هو أهم ...

كما كشفت لي أن توغلي العميق في مسارات أفكار تبنيتها يوماً ما قد حرمني في كثير من الأحيان فرصة الاطلاع على ما هنالك من أفكار أخرى قد تكون أجود و أفضل ... 

و أسوأ من هذا حالات غلبتني فيها ربقة التعصب لفكرة ما، أو غمرتني كثافة الترداد لنفس الفكرة في بيئة ملاصقة تحيط بي من كل جانب، فتحولت مع الوقت إلى محامٍ بارع ... آتي بالحجج القوية، و البراهين المنطقية، و الأدلة الذكية، للدفاع عن فكرة رديئة هنالك ما هو أرجح منها في ميزان التفضيل ... أو فكرة خاطئة نحتت من عمري، و سرقت من جهدي ما لا أملك تعويضه الآن ...

و حتى تلك الحالات التي لم تقدني فيها المراجعة إلى اكتشاف خلل، فقد وجدت أن مجرد مراجعة ما هو صواب هي بمثابة محطة تزود بوقود الهمة و زاد الثبات و فيتامين الإصرار على مواصلة العمل و التوغل العميق في دروب الخير ... على بصيرة.

السبت، 22 فبراير 2014

علمتني الحياة 11: حقيقة التوفيق الرباني

علمتني الحياة أن التوفيق الرباني ليس مجرد مسألة من مسائل الغيب التي يصدقها المؤمن حين تسكن حقيقة الإيمان في قلبه، و إنما هي كذلك مسألة حسية يمكن أن يلمسها و أن يراها من يدقق النظر و يراقب، و من يحرص على محاسبة نفسه و البحث عن الأسباب الكاملة التي تقف وراء نجاحاته و إخفاقاته.

فكم مرة كنت عند ميكانيكي السيارات - مثلاً- أنتظر إصلاح سيارتي و أنا أتذكر ذلك الذنب الذي اقترفته في اليوم الماضي فكانت النتيجة أن تعطل ترس فتح و إغلاق الشباك، أو تسرب على إثره سائل المقود، أو انثقبت أنبوبة العادم!

و كم مرة تذكرت فيها ما قدمته من حسنة بين يدي عمل تكلل بالنجاح كان هناك من الأسباب المادية ما يجعل هذا النجاح صعباً إن لم يكن شبه مستحيل أو مستحيل!

كنت أظن قديماً أن التفسير لهذا الاقتران بين الحسنة و النجاح أو السيئة و الإخفاق هو أن أعمال الإيمان الحسية هي بحد ذاتها ضابطة و مهذبة لسلوك الإنسان بحيث تجعل أداءه في المهمة التي هو بصددها أفضل فيكون التوفيق ... كأطره مثلاً على تنظيم وقته بحسب أوقات الصلاة فيتعاظم إنجازه، أو دفعه إلى الاتقان المأمور به في الحديث الصحيح.

و لكني بعد طول تأملٍ و مراقبة وجدت أن الأمر أبعد من ذلك، و أن أعمال الإيمان بالإضافة إلى أثرها الحسي هذا، لها أثر أقوى و أشد يتجاوز الحسيات، و يكسر جدران الأسباب، و يخترق حواجز المألوفات فترى العين ما قد تفشل الأرقام في حسابه!

علمتني الحياة 10: ما هو أهم من الأفكار!

علمتني الحياة أن إدارة الأفكار أهم من الأفكار ذاتها!

الأفكار اللامعة ذات الأهداف النبيلة تملأ الأرض بمئات الألوف أو بالملايين أو حتى بالبلايين! تجد هذه الأفكار في بطون الكتب، و منشورات و توصيات المؤتمرات، و الحوارات المتلفزة و المسموعة، و رسائل البريد الإلكتروني، و مدونات أصحاب الرأي، و شبكات التواصل الاجتماعي، و المرئيات أو المسموعات المدرجة على مواقع الإعلام الجديد، و في كل مكان ... 

أزعم أننا لسنا بحاجة إلى توليد المزيد من الأفكار بقدر ما نحن بحاجة إلى إنزال ما هو هنالك من أفكار نبيلة إلى حيز التنفيذ ...

و لكن الفكرة مهما بلغت عبقريتها، أو اشتدت حاجة الناس إليها، أو تعاظم إيمان حامليها بها، أو تكاثرت أعداد المتحمسين لها ... لا يمكن لها أن تتحول إلى واقع إلا إذا تواجد كيان إداري منظم يتولى بلورة الفكرة و ترجمتها إلى حقيقة ماثلة على الأرض .... قد يكون هذا الكيان مؤسسة أو لجنة أو شركة أو مجموعة ضغط أو فريق إلكتروني أو أي وعاء إداري "مناسب".

ليس بالضرورة أن ينشأ هذا الكيان منذ اللحظة الأولى لبزوغ شمس الفكرة في قلب من يحملها، و لكن إذا لم ينته أصحاب الفكرة إلى إيجاد هذا الكيان تتحول الفكرة إلى حلم أو أمنيات أو وهم.

تجارب متعددة مررت بها: كانت الفكرة رائعة، و الحاجة لها ماسة، و البيئة مهيأة، و الجميع متحمس، و الكل مستعد ... غابت الإدارة ... ضعفت الهمة ... دُفنت الفكرة!

علمتني الحياة 9: أكبر خدعة!

علمتني الحياة أن أسهل عمليات الخداع و أكثرها انتشاراً و رواجاً و تكراراً و نجاحاً في هذا العالم هي خداع النفس!

فما أكثر أولئك الخبراء في اختراع حيل نفسية بارعة يحتالون بها على أنفسهم لتبرير فشلهم، أو تسويغ انحرافاتهم، أو شرعنة جرائمهم!

ما أكثر أولئك الخبراء في إقناع أنفسهم بـأن أخطاءهم و سقطاتهم معلقة هناك على شماعات الآخرين، و هم منها أبرياء براءة الذئب من دم يوسف! 

ما أكثر أصابع الاتهام الموجهة بثقة عالية نحو "الظروف القاهرة"! و ما أكثر و ما أطول و ما أفصح لوائح الإدانة التي كتبت في حق "الأسباب الخارجة عن الإرادة"!

ما أكثر أولئك الذين أصبحوا أكاذيب حية تمشي على الأرض ... لا يملون من سرد حكايات مبهرة عن بطولاتهم الزائفة، و إنجازاتهم الوهمية، و خصائصهم الخرافية ... يكررونها ثم يكررونها ثم يكررونها على طريقة اكذب اكذب اكذب حتى تصدق نفسك!

ما أكثر أولئك الذين تغرهم أعداد الأصدقاء، أو المتابعين، أو المشتركين، أو المعجبين، أو المعلقين الذين يتفاعلون معهم و يثنون عليهم في فضاءات العالم الاجتماعي الافتراضي و الواقعي ... و يصل بهم العُجب إلى أن يروا في هذه الأعداد شهادات نجاح تؤهلهم لتصدر مقاعد الريادة في الدنيا، و احتكار نمارق الجنة المصفوفة في الآخرة!

ما أكثر أولئك الذين يظنون أن الثناء و المديح الذي يتهاطل عليهم من المخدوعين أو المنتفعين المحيطين بهم هو صك غفران مفتوح يقول لهم: ما ضركم ما فعلتم بعد اليوم!

ما أكثر أولئك "الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً"!

اللهم عافنا و اعف عنا.

علمتني الحياة 8: فهم الدين

علمتني الحياة أن إساءة فهم الدين أخطر في الغالب على المتورط فيها و على المجتمع من الوقوع في المعاصي ... مع أن كلاهما خطير.

فكثير من العصاة الذين رأيتهم أو سمعت أخبارهم كانوا يعرفون و يقرون أنهم على معصية، و كانوا كلما نصحهم ناصح أو ذكَّرهم بالحق مُذكِّر أصابتهم مقادير من التأثر و الاتعاظ و لو في الباطن، و انتهى الحال بالكثير منهم إما إلى توبة، أو إلى مغادرة الحياة و قد انحصر أذاهم في حدود أنفسهم و ربما دوائر صغيرة محيطة بهم.

أما من يسيء فهم الدين فهو لا يرى نفسه على خطأ، بل يعتقد في قرارة نفسه أن ما هو عليه هو الصواب بعينه، و أن من يسدون إليه النصائح إنما يريدون أن يجروا قدمه إلى طريق الضلال و الانحراف عن الحق! و أخطر من هذا أنه يعتقد أن توغله و تعمقه في فهمه السيء ممارسة إيمانية و ارتقاء في درجات التدين و الالتزام!

و يستوي في هذا من يسيء فهم الإسلام بالتشدد فيه مع من يسيء فهمه بالتساهل و التفريط فيه و تمييعه. فالمتشدد يبتدع و يدخل في الإسلام ما ليس فيه، و المتساهل يفرغ الإسلام من مضمونه!

أما السؤال الذي علمتني الحياة أن إجابته في غاية الصعوبة فهو: ما هو الفهم الصحيح للإسلام على وجه الدقة؟ و ما هو حد الوسط في هذا الفهم الذي يمكن التفريق فيه بين التشدد و التساهل؟

علمتني الحياة 7: أعقد مهمة في الحياة

علمتني الحياة أن أعقد و أدق و أصعب مهمة في الحياة هي مهمة التعامل مع البشر! 

يستوي عندي في هذا تعاملي مع أدنى قريب أو أنأى بعيد، سواءً في دوائر علاقاتي الاجتماعية، أو المهنية، أو الإنسانية.

فتنوع طبائع الناس، و تعدد خلفياتهم الثقافية، و تفاوت حظوظهم من العلم و الأخلاق و مراتب الإيمان، و اختلاف عاداتهم و أفكارهم و اهتماماتهم و أولوياتهم و حساسياتهم و ما مروا به من تجارب، و تقلب أمزجتهم، و تباين ما يسعدهم أو يحزنهم أو يغضبهم أو يحفزهم أو يثبطهم من صور التعامل .... كل هذه العوامل و غيرها تجعل مهمة التعامل مع البشر من أعقد ما يمكن بالنسبة لي ... هذا إذا ما أردت أن أؤديها بحدها الأدنى الذي أسلم به من المشاكل، أو أنجو من خسارة قريب أو صديق أو زميل عمل ... فكيف إذا أردت أن أتقنها، و أن أجعل من علاقاتي الناجحة سلماً أبلغ به مراتب عالية من التفوق المادي والسعادة النفسية؟

علمتني الحياة أنني أقترب من النجاح في علاقاتي مع الآخرين بقدر ما أمتلك من حسن الخلق، و لين الجانب، و شجاعة الاعتذار، و سلامة الصدر، و إحسان الظن بالآخرين، وإعطائهم حق الخطأ، و التماس الأعذار لهم، و العفو عن زلاتهم، و حفظ ماء وجووههم، و تفهم طبيعتهم الإنسانية، و استيعاب حاجاتهم النفسية، و إدارك حقيقة أنهم ليسوا أنا و لن يكونوا أنا!

علمتني الحياة 6: وصفة العلاقات الناجحة

علمتني الحياة أن أفكاري و معتقداتي و تصوراتي للحياة لم تكن في يومٍ من الأيام، و ليست هي الآن، و لن تكون أبداً في المستقبل محل إجماع البشر مهما بذلت في سبيل ذلك من جهدٍ ووقتٍ و مال!

فما من عقيدةٍ أعتنقها، أو رأيٍ فقهي أتبعه، أو قيمةٍ اجتماعية ألتزم بها، أو توجهٍ فكريٍ أتبناه، أو رأيٍ سياسيٍ أقتنع به إلا و في الناس من يخالفني فيه!

و ما طرحت رأياً في أيٍ من هذه المجالات إلا انقسم من يسمعني إزاء ما أطرح إلى ثلاثة أقسام: مؤيدٌ و مخالفٌ و محايد.

و قد ثبت لي بالتجارب المتكررة أنني إن تعصبت، و ظهرت مني حدة و غلظة و نبرة جافة في مجادلة من يخالفني: ارتاب مني المحايد، و ازداد المخالف مني نفوراً و بعداً ... و أسوأ من هذا أن قلدني في تعصبي و غلظتي مؤيدٌ فزاد عدد المرتابين و عدد النافرين ... و خسر الجميع!

أما إن لنت، و ترفقت، و تجردت للحق، و أنصفت مخالفي، و حفظت له فضله، و قلدت الشافعي الذي ما ناظر أحداً إلا و تمنى أن يظهر الله الحق على لسان من يناظره ... كلما فعلت هذا اقترب مني المخالف، و مال إلى جهتي المحايد، و قلدني المؤيد ... و ربح الجميع!

علمتني الحياة 5: قوة المجموع!

علمتني الحياة أن الفرد الواحد مهما كان ألمعياً و عبقرياً و موسوعياً و صاحب خبرات زاخرة يبقى فرداً محدود الامكانيات، من السهل أن يقع في الارتجال، أو الاستعجال، أو سوء التقدير، أو الانحصار في زاوية واحدة من زوايا التفكير، أو أن يتورط في اتخاذ قرارات مبنية على معلومات غير دقيقة أو ناقصة، أو أن يخضع لتقلبات الأمزجة و الهمم التي لا ينجو منها بشر فيتقلب أداؤه معها بين صعود و هبوط.

العمل المؤسسي الجماعي المتناغم الذي يدار بروح الفريق و بآليات إدارية سليمة هو وحده القادر على معالجة تلك المثالب و جبر تلك النواقص و التقليل من أخطارها ...

و لهذا الكلام قرينة في عالم الكمبيوتر يفهمها أهل التخصص إذ أن فكرة بناء سوبر كمبيوتر بمعالج مركزي واحد فكرة متروكة هجرها العلماء منذ زمن بعيد و لم تعد مستخدمة، و حلت محلها شبكات الحوسبة التي تتكون من كمبيوترات كثيرة مترابطة تعمل معاً و تتعاون في تنفيذ المهام، و تتقاسم تخزين المعلومات و معالجتها.

و هذا تماماً ما يحصل في البشر إذا ترابطوا و اشتبكوا في صورة مؤسسية منظمة راسخة الأركان متناغمة ... بحيث تصبح مجاميع الذكاء و الشجاعة و الخبرة و الإخلاص التي يتحلى بها الأفراد تشكل كتلة واحدة تمتلك سوبر ذكاء، و سوبر شجاعة، و سوبر خبرة، و سوبر إخلاص.

لهذا فإنني أثق بقدرة فريق عمل منظم من عشرة أشخاص متوسطي الذكاء و الخبرة يفكرون معاً و يعملون معاً أكثر بمائة ضعف من مقدار ثقتي بقدرة فرد مهما بلغ ذكاؤه و مهما بلغت خبرته!

علمتني الحياة 4: منهجية اتخاذ القرار

علمتني الحياة أن أتخذ قراراتي ليس فقط بعد دراسة منطلقاتي و التأكد من صفائها و صدقها، و ليس فقط بعد دراسة الخطوة التي انا مقدمٌ عليها و التأكد من صحتها و مشروعيتها ... و إنما كذلك بعد دراسة المآلات التي سيؤول فعلي إليها و النتائج التي ستترتب عليه ... 

ففي كثير من الأحيان كنت أجد نفسي أقدم على خطوات مشروعة، منطلقاً من نوايا صافية، و إذا بي أجد فعلي قد أفضى إلى مفسدة لم ينفع معها لا سلامة نيتي و لا صوابية فعلي ... 

و مثال هذا عندما حركتني ذات مرة نية صافية (منطلق سليم) لقول كلمة حق (فعل صائب) فإذا بها تؤدي إلى فتنة و مفسدة! و ذلك لأنني قلتها بدون مراعاة لمقتضى حال السامع و لا إلى المآل المؤسف الذي سيؤدي إليه قولي حتماً ...

سلامة المنطلق ... مشروعية الفعل ... إيجابية المآل

علمتني الحياة 3: التعامل مع الأخطاء

علمتني الحياة أن أبحث لكل خطأ عن تفسير ... ليس محاولةً لتبريره أو نفيه أو التقليل من خطره و إنما لترشيد ردة فعلي تجاهه و ضبط تقيمي له و حكمي على مرتكبه ...

فالخطأ الصغير ليس كالخطيئة الكبيرة ... 
و الخطأ العفوي ليس كالخطأ المتعمد ... 
و الخطأ بعد اجتهاد ليس كالخطأ الناتج عن إهمال ... 
و الخطأ الناشئ من محض الممارسة الاختيارية الحرة ليس كالخطأ الذي تفرزه ضغوط الواقع ... 
و الخطأ الذي يتراجع صاحبه عنه ليس كالخطأ الذي يصر فاعله عليه ... 
و الخطأ الذي يمكن معالجة آثاره ليس كالخطأ القاتل ... 
و الخطأ في الممارسة و التطبيق ليس كالخطأ في الفكر و التوجه ... 
و الخطأ الذي ينحصر ضرره في النفس ليس كالخطأ الذي يتعدى ضرره إلى الآخرين ...

علمتني الحياة 2: منهجية اتخاذ المواقف

علمتني الحياة أن لا أطلق الأحكام القطعية أو أن أكون مواقفي النهائية تجاه الأحداث إلا عندما تتوفر لدي المعطايات الكافية الحاكمة لذلك الحدث.

ففي كثير من الأحيان كنت أستعجل إصدار الأحكام بناءً على انطباعات شخصية أو نتيجة التأثر بدعاية ما أو تقليداً لمن حولي ثم مع مرور الأيام و تكشف المعطيات و الملابسات و اتضاح الصورة أكتشف خطا حكمي الأول. 

أما الآن فإنني أجتهد في التروي .. تماماً مثل القاضي الذي من الممكن أن تظل القضية مطروحةً أمامه أشهر طويلة و لا يصدر حكمه إلا بعد أن تجتمع لديه أقوال الإدعاء و ردود المتهم و شهادات الشهود و دفوع المحامين.

علمتني الحياة 1: منهجية التعامل مع الآخرين

علمتني الحياة أن أعاشر كل طائفة على أفضل ما فيها، و أن أعامل الناس بمقتضى مجموع ما فيهم من خير و شر ... 

إذ أنني وجدت أن البشر على اختلاف مِلّاتهم و أخلاقهم و أعراقهم و أجناسهم و أفكارهم ليس منهم ملاكٌ و لا شيطان، بل كلهم بشر تتجاذبهم نوازع الخير و نوازع الشر، و فيهم مقادير مختلطة من أخلاقٍ صالحة و أخرى طالحة مع تفاوتٍ في النِسب ... 

فلا يخلو إنسان من خيرٍ يمكن أن أستفيدَ منه، و شرٍ يجوز لي أن أنكره و أن أتبرأ منه إن لم أستطع أن أغيره بطيب النصح، و حسن المعاشرة، و المجادلة بالتي هي أحسن.

و لم أكن بحاجة إلى أن أذهب بعيداً في تأملاتي حتى أصل إلى هذه النتيجة، فلقد وجدتها شاخصةً في نفسي التي بين جنبي .. فها أنا أتذكر تقلباتي بين ذنبٍ و توبة، و بين همةٍ و ضعف، و بين إقدامٍ و إحجام، و بين خطأ و صواب، و بين فكرةٍ مغلوطة تورطت فيها و عدولٍ عنها إلى فكرة أصوب و هكذا ....

فلو كان مستساغاً لي أن أقاطع شخصاً أو أن أقصيه من حياتي لما فيه من نوازع الشر، أو لأنه صدرت منه أخطاء لبدأت بنفسي فأنا أعلم الناس بما فيها من عيوب و أخطاء و كوارث.

و لكن كما علمتني الحياة أن أتعايش مع نفسي رغم أنها مفضوحة أمامي فقد علمتني كذلك أن أتعايش مع غيري: أوالي كل خير و أبرأ من كل شر ... و لا أبالي من أي إناءٍ خرج هذا أو ذاك.

الأحد، 14 أكتوبر 2012

الجدية الفردية لا تكفي!



تحلي أفراد تجمع بشري ما  بالجدية الفردية أمر ضروري و لكنه غير كافٍ لنهوض و تقدم ذلك التجمع، إذ لابد أن تقترن الجدية الفردية بنوع آخر من الجدية و هو "الجدية الجماعية".

و إذا اعتبرنا أن الجدية الفردية هي المدخل لنجاح الأشخاص منفردين كلٌ على حدة، فإن الجدية الجماعية هي أساس نجاح الفكرة التي تَجمَّع هؤلاء الأفراد من أجلها.  

فنجاح الأفراد منفصلين لا يعني بالضرورة أن الفكرة قد نجحت، و ذلك لأن نجاح الفرد يقاس بالانجازات و المكاسب الشخصية، أما نجاح الفكرة فيتجاوز ذلك و يقاس بمقدار القرب أو البعد من الأهداف الكلية المنبثقة من الفكرة ذاتها و الهمموم المشتركة للأفراد.

فما الفرق إذن بين الجدية الفردية و الجدية الجماعية؟ و هل يمكن أن يكون هناك تجمع من أفراد جادين و لكنهم لا يمتلكون "جدية جماعية" فيكون الفشل حليفهم؟  و لماذا الجدية الفردية للأفراد لا تكفي؟

الجدية الفردية تعني تحلي الفرد بحالة من التحفز، و الحماسة الذاتية، و الإيمان العميق بالفكرة و الإخلاص لها، و البذل الدائم للوقت و الجهد في سبيلها. توفر هذه الصفات لدى أفراد تجمع ما  كفيل بأن يجعل هذا التجمع يعمل و يبذل جهد ووقت و يستنفذ موارد، و لكنه لا يكفي لضمان أن هذا العمل يسير في الاتجاه الصحيح و بالأسلوب الأنجع، أو أنه ياتي بأكبر قدر يمكن تحصيله من الثمار و الانجازات. 

و لذلك يلزم لأي تجمع بشري صفات إضافية تسد هذه الثغرات و توفر الضمانات الإضافية اللازمة، و تلك الصفات هي ما تلخصه عبارة "الجدية الجماعية"، و من هذه الصفات:

*  القدرة على التخطيط الجماعي بشكل يضمن أن الخطة يشارك في صياغتها الجميع ثم يتبناها الجميع.

*  القدرة على التنظيم و ما يتطلبه هذا من تحديد المسؤوليات و توزيع المهام و هيكلة و مأسسة العمل.

*  ممارسة الشورى و الوفاء الكامل بمتطلباتها و الالتزام التام بنتائجها و مخرجاتها. و هذا يتطلب السماح لخطة واحدة بالعمل عند تعدد الآراء، و عدم السماح أبداً لخطط متعددة متضاربة أو غير منسجمة أن تعمل معاً، مع ضرورة إنكار الذات و مشاركة جميع الأفراد في تنفيذ الخطة التي أفرزتها الشورى حتى و إن كانت في بعض أو كل تفصيلاتها مخالفة لرأي بعضهم.

*  توفر آليات محددة يتوافق عليها المجموع للرقابة و المتابعة و التقييم، ثم تفعيل هذه الآليات و استعمالها على الدوام بمسؤولية و موضوعية و بلا إفراط أو تفريط.

*  توفر نظام داخلي أو قانون واضح  محدد  شامل يضبط العلاقات و يحدد الحقوق و الواجبات و ينظم العمليات المختلفة.  شريطة أن ينضوي الجميع تحت هذا النظام في كل الأوقات و تحت كل الظروف بلا استثناءات.

*  توفر قدر كبير من الواقعية و فهم طبيعة الحياة ليس فقط عند التعاطي مع المحيط الخارجي، و لكن كذلك عند التفاعل مع المحيط الداخلي و مع الذات، و من أمثلة ذلك إعطاء العاملين في مواقع المسؤولية حق الخطأ (في مواضع الاجتهاد)، و إدراك أن الصواب في كثير من الأحيان لا يمكن عملياً الوصول إليه إلا من خلال دورة التجربة و الخطأ.


و ما ينطبق على البشر ينطبق على التكتلات إذا ما جمعها وعاء أكبر،  فعلى سبيل المثال: كما أن كلاً من الجدية الفردية و الجدية الجماعية مطلوب تحققهما معاً في حزب سياسي لكي ينجح في تحقيق أهدافه السياسية و تطبيق أطروحاته الفكرية و برامجه الإصلاحية، فإن الجدية الفردية لآحاد تلك الاحزاب، و الجدية الجماعية لمجموع هذه الأحزاب كلاهما مطلوب و أساسي لنجاح الوطن.

على كل عنصر في مجموعة - سواءً كان هذا العنصر فرداً في مؤسسة أو قسماً في شركة أو حزباً سياسياً في وطن -  أن يدرك أنه مطالب ليس فقط بأن يكون جاداً في ذاته فحسب مهما بلغت جديته تلك من العمق و الصرامة، بل عليه أن يكون هو و أشباهه من العناصر متحلون جميعاً بجدية جماعية من ذلك النوع الذي شرحت بعض صفاته في الأعلى. 

بغير هذه الجدية ثنائية الأركان، تضيع البوصلة، و تغرق السفينة، و يتوه الجميع في دهاليز اللهو.

الجمعة، 7 سبتمبر 2012

حالة التململ الفلسطيني: مظاهر، أسباب، و مقدمات للحل



لا يستطيع أي مراقب للساحة الفلسطينية أن ينكر أن هذه الساحة تشهد مؤخراً حالة من التململ الشعبي. تتجلى معالم هذا التململ في عبارات التذمر و عدم الرضا التي ملأت الفضاء الإلكتروني و التي تناقلتها الألسن في التجمعات العائلية و دردشات الأصدقاء و أحاديث الحواري، هذا إلى جانب ما بدأ الشارع يشهده فعلاً من بعض صور الاحتجاج الميداني. 

هذه الحالة تستدعي من الجميع التحرك السريع و الفوري للتفاعل معها و استباق أي أضرار ممكن أن تنتج عن سوء تقدير للحالة أو سوء إدارة لها. 

و أول ما يلزمنا فعله هو إدراك أبعاد الموضوع إدراكاً تاماً حتى تكون ردات أفعالنا و طريقة تفاعلنا قائمة على بينة و بصيرة و وضوح رؤية، و حتى ننأى بأنفسنا عن العشوائية و التخبط في القرارات، أو الإقدام على أفعال أو ردات أفعال متهورة تضر أكثر مما تنفع.

و كمساهمة مني في إلقاء بعض الضوء على المشهد الفلسطيني الحالي سأحاول أن أطرح مجموعة من النقاط التي أرى أنها تمثل مظاهر أو أسباب للحالة أو خطوات تقربنا من الحل.

أما مظاهر حالة التململ  كما لمستها من خلال مراقبتي فهي:
  1. أنها حقيقية و تلقائية،  فالتجارب السابقة قد تدفع البعض إلى الاعتقاد بأن ما يجري هو تكرار لحراكات سابقة كانت مفتعلة أكثر منها صادقة، و ناتجة عن تعبئة و تحريض أكثر منها عن قناعة و تلقائية.  الحالة الحالية على خلاف أغلب ما سبق هي حالة تململ حقيقية شعبية صرفة، ليست مصطنعة و لا موجهة و لا معبأة.
  2. أنها تجاوزت الحدود الفصائيلة و تخطتها،  فعلى خلاف ما كنا نراه سابقاً من حالات تذمر فئوية أو حزبية كنوع من النكاية و الكيد بالفصيل المخالف الموجود في الحكم، فإن ما نشهده اليوم قد تجاوز هذه الحالة، و بدأنا نسمع التذمر من جميع الأطراف تجاه جميع الأطراف بما في ذلك من هم بعيدون عن التحزبات و العصبيات من عموم الناس.
  3. أنها تخطت حواجز الجغرافيا،  فهي ليست خاصة بغزة دون الضفة او الضفة دون غزة، أو بمحافظة دون أخرى، أو بمدينة دون أخرى. عبارات تذمر متشابهة و شكاوى متطابقة تسمعها في كل المدن، بل إن بعض أخبار هذا التذمر وصلت إلى التجمعات الفلسطينية في الشتات و بدأ البعض هناك يرددها و يتفاعل معها.
  4. أنها حالة تململ، و قد حاولت أن أكون دقيقاً في اختيار هذه الكلمة -تململ- للتعبير عن الحالة الشعبية الحالية، إذ أنني لا أريد أن أبالغ أو أهول أو أضخم الأمر أو أن أحمله فوق ما يحتمل،  فهي ليست حراكاً و لا انتفاضة و لا ثورة حتى الآن، و لكن التململ هو الخطوة الأولى التي تسبق الحراك الذي بدوره يتصاعد حتى يصل إلى ثورة أو انتفاضة إذا لم يستدرك.
  5. أنها متصاعدة، إذ أستطيع أن أقول من خلال مراقبتي أن أصوات النقد و الاعتراض ليست في معدل أو منحنى طبيعي كتلك التي تشهدها كل دول العالم من النوع الذي يأتي و يذهب و يتصاعد و ينخفض بحسب الظروف و التقلبات. هي حالة متصاعدة مثل كرة الثلج،  قد تختلف سرعة دوران هذه الكرة فتسرع أحياناً و تبطئ أحياناً أخرى و لكنها مستمرة في حركتها التصاعدية التراكمية بلا توقف.

هذه المظاهر يجب أن تدق نواقيس خطر، و يجب أن يستوعبها من هم في مواقع المسؤولية، و أن يناقشوها في اجتماعاتهم بجدية و اهتمام و من خلال دراسة متأنية مستفيضة، و أن لا يقعوا في خطأ التقليل من شأنها أو التعامل معها بنوع من المكابرة أو العناد أو العشوائية.

و أهم ما يجب أن يكون مطروحاً على طاولة النقاش هو بحث الأسباب الرئيسية التي وصلت بنا إلى هذا الوضع. 

قد يقول قائل أن تردي الأوضاع الاقتصادية، و زيادة معدلات البطالة، و نقص الموارد، و الغلاء، و حالة الحصار و ما شابه ذلك من قضايا  هي الدافع الأساسي للتذمر.

لا أستطيع أن أنكر أن هذه الأمور كلها هي من العوامل المساعدة على التذمر، و لكنها ليست الأسباب الرئيسية من وجهة نظري، و دليلي في ذلك أن الشعب الفلسطيني طوال تاريخه الحديث يعيش في حالة شبيهة بما نحن عليه الآن من شظف عيش بل ربما أصعب و أقسى تخللتها نكبة و نكسة و هجرتين و أربعة حروب و انتفاضتين، و مع ذلك لم يتذمر الناس و لم يضيقوا بأنفسهم و بمن يقودونهم ذرعاً، بل على العكس لم تزدهم المعاناة إلا صموداً و إصراراً و ثباتاً و تماسكاً.

و عليه فلا أظن أن هذه العوامل الاقتصادية هي الباعث الأساسي على التذمر. أعتقد أن المحركات الأساسية لحالة التململ يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  1. انسداد الأفق،  بل انسداد الآفاق كلها، و أعني هنا آفاق الحل للقضية الفلسطينية، فطريق العمل السياسي المتمثل في المفاوضات و العمل الدبلوماسي وصل إلى طريق مسدود و موت نهائي و يأس تام من العودة إلى الحياة، و طريق المقاومة كذلك وصل هو الآخر إلى طريق مسدود  أو على الأقل دخل في حالة من ضبابية الأفق.  و بالتالي أصبح المواطن يعاني و يضحي و يدفع الأثمان الغالية في كلا شقي الوطن دون أن يعرف بالضبط إلى أين هو ذاهب،   و لا يعرف مقابل ماذا بالتحديد هو يدفع الثمن الغالي، و أي أفق بالضبط عليه ان يستطلع و يراقب ليعرف مدى قربه أو بعده من أهدافه و طموحاته.  هذه الحالة من ضبابية الرؤية و انسداد الأفق غير مسبوقة في التاريخ الفلسطيني، و لا شك عندي  أن لها انعكاسات نفسية ضخمة على الناس قللت من قدرتهم على التحمل و الصبر و الاصطفاف خلف القيادات التي تدير القضية و توجه الدفة، و كما قيل (ليس للحياة قيمة إذا لم يكن فيها شيء نناضل من أجله)  و هذا هو الشعور الذي تسلل لنفوس الناس مع مرور الأيام للأسف. أقصد أن غياب آفاق النضال قلل قمية الحياة لدى الناس و من هنا كان التذمر.
  2. حالة الانقسام: فبغض النظر عن التفسيرات المختلفة لحالة الإنقسام و العوامل التي أدت إليها، و بغض النظر عن  من يتحمل المسؤولية عنها، و بغض النظر عن من المصيب و من المخطئ فيها، بغض النظر عن هذا كله  فإننا جميعاً و منذ وقوع الإنقسام و نحن نشعر أننا نمر في فترة استثنائية شاذة غير طبيعية مهما بدت جيدة لبعضنا و مهما حاولنا التعايش معها.  المعنى الذي أريد أن أقوله أن الحالة النفسية للمواطن الفلسطيني منذ وقع الانقسام في مساحتي الشعور و لا الشعور تسيطر عليها حالة من عدم الارتياح و عدم الاستقرار الداخلي. هذه النفسية تعاضدت مع ما وصفته في النقطة السابقة ووفرتا معاً أسباب أكبر للتذمر و الضيق و التململ.
  3. الفشل الجماعي في تحمل المسؤولية. قد يكون من الصعب تحميل المسؤولية لجهة بعينها او لفرد بعينه، إذ أنك ستجد عند كل طرف تفسيرات تبريرية تعفيه هو من المسؤولية و تلقى باللائمة على الآخرين، و ربما تجد كلامه مقنعاً أو فيه شيء من المنطلق على الأقل!  و لكني أعتقد أن المشكلة الرئيسية ليست في التيارات إذا ما تناولناها كلاً على حدة، و لكنها مشكلة في المجموع،  أي في التخطيط معاً و العمل معاً على تنوعنا و اختلافنا.  بمعنى آخر نحن فشلنا طوال سنوات كثيرة مضت في الاتفاق على خطة أو رؤية واحدة، و فشلنا كذلك في السماح لأي خطة أو رؤية مقترحة أن يتم تجريبها كاملة دون إحداث حالة من التضارب بين خطط متعددة متناقضة. هذه الحالة من  تعدد الخطط العاملة أدت إلى حالة تضارب و تخبط فشلت معها كل الخطط جملةً واحدة، و أدت في النهاية إلى شعور المواطن بالتيه و التخبط و الضياع.

هذه بعض الأسباب الجذرية لحالة التذمر الحالية باعتقادي، و القضايا الأخرى ما هي إلا أسباب فرعية أو ظاهرية من وجهة نظري.

و الآن ما هو الحل؟  لن أستطيع بمفردي أن أضع حلاً لهذه المشكلة المركبة المعقدة، و حتى لو تمكنت من وضع تصور مقترح فلن تكفي هذه التدوينة لعرضه، و لذلك سأكتفي بعرض مقدمات للحل. هذه المقدمات تمثل شروطاً لازمة لابد أن نحققها و نحن نخطو في طريقنا نحو الحل:

  1. الإعتراف بالفشل الجماعي: لابد أن نخرج من مربع المكابرة و من دائرة التبرير و من دوامة تبرئة الذات و اتهام الآخر، لابد أن نعترف أننا فشلنا في أن نعمل معاً، قد يكون كل فصيل نجح في أن يضع تصور مقنع له و لأفراده، و ربما يكون قد نجح في اتخاذ خطوات عملية إلى الأمام في ضوء هذا التصور، و قد يكون تصور كل فصيل صحيح و سليم -ولو نسبياً- بمفرده، و لكننا مع ذلك فشلنا في العمل معاً فكان الإخفاق من نصيب الجميع كما سبق و شرحت في الأسباب في الأعلى.  و عندما أقول الفشل الجماعي فإنني أجمع الجميع و نفسي و كل فرد فلسطيني،  و ذلك لأن كل واحد منا ساهم بشكل أو بآخر في هذا الفشل سواءً من خلال القيام بأعمال سلبية ساهمت في تسميم الأجواء و التمهيد للفشل، أو من خلال السكوت و التقاعس عن معاكسة السلب بإيجاب، و مواجهة الخطأ بنصيحة صريحة.
  2. إعادة تعريف المشكلة: إذ لا يمكن إيجاد علاج ناجع بدون تشخيص المشكلة تشخصياً سليماً.  فمن الخطأ مثلاً أن نسطح المشكلة بحيث نعتقد أنها بدأت مع هذه الحكومة أو تلك ، أو تقزيمها و حصرها في سوء إدارة الوزير الفلاني أو المدير العلاني. ما أراه من وجهة نظري أن ما نشهده حالياً ما هو إلا خطوات متقدمة في مسارات خاطئة سرنا بها منذ وقت طويل فوصلت بنا إلى حقل أشواك أو نهايات مسدودة. ما هو مطلوب منا كمقدمة للحل هو أن نمارس عملية عصف ذهني موسعة نقوم من خلالها بإعادة تعريف المشكلة بحيث نعود إلى بداياتها الأولى و جذورها العميقة و نتراجع إلى ما قبل الخطوة الأولى في المسار الخاطئ الذي سلكناه. هذا العصف الذهني هو واجب جماعي يحتاج إلى نقاش موسع و تناقح أفكار و آراء.
  3. تحديد المطالب: علينا أن نحول عبارات التذمر العامة الفضفاضة إلى مطالب واضحة عملية واقعية قابلة للتنفيذ. و الواقعية  هنا مطلوبة بشدة،   فعلينا أن ندرك مثلاً أن كثير من الظروف الاقتصادية و الأمنية و السياسية لن تتغير كثيراً بتغير حكومة و حلول حكومة جديدة، فالعوامل المسببة لهذا التردي الاقتصادي لها خلفيات و أسباب أبعد من ذلك. مطالبنا يجب أن تتمحور بالأساس حول أسباب الفشل كالمطالبة بصياغة استراتيجية وطنية موحدة للتعامل مع القضية الفلسطينية و إيجاد آليات عملية جامعة متفق عليها لتنفيذ هذه الاستراتيجية، و يتضمن هذا بشكل تلقائي إنهاء كل الأوضاع الشاذة كالانقسام السياسي و ما نتج عنه.
  4. رفض الحلول الترقيعية و السعي نحو خلق أجواء جديدة: فالأمر لم يعد يحتمل الترقيع مهما كانت الرقعة جميلة و براقة. لا يمكن إنهاء حالة التذمر إلا بخلق أجواء جديدة يشعر المواطن معها بتحول مفصلي كبير و تغير في المسارات و ليس مجرد تغيير من يتولى عجلة القيادة.
  5. استرداد الثقة بالنفس وعدم اليأس : كلامي هذا يجب أن لا يدفعنا إلى الشعور بخيبة الأمل، أو أن الفشل في جزئية العمل معاً  يعني أننا فشلنا فشلاً مطلقاً في كل شيء فهذا غير صحيح، فعلى الرغم من تضارب مسارات تحركنا إلا أننا و بفضل الله تمكنا من تناوش إنجازات من على جانبي الطريق تستحق أن نفتخر بها و أن نستعملها كزاد للتصحيح. 

هذه هي مساهمتي في محاولة فهم أبعاد الوضع الحالي، و قراءة المشهد المعقد، و التنبيه شبه المبكر على ما سيؤول إليه من نهايات إذا لم يسارع العقلاء بخطوات استدراكية واعية تعالج الجذور و تخلق بيئة جديدة.