‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر على طريق النهضة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر على طريق النهضة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 19 مارس 2014

خواطر على طريق النهضة: 7 - دربٌ طويل

هذه الخاطرة السابعة من مجموعة خواطر نثرية أدبية كتبتها منذ 6 أعوام تحكي قصة رمزية لأحد صناع الحياة جلس دهراً طويلاً في بيت السلبية و النكوص، و بعد أن التذع قلبه لحال وطنه و أمته قرر أن ينهض و أن ينتفض و أن يخرج من سلبيته إلى طريق الإيجابية و صناعة الحياة و النهضة. 

الخاطرة الأولى كانت بعنوان "المفتاح و رسالتها الأساسية أن أول خطوة في طريق العمل من أجل نهضة الأوطان هي عقد نية خالصة لا تخالطها مصالح شخصية أو مطامع دنيوية أو حظوظ نفس.

الخاطرة الثانية كانت بعنوان "غذ روحك .. و اكتمل" و رسالتها أن مشوار النهضة يحتاج إلى زاد و تكوين إيماني و علمي و مهاري و جسماني متكامل.

الخاطرة الثالثة كانت بعنوان "هل يقف؟"  و رسالتها أن مساعي النهضة تحتاج إلى إيجابية عالية و استعداد للبذل و العطاء و الفناء،  و إقدام إلى الأمام ... بلا توقف! 

الخاطرة الرابعة كانت بعنوان "ارفع راية"  و رسالتها أن من واجب صانع الحياة أن يكون عنصر تحفيز و تحريك لمن حوله .. فيكون هو المبادر و حامل الراية ثم يجمع من حوله نفر كثير متنوعي المهارات و القابليات ليكونوا هم نواة النهضة و مشروعها الأول.

الخاطرة الخامسة كانت بعنوان "لا تتأخر!"  و هي دعوة مفتوحة بصوت عالٍ لكل صاحب عطاء أياً كان تخصصه أن يلتحق بقوافل العاملين و أن يضع يده في أيديهم حتى تحصل البركة و يكون التوفيق حليف الجميع.

الخاطرة السادسة كانت بعنوان "همة الملوك" و تصف حالة الهمة العالية التي ينبغي أن يتصف بها صانع الحياة على الدوام لتكون وقود التحريك اللازم للتوغل بعيداً في درب النهضة الطويل ...


الحلقة السابعة: درب طويل





بقدر الهم : تكون الهمة ...

و لا يحوز همة الملوك إلا من قضت الهموم مضجعه ، و أفزعت الخطوب مخدعه، و أغرقت جراح الأمة مدامعه… و استقر في جوف قلبه شعور رصين قويٌ مكين أنه لابد من بذل الروح و إنفاق العمر لتحيا الأمة و تشرق أنوار النهضة…

و لئن كان امرؤ القيس في زمن الجاهلية قد مدح صاحبه في شعره فوصفه بـ : ( قليل همومٍ ... ما يبيت بأوجال)، يعدُّ الفراغ و راحة البال و قلة الهموم  خصلةُ تُمدح و تُطرى ..  فإن صانع الحياة على العكس تماماً:  قد نذر نفسه لهم النهضة، و جعلها موقوفةً خالصةً لهموم الأمة، و قدمها قرباناً تقترب به الأمة من لحظة العز المنشود و السؤدد المفقود ، تسمعه يردد : 

إن السعادة أن تعيــــش ::: لفكـــرة الحق التليد
لعقيدةٍ كبرى تحــــــــل ::: قضيـة الكون العتيد
تعطي حياتك قيمــــــــةً ::: رب الحيـاة بها يشيد

(فإذا جالت هموم الناس في أفلاك شهواتهم ، حلق نجم همه في فلك فكرته و نهضة أمته:
سارت مشرقةً ، و سرت مغرباً ::: شتان بين مُشّرقٍ و مُغرِّب

و تعجب لحاله و قد أسهر ليله و أضنى نهاره ..في ليله قائم، و في نهاره هاجم ... قيامٌ لا قعود عنه ... و ركوبٌ لا نزول معه .. شعاره العُمَرِي الأصيل : ( الراحة للرجال غفلة ) ... )* 

إذا تكلم عن أمته و خاض في أدوائها و همومها كان له في سفيان الثوري سلف حين سأله ولده : يا أبت لماذا إذا تكلمت أبكيت الناس؟ فأجابه : ( يا بني ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة ) ... 

حياته صورة حية لما سطره صانع الهند (الندوي) في (تذكرة الدعاة) حين قال :

(( إنه من الواجب أن تكون في قلوبكم نارا متـقدة تكون في ضرامها على الأقـل مثـل النار التي تتـقد في قلب أحدكم عندما يجد ابناً له مريضاً ، ولا تدعه حتى تجره إلى الطبيب ، أو عندما لا يجد في بيته شيئاً يسد به رمق حياة أولاده ، ولاتـزال تـقـلـقه و تضطره إلى بذل الجهد والوسع)) 

((وعليكم بالسعي أن لا تـنـفـقوا لمصالحكم وشؤونكم الشخصية إلا أقـل ما يمكن من أوقاتكم و جهودكم ، فتكون معظمها منصرفة لما اتخذتم لأنفسكم من الغاية في الحياة وهذه العاطفة مالم تكن راسخةً في أذهانكم ، ملتحمةً مع أرواحكم و دمائكم ، آخذةً عليكم ألبابكم وأفكاركم ، فإنكم لا تـقـدرون أن تحركوا ساكناً بمجرد أقوالكم ))

يا نهضة ... هذا هو صانع الحياة:


له أحاديث من ذكراك تشغله ::: عن الطعام و تلهيه عن الزاد


صانع الحياة قد وحد همه ... رايته المرفوعة قد كتب عليها قول سيد الصانعين صلى الله عليه و سلم: (( من جعل الهموم هماً واحداً ، هم آخرته، كفاه الله هم دنياه )) .. 

و لصانع الحياة عقل لا يريحه فهو دائم الانشغال في أمور الأمة و دائم التفكير في قضايا النهضة ... تفكيرٌ أذهله عن الكل ... 

سلفه في ذلك الصانع -إمام أهل السنة- أحمد ابن حنبل يوم أن دخل عليه أبو سعيد الواسطي السجن قبل أن يضرب في فتنة المعتزلة و فرية خلق القرآن .. فقال له في بعض كلامه : يا أبا عبد الله : عليك عيال، و لك صبيان ، و أنت معذور . كأنه يبرر له و  يسهل عليه الاستسلام و التراخي أمام الخليفة،  فقال له أحمد ابن حنبل: (( إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد فقد استرحت !)) 

و مع هذا كله فإن في حياته سعادة لا تُجارى منبعها الروح،  و سرورٌ لا يوصف قد سكن في سويداء القلب ... الناس ترى الغبطة في الدعة و الراحة و السكون و هو ينشدها في إتعاب الجسد و إتلاف الجوارح و الأطراف ... يقول :

قالوا السعادة في السكون ::: و في الخمول و في الخمود
قلت الحياة هي التحـرك :::  لا السكون و لا الهمــــــــود
و هي التلذذ بالمتاعـــب ::: لا التـــــلذذ بالرقـــــــــــــود

هذه هي حياة صانع الحياة التائق للنهضة ...  نقلنا لكم طرفاً من أخبارها ... و ما خفي كان أعجب !!   قد تبدو طريقه صعبة و شاقة و تحفها الأشواك و ألوان المكاره ... و لكن:

هذا السبيلُ ولا سبيلَ سِواهُ إن تبغِ الوصول
هذا السبيلُ وإِن بدا من صاحبِ النظرِ الكليل
درباً طويلاً شائكاً أو شِبهَ دربٍ مستحيــــــل
لا دربَ يوصلُ غيرَه مع أنه دربٌ طويــــــــلْ

خواطر على طريق النهضة: 6- همة الملوك

هذه الخاطرة السادسة من مجموعة خواطر نثرية أدبية كتبتها منذ 6 أعوام تحكي قصة رمزية لأحد صناع الحياة جلس دهراً طويلاً في بيت السلبية و النكوص، و بعد أن التذع قلبه لحال وطنه و أمته قرر أن ينهض و أن ينتفض و أن يخرج من سلبيته إلى طريق الإيجابية و صناعة الحياة و النهضة. 

الخاطرة الأولى كانت بعنوان "المفتاح و رسالتها الأساسية أن أول خطوة في طريق العمل من أجل نهضة الأوطان هي عقد نية خالصة لا تخالطها مصالح شخصية أو مطامع دنيوية أو حظوظ نفس.

الخاطرة الثانية كانت بعنوان "غذ روحك .. و اكتملو رسالتها أن مشوار النهضة يحتاج إلى زاد و تكوين إيماني و علمي و مهاري و جسماني متكامل.

الخاطرة الثالثة كانت بعنوان "هل يقف؟"  و رسالتها أن مساعي النهضة تحتاج إلى إيجابية عالية و استعداد للبذل و العطاء و الفناء،  و إقدام إلى الأمام ... بلا توقف! 

الخاطرة الرابعة كانت بعنوان "ارفع راية"  و رسالتها أن من واجب صانع الحياة أن يكون عنصر تحفيز و تحريك لمن حوله .. فيكون هو المبادر و حامل الراية ثم يجمع من حوله نفر كثير متنوعي المهارات و القابليات ليكونوا هم نواة النهضة و مشروعها الأول.

الخاطرة الخامسة كانت بعنوان "لا تتأخر!"  و هي دعوة مفتوحة بصوت عالٍ لكل صاحب عطاء أياً كان تخصصه أن يلتحق بقوافل العاملين و أن يضع يده في أيديهم حتى تحصل البركة و يكون التوفيق حليف الجميع.


 الحلقة السادسة: همة الملوك




همتي همة الملوك ونفسي  ::::  نفسُ حرٍ ترى المذلة كفـراً

ما أصدق أبيات الشافعي في النطق بلسان حال صاحبنا صانع الحياة المتشوق للنهضة ... 

فالهمة العلية السامقة و النفس الحرة الأبية المحلقة هما أجذر نبتتين زُرعتا في قلبه، فأثمرتا ثمراً غضا طرياً  (استوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار) فـ( انظروا إلى ثمره إذا أثمر و ينعه) ... 

فصانع الحياة لا سقف لهمته:   قدمه في الثرى .. و هامة همته فوق الثريا!!


له همةٌ لا منتهى لغايتهــــــا  ::::  و همته الصغرى أجل من الدهر!!

لا يقنع بالمرتبة الدنيا، و لا بالمرتبة الوسطى من معالي الأمور ...  تجده دائماً يردد قول النابغة الجعدي :

بلغنا السما أجدادنا و جدودنا ::::  و إنا لنبغي فوق ذلك مظهرا!!


و مذهبه هذا في طلب المعالي ليس بالمبتدع ... بل هو عين الاتباع لمذهب مبدع بغداد - ابن الجوزي- حين قرر في كتابه "صيد الخاطر" أنه : 
(( ينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يتصور للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض، فلو كانت النبوة تأتي بكسب لم يجز له أن يقنع بالولاية، ولو كانت تحصل بالاجتهاد رأيت المقصر في تحصيلها في حضيض، غير أنه إذا لم يمكن ذلك فينبغي أن يطلب الممكن، أو تصور مثلا أن يكون خليفة لم يحسن به أن يقتنع بإمارة، ولو صح له أن يكون ملكا لم يرض أن يكون بشرا، والمقصود أن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن لها في العلم والعمل! ))

و على هذا الخطو الصاعد المحلق كان عرف السائرين من الصناع الأوائل ... فهذا عمر بن عبد العزيز صاحب النفس التواقة و الهمة المضيئة المشرقة يصف نفسه و يقول : 

(( إن لي نفسا تواقة، لقد رأيتني وأنا في المدينة غلاماً مع الغلمان، ثم تاقت نفسي إلى العلم وإلى العربية والشعر فأصبت منه حاجتي وما كنت أريد.. ثم تاقت نفسي وأنا في السلطان إلى اللبس والعيش والطيب فما علمت أن أحدا من أهل بيتي ولا غيرهم كان في مثل ما كنت فيه.. ثم تاقت نفسي إلى الآخرة والعمل بالعدل فأنا أرجو ما تاقت إليه نفسي من أمر آخرتي ))

صانع الحياة يطلب الإمامة و يسعى إليها! و لكنها إمامة العلم و إمامة التقوى  و إمامة البذل، شعاره: ( واجعلني للمتقين إماماً...) ... و لإبراهيم –عليه السلام- في طلب هذا و السعي إليه قدم سبق ... فيا فوز من اتبع!

صانع الحياة لا يتأخر عن ركاب الخير ... بل تراه قد أسرج له مع كل قافلةٍ سائرة إلى الله خيل ...و قد حجز له في كل ميدانٍ من ميادين العطاء محل ... تعجب لحاله كيف يتصدر السائرين في كل محفل .. و غفلت أن وصية وهيب بن الورد: (إذا استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحدٌ فافعل) قد حركت همته ، و أوقدت نار عزيمته فانطلق من بين الركبان إلى أعلى مكان !!!

بهذه الروح القممية الخفاقة، و تلك النفس المشرقة الوضاءة.. لما سمع صانع الحياة نداء ( لا تتأخر)  فإذا به يطير على متن همته، آخذاً بعنان عزيمته، متقلداً سيف إرادته، فلم يحط رحاله إلا في مقدمة الركب حيث الهمم العلية :همم الملوك ... 



الثلاثاء، 18 مارس 2014

خواطر على طريق النهضة: 5 - لا تتأخر!

هذه الخاطرة الخامسة من مجموعة خواطر نثرية أدبية كتبتها منذ 6 أعوام تحكي قصة رمزية لأحد صناع الحياة جلس دهراً طويلاً في بيت السلبية و النكوص، و بعد أن التذع قلبه لحال وطنه و أمته قرر أن ينهض و أن ينتفض و أن يخرج من سلبيته إلى طريق الإيجابية و صناعة الحياة و النهضة. 

الخاطرة الأولى كانت بعنوان "المفتاح و رسالتها الأساسية أن أول خطوة في طريق العمل من أجل نهضة الأوطان هي عقد نية خالصة لا تخالطها مصالح شخصية أو مطامع دنيوية أو حظوظ نفس.

الخاطرة الثانية كانت بعنوان "غذ روحك .. و اكتملو رسالتها أن مشوار النهضة يحتاج إلى زاد و تكوين إيماني و علمي و مهاري و جسماني متكامل.

الخاطرة الثالثة كانت بعنوان "هل يقف؟"  و رسالتها أن مساعي النهضة تحتاج إلى إيجابية عالية و استعداد للبذل و العطاء و الفناء،  و إقدام إلى الأمام ... بلا توقف! 

الخاطرة الرابعة كانت بعنوان "ارفع راية"  و رسالتها أن من واجب صانع الحياة أن يكون عنصر تحفيز و تحريك لمن حوله .. فيكون هو المبادر و حامل الراية ثم يجمع من حوله نفر كثير متنوعي المهارات و القابليات ليكونوا هم نواة النهضة و مشروعها الأول.




الخاطرة الخامسة:  لا تتأخر!



لما نزل قول الحق : ( فاصدع بما تؤمر ... )  و كان الإيذان بالصدع ... ارتقى سيد الصانعين -صلى الله عليه و سلم - ربوة الصفا و هتف بقومه : (ياصباحاه !!) ...

نداء الصباح ... بعد أن أطنب ليل الجاهلية و طال
نداء النور ... بعد أن احلولك ظلام الشر  و اشتد
نداء الهداية ... بعد أن جلجلت نداءات الضلالة دهراً 
نداء الدعوة الصارخة الصادحة الصادقة إلى طريق العدل و الحرية .... طريق النهضة و البناء و صناعة الحياة ...

و على نفس النهج ... لما لامست (ارفع للنهضة راية ) سمع صانع الحياة و قلبه،   نهض من فوره، و ارتقى ربوة الصفاء، و رفع  راية الخير بيمناه، و هتف بالسائرين: ( يا صباحاه! ) ثم انشد يخطب:

قم نعد عدل الـهداة الراشـديـن *** قم نصل مجد الأباة الفاتحيـن
قم نفكَّ القـيــــــد قد آن الأوان *** شقي الناس بدنيا دون ديــــن
فلنعدها رحمـة للعـالميــــــــن *** لا تقل: كيف ؟، فإنا مسلمون
يا أخا الإســلام في كل مكـان *** اصعد الربوة و اهتف بالأذان
وارفع الراية في أعلى مكان *** و املأ الآفاق : إنا مسلمــــون
مسلمون مسلمون مسلمـــون *** حيث كان الحق و العدل نكون

ثم يرفع عقيرته مرةً أخرى مردداً  هتاف من سبقوا:

(لابد من طليعة ، تعزم هذه العزمة ، وتمضي في الطريق)

( و الثلاثة يصبحون عشرة ، و العشرة يصبحون مائة، و المائة يصبحون ألفا، و الألف يصبحون اثني عشرة ألفا ... )  بإذن الله!

كان من صاحبنا الهتاف ... بإخلاصٍ ... و صدقٍ ... و حرص...  فكانت الاستجابة من أرهاط الخير ... بإقبالٍ... و إصرارٍ ... وإقدام ... و انحازت قوافل الأخيار إلى راية الخير ...  ومضت قافلة الرواحل:

(وجهتها معروفة واضحة ... و خطاها وئيدة ثابتة .... نجائبها لا تعوقها العوائق، و لا تلتفت إلى الوراء ....  دليلها حداء، لا تزعجها صرخات النشاز ، و لا يحول دون سيرها همس الإغراء ..)(1)

(تمضي هادئة... و لكنها أقوى من الزوابع العاصفة ... 
تمضي متواضعة...لكنها أعزمن الشم الرواسي ... 
تمضي بخطىً محدودة....لكنها أوسع من حدود الأقطارالأرضية جميعاً...
تمضي خالية من المظاهر الزائفة والبهرج الكاذب ....ولكنها محفوفة بجلال الحق، وروعة الوحي، ورعاية الله ...
تمضي مجردة من المطامع والأهواء والغايات الشخصية و المنافع الفردية .... ولكنها تورث الملتحقين بها السائرين بركبها السيادة في الدنيا، والجنة في الآخرة. )(2)

تمضي قافلة الرواحل ...   و الحادي يناديك:   يا أخي اركب معنا...

ماذا تنتظر..؟!!!
هيا
اسرج خيلك...
امتطِ صهوة جوادك...
خذ بعنان فرسك ...
الحق بالركب ... 
ولاتتأخر!!
انهض وشاركنا بصوتك ... وقلمك ... ومسطرتك ...ومشرطك ... و فأسك ....و دفترك ....و عقلك .... و مواهبك .... و إيجابيتك .... و حبك للخير .... و إخلاصك ....  ولاتتأخر !

فالصامت .... متأخر 
والمتفرج .... متأخر
و القاعد.... متأخر
و الناظر إلى الوراء.... متأخر
والراضي بالدون.... متأخر
و السلبي.... متأخر
و صاحب الهمة الدنيئة.... متأخر
وصاحب القلم الجاف.... متأخر
وصاحب الطاقة المخزونة غير المتفجرة.... متأخر
و صاحب المواهب المخفية... متأخر
وصاحب الإبداعات الكامنة المتوارية.... متأخر

متأخر.... و الحادي لا ينتظر ....
متأخر.... و الفرص قلائل...
متأخر.... و العمر محدود ...
متأخر.... والله يسأل عن العمل....
متأخر .... والقافلة تمضي قدماً....
متأخر ... و سوف يندم ...
ولات حين مندم !!

فالحق بالركب هيا...

و لا تتأخر!!


و إلى لقاء قريب قادم مع خواطر على طريق النهضة





-----------------------------------
(1) الفقرة مستفادة من مسافر قي قطار الدعوة بتصرف
(2) الفقرة من تحت راية القرآن بتصرف

الأحد، 16 مارس 2014

خواطر على طريق النهضة: 4- ارفع راية

هذه الخاطرة الرابعة من مجموعة خواطر نثرية أدبية كتبتها منذ 6 أعوام تحكي قصة رمزية لأحد صناع الحياة جلس دهراً طويلاً في بيت السلبية و النكوص، و بعد أن التذع قلبه لحال وطنه و أمته قرر أن ينهض و ينتفض و يخرج من سلبيته إلى طريق الإيجابية و صناعة الحياة و النهضة. 

الخاطرة الأولى كانت بعنوان "المفتاح و رسالتها الأساسية أن أول خطوة في طريق العمل من أجل نهضة الأوطان هي عقد نية خالصة لا تخالطها مصالح شخصية أو مطامع دنيوية أو حظوظ نفس.

الخاطرة الثانية كانت بعنوان "غذ روحك .. و اكتملو رسالتها أن مشوار النهضة يحتاج إلى زاد و تكوين إيماني و علمي و مهاري و جسماني متكامل.

الخاطرة الثالثة كانت بعنوان "هل يقف؟"  و رسالتها أن مساعي النهضة تحتاج إلى إيجابية عالية و استعداد للبذل و العطاء و الفناء،  و إقدام إلى الأمام ... بلا توقف! 


الحلقة الرابعة:  ارفع راية!



و يمضي الصانع في طريق النهضة العريض اللاحب...   و إذ بتلةٍ شامخةٍ تلوح في مطلع الطريق ...و على أعلى قمةٍ فيها غرست راية...  و ألف تساؤلٍ و تساؤلٍ تثور ثائرته في نفس الصانع...
ما مدلولها ؟
ما مغزاها ؟
في أول منعطف في الطريق: راية!! ... لماذا ؟ 

و بعد طول تأملٍ و تدبر ...

يدور شريط الذاكرة إلى عهد ليس بعيد ... و يستذكر الصانع كلماتٍ كاد أن يحفظها منذ أن طالعها يوماً في (راية الخير) من كلام عبد الوهاب عزام يوم أن قال:

(لا يخدعنكم الفساد الظاهر والشر المستشري، ولا يهولنكم ذكر فلان وفلان من المفسدين، ففي الأمة أخيار أكثر ممن تعدون من الأشرار،  ولكنها رايةٌ رفعت للشر فأوى إليها أشرارها،  وهرع نحوها أنصارها،  ونفر منها الأخيارفلم ينحازوا إليها،  ولم نسمع أصواتهم حولها.....  ولو رفعت للخير راية لانحاز إليها الأخيار وحفوا بها وسكنت أمة الأشرار وقل جمعهم وخفت ذكرهم ) .

نعم ... إنها راية الخير ...
لاحت للصانع في أول الطريق ... 
تقول له : ارفع للنهضة راية ... 
ارفعها إلى أعلى علو ... 
ارفعها لينحاز إليها الصانعون المخلصون ...
ارفعها ليراها التائهون ... 
ارفعها ليسترشد بها المنقطعون ...

ارفعها فإن أهل الباطل لم يتورعوا لحظةً عن رفع رايات باطلهم بكل جرأة و تبجح ...فتجمع الناس حول هذه الرايات وإن كانت سوداء ... و انضووا تحت لواء أفكارها و إن كانت باطلة.... وأعطوا الولاء لقياداتها و إن كانت مفسدة فاسدة ....

ارفعها و ليرفعها من خلفك كل الصانعين...
ارفعها و لا تهب ...
ارفعها في كل ميدان:
       ارفعها في وسط البيت ... و ليرفعها أهلك ...
       ارفعها في ساحة جامعتك أو مدرستك ...و ليرفعها أقرانك ...
       ارفعها في مكتب عملك ... و ليرفعها رئيسك و مرؤوسك ...
       ارفعها في ناصية الشارع ... و ليرفعها كل من مر ...
       ارفعها في سوق الحي .. و ليرفعها كل حي... 
       

كن صانع حياة في كل ميدان ...

(فصانع الحياة: عالمٌ .. أو طالب علمٍ .. ملئ علماً و فقها و فهماً من رأسه إلى أخمص قدميه ...
صانع الحياة : مسؤولٌ يفيض هماً و عملاً و إخلاصاً و حرصاً..
صانع الحياة : أستاذُ و معلمٌ و مربٍٍ و قدوة... يفيض تجربة و حكمة ...
صانع الحياة : تاجرٌ موثرٌ ورعٌ .. يقول بالمال هكذا و هكذا في وجوه الخير ...
صانع الحياة : قاضٍ يحكم بالعدل ... باذلٌ للفضل ... واصلٌ للحبل ..
صانع الحياة : إمامٌ و خطيبٌ و شعلةٌ تنير الطريق لأهل حيه و شارعه و مسجده
صانع الحياة: شابٌ يتدفق حيويةً و ناشطاً في مدرسته أو جامعته .. و بين زملائه و اهله و عشيرته ...
صانع الحياة : متطوعٌ معطاء ينفق وقته وجهده بإخلاص و تجرد لا ينتظر الأجر إلا من الله ...
صانع الحياة : كاتبٌ و شاعرٌ و صحفيٌ .. يحمل هم أمانة الكلمة و نصرة قضايا شعبه و أمته...
صانع الحياة : طبيبٌ يداوي القلوب قبل الأبدان ...
صانع الحياة : مهندسٌ يرسم لعمارة الروح قبل عمارة البنيان ...
صانع الحياة : جنديٌ يعلم أن الأمان في الإيمان ...
صانع الحياة : طيارٌ يطير بالخيرات الحسان ....
صانع الحياة : رجل أمة ... شعلة و همة ... و علو و قمة ... 
صانع الحياة : يصلح ما أفسده الناس ... غريبٌ في زمن الغربة ... فلا تلوموه ... دعوه ...

دعوه لا تلومــــوه دعــــوه :::: فقـد علم الذي لم تعلمــــــوه
رأى علم الهدى فسما إليه :::: و طالب مطلباً و أضعتمـــوه
أجاب دعــاءه لما دعــــاه :::: و بدأ بأمر و تركـتمـــــــوه
لعمري ذاك من فطنٍ لبيبٍ :::: تذوق مطعماً لم تطعمـــــوه
) *


إذن .. هيا يا صانع الحياة ... اجمع حولك كل هؤلاء . .. إبدأ طريق النهضة بارتقاء التلة ... 

و ارفع

للنهضة

رايــة

*******
و إلى لقاء قريب قادم...
مع خواطر صانع على طريق النهضة...

-----------------------------------
(*) الفقرة مستفادة من رسالة بعنوان الرجل الألف بتصرف

الخميس، 12 يوليو 2012

خواطر على طريق النهضة: 3- هل يقف؟

هذه الخاطرة الثالثة من مجموعة خواطر نثرية أدبية كتبتها منذ 6 أعوام تحكي قصة رمزية لأحد صناع الحياة جلس دهراً طويلاً في بيت السلبية و النكوص، و بعد أن التذع قلبه لحال وطنه و أمته قرر أن ينهض و ينتفض و يخرج من سلبيته إلى طريق الإيجابية و صناعة الحياة و النهضة. 

الخاطرة الأولى كانت بعنوان "المفتاح"  و رسالتها الأساسية أن أول خطوة في طريق العمل لأجل نهضة الأوطان هي عقد نية خالصة لا تخالطها مصالح شخصية أو مطامع دنيوية أو حظوظ نفس.

الخاطرة الثانية كانت بعنوان "غذ روحك .. و اكتمل" و رسالتها أن العمل لأجل النهضة يحتاج إلى زاد و تكوين إيماني و علمي و مهاري و جسماني متكامل.

الحلقة الثالثة: هل يقف؟




المفتاح رهن القبضة... الزاد يملاً الجراب... قدم صانع الحياة الواثق على أول الطريق... نفسه تلتهب شوقاً للنهضة.... و روحه تتوق إلى طريق المعالي...  

هاهو يسرج خيل همته ... و يمتطى صهوة عزيمته ... و يأخذ بزمام إرادته ... ينبؤنا عن حاله المشبوب صانع نيسابور "مسلم" صاحب الصحيح ... فيما يرويه عن إمام الصانعين -صلى الله عليه و سلم- : 

( من خير معاش الناس رجلٌ : آخذٌ بعنان فرسه ، يطير على متنه ، كلما سمع هيعة أو فزعة طار إليها)


صيحات الأوطان تئن... صرخات المستضعفين يستغيثون... نداءات المخلصين يستصرخون ... أصواتٌ ملأت سمع الصانع و قلبه ... فطار و روحه على كفه .. طار و قد وهب لله نفسه... طار و هو يستذكر تلك الكلمات الخالدة التي سطرها ابن الجوزي في "المدهش" يوم أن قال :  ( أول قدم في الطريق : بذل الروح ... هذه الجادة ، فأين السالك ؟ )  أجاب صانع الحياة: أنا لها ...أنا السالك!

إذا القوم قالوا مَن فتًى خِلت أني  *** عُنيتُ فلم أكسل و لم أتبلد

إنها معادلة العطاء و الفناء... يفهمها الصانع و يحفظها عن ظهر قلب ... فطريق النهضة طريق البذل ... طريق عطاءٍ بلا أخذ .... طريق إنفاق النفس ...و انفاق ما بعد النفس ! ... ( طريق نصب فيه آدم ، و ناح لأجله نوح ، و ألقي في النار إبراهيم ، و بيع يوسف بثمن بخس ، و نشر بالمناشير زكريا، و ذبح الحصور يحيي ، و ضني بالبلاء أيوب ، و عالج الفقر محمد ...) 
إنها معادلة الفناء و التلف في الدنيا ... ثم الكرامة و الشرف في الآخرة ... معادلة :

أجدر الناس بالكرامة عبدٌ *** تلفت نفسه ليسلم دينه 

حياة صانع الحياة باتت وقفاً على أمته... و أيامه غدت نذراً لنهضتها و رفعتها و تقدمها... فلأمته ترخص الروح ... و تهون النفس ...و تقدم ثواني العمر قرابين ... 

بهذا الإقدام الهاجم ... و بهذه الهمة العلية ... و بتلك النفس الأبية ... انطلق الصانع ... و خطا خطواته نحو النهضة ...
و قبل أن يجاوز صانعنا الباب، و يوغل في الطريق، ترك لمن بعده من أجيال الصانعين اللاحقين وصيتان و إعلان خطهم بمداد من عرق على صحائف من نور و علقهم جميعاً على الباب:

الوصية الأولى: 

العـهد أولـه اتبــاعٌ صــــــــــــادقٌ *** و عليه بالإخلاص خير وشــــــــاح
هذا هو المفتاح فـــاعرف ســـــره *** و ابدأ دروب الشوق بالمفتــــــــــاح

الوصية الثانية: 

كن رابط الجأش و ارفع راية الأمل **** و سر إلى الله في جدٍ بلا هزل
و إن شعرت بنقصٍ فيك تعرفـــــــه **** فغـذ روحك بالقرآن و اكتمــل

أما الإعلان فمفاده: 

يعلن صانع الحياة لإخوانه من بعده أنه: 

بدأ المسير إلى الهدف *** و الحر في عزمٍ زحف 

و الحر إن بدأ المسير *** فلــن يكـل و لـن يقـــف 


لا .. لن يقف 



و إلى لقاء قادم مع الحلقة الرابعة بعنوان: ارفع راية

الجمعة، 29 يونيو 2012

خواطر على طريق النهضة: 2- عذ روحك ... و اكتمل

هذه الخاطرة الثانية من مجموعة خواطر نثرية أدبية كتبتها منذ 6 أعوام تحكي قصة رمزية لأحد صناع الحياة جلس دهراً طويلاً في بيت السلبية و النكوص، و بعد أن التذع قلبه لحال وطنه و أمته قرر أن ينهض و ينتفض و يخرج من سلبيته إلى طريق الإيجابية و صناعة الحياة و النهضة. 

الخاطرة الأولى كانت بعنوان المفتاح  و رسالتها الأساسية أن أول خطوة في طريق العمل لأجل نهضة الأوطان هي عقد نية خالصة لا تخالطها مصالح شخصية أو مطامع دنيوية أو حظوظ نفس.


الحلقة الثانية: غـذِ روحـك ... و اكـتـمـل


لم يزل صانع الحياة مع نفسه في جهاد و مكابدة، و مع شيطانه في مراغمة و مغايظة و مكايدة، و مع أهواء النفس و مزالق الشهوة في مناوءة و مباعدة ...

و لم يزل يغربل المقاصد ، و يتحرى خفايا النوايا، و يتبرأ من الأغيار ... 

و لم يزل له من طول الوقوف على باب الله ظهير،  و من طول الإخبات و التضرع نصير ... حتى وقعت يده على المفتاح، فأخذه بقوة و طار إلى الباب، هاجراً بيت السلبية،  قاصداً طريق الإيجابية، عقله مشغولٌ بهموم أمته، و قلبه ينبض بالشوق إلى النهضة. 

وقف على العتبة ...
أدار الترس ...
فتح الباب ...
أبصر الطريق:  أشواكٌ كالإبر ... صخورٌ كالجبال ... روابي و قيعان … أمواجٌ و لُجَّةُ بحر... طولٌ و بعد … غربةٌ ووحشة ...

ثم رمق في الافق من صناع الحياة من سبق ... رأى المقدام الثابت ... و رأى المتعثر المتباطئ ... و رأى المغبون المتساقط.   سنة الله في تفاوت مراتب و همم السائرين من المصلحين و الصانعين رآها عياناً، و أدركها قلباً و عقلاً.  سنة الله رُويت له أحاديثَ تناقلتها أجيال الصانعين بالسند الصحيح عن سيد المرسلين و إمام الصانعين، و دونها صانع بخارى في جامعه: 

::: (تجدون الناس كإبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة ) :::

مازال الصانع الراحلة بالباب يهم بالسفر... و إذ بصوت يصيح به: "و تزودوا"،  فالسفر طويل، و المشاق كثر، و العوائق تترى.
و هل تقطع الأسفار بغير زاد ؟!
فكيف إذا كان سفر الصانع إلى الله ؟ و مقصده نهضة دونها المكاره؟!
لابد من زادٍ إذن!

فإن أسرع صاحبنا و اندفع في الطريق، و لم يتزود بزاد، و لم يغذ روحه بغذاء ... فسرعان ما سينقطع، و ليس له حينئذ إلا صف المغابين المتساقطين، و كان مصلحاً دعياً – أي يدعي الإصلاح-  يصلح حياة الآخرين و نفسه إلى الإصلاح أحوج ...

هل يُطلب الماء ممن يشتكي عطشاً؟ **** هل يُطلب الثوب ممن جسمه عار؟

لا .. لا .. لا 

يا بانيا بالماء حائط بيتــه ****  فوق العباب أرى البناء مهيلا
أرأيـت قـبـــلك عاريــــــا ****  يــبــغـى نـزال الدارعيـنـــــا!


قبل أن تخوض غمار صناعة الحياة، و قبل أن تسلك طرق النهضة الوعرة: اصنع نفسك، و غذ روحك، و اصقل قلبك ... أكمل النقص، أصلح الخلل، ارأب الصدوع، سُد الثغور ... ثم سر إلى الله،  و اقصد سبيل النهضة، و ررد معي و مع وليد الأعظمي :

كن رابط الجأش و ارفع راية الأمل **** و سر إلى الله في جدٍ بلا هزل
و إن شعرت بنقصٍ فيك تعرفـــــــه **** فغـذ روحك بالقرآن و اكتمــل

وغذ قلبك بالإيمان و اكتمل
وغذ نفسك بالأخلاق و اكتمل
وغذ جسمك بالرياضة و اكتمل
وغـذ عقلك بالعلوم و اكتمل
وغذ ذاتك بالتدريب و اكتمل

تغذَ و اكتمل ... ثم انطلق!


و إلى لقاء قريب مع الحلقة الثالثة بعنوان: هل يقف؟

الاثنين، 25 يونيو 2012

خواطر على طريق النهضة: 1- المفتاح

توطئة
هذه مجموعة خواطر نثرية أدبية كتبتها منذ 6 أعوام تحكي قصة رمزية لأحد صناع الحياة جلس دهراً طويلاً في بيت السلبية و النكوص، و بعد أن التذع قلبه لحال وطنه و أمته قرر أن ينهض و ينتفض و يخرج من سلبيته إلى طريق الإيجابية و صناعة الحياة و النهضة. ذكرتني بهذه الخواطر تلك المشاعر المختلطة التي نعيشها هذه الأيام و نحن على أعتاب مرحلة جديدة في عالمنا العربي و نحن تستشرف الحرية المفقودة و النهضة المنشودة، فرأيت أن أعيد نشرها بعد تنقيحها.
و أكثر في هذه الخواطر من نقل أبيات الشعر و الأقوال المأثورة، كما أكثر من الصورة التشبيهية و الاستعارات المكنية و المعاني المجازية و التعبيرات الرمزية.

الحلقة الأولى : المفتاح




تلهب أشواق النهضة نفس الصانع ... و تضطرم في روحه شعلة الحنين إلى المجد ...

فيفزع من فوره متسربلاً بلؤمة (1) التغيير ... متقلداً معول البناء ... قاصداً سبيل الريادة ... دالفاً من باب النهضة...
فإن امتلك الصانع مفتاح الدخول كان العبور سهلاً ، و كان السير في طريق النهضة حقيقة واقعة ... ثم لاشك بعدها في الوصول ... و لو بعد حين ... 
أما إن كانت الأخرى و غاب المفتاح .. كان السير أحلاماً و خيالات ... و كانت النهضة صوراً و تهيؤات ... و أقدام الصانع مكانها لم تجاوز العتبة ... بل لعله أخطأ الباب و أقحمه هواه في سراديب الظلام ...
إنه المفتاح ... روح الدين ... و لُباب العبادة ...و جذر الإيمان ... و أساس كل عمل... و مدار القبول أو الرد ...

إنه: الإخلاص

يدرك صانع الحياة هذه الحقيقة أيما إدراك فتراه يخطو السير على نهج الأوائل و يكرر ما قاله خامس الراشدين و يبدأ مشواره في صناعة الحياة بالذي بدأ خلافته به يوم أن قال : ( لأعقدن عقداً لا يكون للشيطان فيه نصيب ) ثم يصيح بمن حوله من الصانعين : 


قولوا للواقفين بغير باب الله : يا طول هوانكم
قولوا للعاملين لغير وجه الله : يا ضيعة أعمالكم

فلا صناعة للحياة إلا بالإخلاص ، و لا استمرار إلا بدوام الإخلاص ... فمن صَفا :صُفِّي له ...و من خَلَّط : خُلِّط عليه و تخبط ... و ليس له ثمة إلا السراديب .,. فإذا ما قُضي الأمر،  و حان وقت العرض فلات حين مفاتيح ...

(فمن صحت لله بدايته : صحت نهايته ، و من فسدت بدايته فربما هلك )

و هذا حال أي عمل لم يكن جذره التجرد و لم يكلل بالإخلاص ...

و لا يزال صانع الحياة يستذكر ما طالعه يوماً في "تركيب الشظايا" من قصة المحدّث الثقة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب شريك مالك بن أنس في إمامة المدينة المشرّفة، (لما قال حين بلغه بدء تدريس مالك للموطأ واجتماع الناس عنده: لأصنّفنّ موطأ أكبر منه. 
وكان حسدُ الأقران يحرّكه –ربما- ، فصنّفه...
فقال مالك: ما كان لله بقي.
ودارت الأعوام والقرون، وإذا بموطأ ابن أبي ذئب لا يعلم به أحد، غير أحاديث قليلة نقلها البخاري في صحيحه، بل حتى ولا توجد مخطوطة لموطأ المنافسة هذا.
و إذ الأجيال تحتفي بموطأ مالك، حتى أن الدار قطني ألّف كتاباً رصد فيه اختلاف ألفاظ تسعين رواية مستقلّة كاملة لموطأ مالك عن تسعين من تلامذته، والبخاري وحده انتقى من أربعة عشر رواية منها رواها له شيوخه من تلامذة مالك، عدا ما رواه بواسطة، فانظر البركة، وانظر العقوبة، وانظر شيوع الذكر، وانظر خفوته، وما يشاء الله يفعل، وما يعِد يكون.) 


إنه الإخلاص و التجرد ... هذا هو مفتاح القاصدين ...و سر الناجحين ...


يا عابر الخــطوات نـحـو فلاحــك *** أسكبت نور الزيت في المصبــــاح؟
و شرعت تمشي و الرياح خوافق *** لــــــــم يثن عزمك وابـل الأتــراح
العـهد أولـه اتبــاعٌ صــــــــــــادقٌ *** و عليه بالإخلاص خير وشــــــــاح
هذا هو المفتاح فـــاعرف ســـــره *** و ابدأ دروب الشوق بالمفتــــــــــاح

و ابدأ دروب الشوق بالمفتـــاح


و إلى لقاء قريب مع الحلقة الثانية بعنوان: عذ روحك .. و اكتمل


-------------------------------
(1) اللؤمة هي لباس الحرب