الحلقة الثانية: اليوم الأول!
في مساء يوم الجمعة 20 مايو وصلت إلى مطار مدينة سان هوزيه ثالث أكبر مدن كاليفورنيا و عاصمة وادي السيليكون الشهير الذي يقع إلى الجنوب من خليج سان فرانسيسكو. تعد هذه المنطقة من أكثر مناطق أمريكا شهرةً و ثراًء و ازدحاماً و اكتظاظاً سكانياً و غلاء! فهي تستضيف مقرات كبرى شركات التكنولوجيا العالمية كإنتل و ياهو و جوجل و سيسكو و إتش بي و أوراكل و أدوبي و غيرها الكثير من شركات التكنولوجيا المعروفة عالمياً. أما مقر شركة الفيسبوك فهو في قلب وادي السيليكون في مدينة بالو ألتو حيث جامعة ستانفورد العريقة.
أول أيام العمل كان يوم الاثنين 23 مايو، و كان اليوم الأول مخصصاً بطوله للترحيب بالطلبة المتدربين و الموظفين الجدد، و لتعريفهم بالشركة و فلسلفتها و قيمها و أخلاقيات و قوانين العمل فيها، و لتحفيزهم للعمل و الانجاز و الإبداع و التأثير.
انطلقت في الساعة السابعة صباحاً من مكان إقامتي المؤقت في ضيافة أحد الأخوة الأعزاء في مدينة سنيفيل نحو الشركة، كانت الشوارع مزدحمة جداً كالعادة، فحركة الناس تكون نشطة جداً منذ مبكراً جداً من النهار! و بالرغم من الازدحام إلا أنني كنت مستمعاً بمشاهدة جمال الطبيعة حيث تلتقي الجبال الشامخة التي تتخلل قممها غيوم بيضاء مع السهول الخضراء، و لم أشعر بضيق و لا بضجر عندما علقت في اختناق مروري بجوار شارع ناسا إذ كنت أتسلى بمشاهدة مقر أبحاث وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، و على مقربة منها على الطرف الآخر من الشارع أحد مقرات شركة مايكروسوفت الشهيرة.
وصلت إلى مقر الشركة و اتجهت إلى المبنى رقم 4 بحسب التعليمات، دخلت القاعة المخصصة لبرنامج الاستقبال و التدريب، فوجت ما يقارب ال 400 طالب مثلي قدموا من ولايات أمريكية مختلفة و من دول أخرى ككندا و الهند و ماليزيا و مصر و لبنان و بعض دول الاتحاد الأوروبي، كلهم استضافتهم الشركة للتدريب و العمل في مكاتبها خلال الصيف!
كان المكان مرتباً جدا، و لا يحتاج الإنسان إلى كثير من الوقت ولا إلى دقة ملاحظة ليستنتج أن الفريق القائم على إعداد برنامج الاستقبال قد قام بعمله على أتم ما يمكن.
فبمجرد أن دخلت القاعة أسرع أحدهم نحوي ليستقبلني و يشردني إلى مقعد و طاولة وجدت عليها اسمي، و على الطاولة جهاز ماك بوك جديد بمواصفات فائقة، و جهاز أي فون جديد مدفوع التكاليف بالكامل، و حقيبة فاخرة، و دفتر، و قلم، و قميص عليه شعار الشركة!
كان المكان مزوداً بشتى صنوف المشروبات الساخنة و الباردة، و شتى أشكال الحلوى و الشوكلاطات المتنوعة و ألعاب مختلفة مسلية.
ابتدأ البرنامج بفقرة قصيرة تم خلالها تعريفنا بكيفية إنشاء حسابات داخلية، و كيفية الدخول إلى الشبكة، و غيرها من الأمور الفنية الأساسية.
الفقرات التالية كانت غاية في الامتاع، و كانت كلها تهدف إلى تفجير قنبلة ذرية تحفيزية (نعم قنبلة ذرية بكل ما في الكلمة من معنى) في نفس كل واحد منا لتدفعه بقوة نحو العمل و الانجاز و إحداث أثر.
تنوعت الفقرات بين مشاهدة مقاطع فيديو توثيقية، و كلمات لمتحدثين من موظفي و مديري الشركة، و نقاشات مفتوحة.
كانت الرسالة الأساسية التي حاولت كل الفقرات التركيز عليها هي "الأثر - Impact" الكبير للشركة في حياة الناس اليومية في كافة أرجاء العالم، و كان مثال الثورة المصرية حاضراً في كل فقرة تقريباً، فلا أذكر أن أحداً من المتحدثين بمن فيهم عريف البرنامج قد غادر المنصة دون أن يذكر الثورة المصرية كمثال حي و بارز على أثر الفيسبوك في إحداث التغيير.
و كانت أكثر الكلمات حماسة و تحفيز هي كلمة Chris Cox مدير المنتجات في الشركة، و هو شاب في مقتبل العمر من مواليد 1982! و هو من الرعيل الأول في الشركة و ممن حضروا أيام التأسيس. تحدث كريس عن تاريخ الشركة القصير و عن قفزاتها السريعة و صعودها المفاجئ الذي فاجأهم هم قبل أي أحد آخر، و عرج قليلاً على فيلم (الشبكة الاجتماعية) فقال أنه مليء بالمغالطات و الأخطاء دون أن يذكر تفاصيل.
ثم تحدث بإسهاب عن الأثر العالمي للفيسبوك، و نموه و انتشاره السريع، و تغلغله في العالم... و كغيره من المتحدثين توقف عند الثورة المصرية، و كيف كان أثر الفيسبوك واضحاً فيها، و ذكر أن العديد من الاتصالات من مصادر متعددة كانت تصلهم تسألهم: هل أنتم تحركون ما يجري في مصر؟ هل أنتم من دبر الثورة؟ فكانوا يجيبون بالنفي في كل مرة. ثم بين كم كانت دهشتهم عظيمة و هم يشاهدون بأعينهم كيف أن موقع إلكتروني أنشأوه منذ سنوات قليلة فقط و دون أن يخطر ببالهم أن يكون له هذا الانتشار الكبير و السريع، اندهشوا كيف أنه أصبح أداة رئيسية استخدمها الثوار و المقهورون لتغيير نظام حكم و إعادة رسم مستقبل بلد بل منطقة بأكملها!
كل هذا جرى في اليوم الأول داخل قاعة الاستقبال في المبنى رقم 4، تبعه تدريب تقني مكثف في نفس المكان و لمدة يومين آخريين على أدوات الشركة الداخلية و برامجها.
في اليوم الرابع انتقلنا إلى المبنى الرئيسي الضخم المشهور باسم 1601 و الذي يتواجد فيه أغلب المهندسين.
في الحلقة القادمة سوف أحدثكم عن عجائب 1601 و بيئة العمل الغريبة التي تبنتها الشركة على خلاف كل ما أعرفه من الشركات الأخرى... الجميع يستغرب من هذه البيئة حتى مصمميها:



.jpg)
