الجمعة، 7 سبتمبر 2012

حالة التململ الفلسطيني: مظاهر، أسباب، و مقدمات للحل



لا يستطيع أي مراقب للساحة الفلسطينية أن ينكر أن هذه الساحة تشهد مؤخراً حالة من التململ الشعبي. تتجلى معالم هذا التململ في عبارات التذمر و عدم الرضا التي ملأت الفضاء الإلكتروني و التي تناقلتها الألسن في التجمعات العائلية و دردشات الأصدقاء و أحاديث الحواري، هذا إلى جانب ما بدأ الشارع يشهده فعلاً من بعض صور الاحتجاج الميداني. 

هذه الحالة تستدعي من الجميع التحرك السريع و الفوري للتفاعل معها و استباق أي أضرار ممكن أن تنتج عن سوء تقدير للحالة أو سوء إدارة لها. 

و أول ما يلزمنا فعله هو إدراك أبعاد الموضوع إدراكاً تاماً حتى تكون ردات أفعالنا و طريقة تفاعلنا قائمة على بينة و بصيرة و وضوح رؤية، و حتى ننأى بأنفسنا عن العشوائية و التخبط في القرارات، أو الإقدام على أفعال أو ردات أفعال متهورة تضر أكثر مما تنفع.

و كمساهمة مني في إلقاء بعض الضوء على المشهد الفلسطيني الحالي سأحاول أن أطرح مجموعة من النقاط التي أرى أنها تمثل مظاهر أو أسباب للحالة أو خطوات تقربنا من الحل.

أما مظاهر حالة التململ  كما لمستها من خلال مراقبتي فهي:
  1. أنها حقيقية و تلقائية،  فالتجارب السابقة قد تدفع البعض إلى الاعتقاد بأن ما يجري هو تكرار لحراكات سابقة كانت مفتعلة أكثر منها صادقة، و ناتجة عن تعبئة و تحريض أكثر منها عن قناعة و تلقائية.  الحالة الحالية على خلاف أغلب ما سبق هي حالة تململ حقيقية شعبية صرفة، ليست مصطنعة و لا موجهة و لا معبأة.
  2. أنها تجاوزت الحدود الفصائيلة و تخطتها،  فعلى خلاف ما كنا نراه سابقاً من حالات تذمر فئوية أو حزبية كنوع من النكاية و الكيد بالفصيل المخالف الموجود في الحكم، فإن ما نشهده اليوم قد تجاوز هذه الحالة، و بدأنا نسمع التذمر من جميع الأطراف تجاه جميع الأطراف بما في ذلك من هم بعيدون عن التحزبات و العصبيات من عموم الناس.
  3. أنها تخطت حواجز الجغرافيا،  فهي ليست خاصة بغزة دون الضفة او الضفة دون غزة، أو بمحافظة دون أخرى، أو بمدينة دون أخرى. عبارات تذمر متشابهة و شكاوى متطابقة تسمعها في كل المدن، بل إن بعض أخبار هذا التذمر وصلت إلى التجمعات الفلسطينية في الشتات و بدأ البعض هناك يرددها و يتفاعل معها.
  4. أنها حالة تململ، و قد حاولت أن أكون دقيقاً في اختيار هذه الكلمة -تململ- للتعبير عن الحالة الشعبية الحالية، إذ أنني لا أريد أن أبالغ أو أهول أو أضخم الأمر أو أن أحمله فوق ما يحتمل،  فهي ليست حراكاً و لا انتفاضة و لا ثورة حتى الآن، و لكن التململ هو الخطوة الأولى التي تسبق الحراك الذي بدوره يتصاعد حتى يصل إلى ثورة أو انتفاضة إذا لم يستدرك.
  5. أنها متصاعدة، إذ أستطيع أن أقول من خلال مراقبتي أن أصوات النقد و الاعتراض ليست في معدل أو منحنى طبيعي كتلك التي تشهدها كل دول العالم من النوع الذي يأتي و يذهب و يتصاعد و ينخفض بحسب الظروف و التقلبات. هي حالة متصاعدة مثل كرة الثلج،  قد تختلف سرعة دوران هذه الكرة فتسرع أحياناً و تبطئ أحياناً أخرى و لكنها مستمرة في حركتها التصاعدية التراكمية بلا توقف.

هذه المظاهر يجب أن تدق نواقيس خطر، و يجب أن يستوعبها من هم في مواقع المسؤولية، و أن يناقشوها في اجتماعاتهم بجدية و اهتمام و من خلال دراسة متأنية مستفيضة، و أن لا يقعوا في خطأ التقليل من شأنها أو التعامل معها بنوع من المكابرة أو العناد أو العشوائية.

و أهم ما يجب أن يكون مطروحاً على طاولة النقاش هو بحث الأسباب الرئيسية التي وصلت بنا إلى هذا الوضع. 

قد يقول قائل أن تردي الأوضاع الاقتصادية، و زيادة معدلات البطالة، و نقص الموارد، و الغلاء، و حالة الحصار و ما شابه ذلك من قضايا  هي الدافع الأساسي للتذمر.

لا أستطيع أن أنكر أن هذه الأمور كلها هي من العوامل المساعدة على التذمر، و لكنها ليست الأسباب الرئيسية من وجهة نظري، و دليلي في ذلك أن الشعب الفلسطيني طوال تاريخه الحديث يعيش في حالة شبيهة بما نحن عليه الآن من شظف عيش بل ربما أصعب و أقسى تخللتها نكبة و نكسة و هجرتين و أربعة حروب و انتفاضتين، و مع ذلك لم يتذمر الناس و لم يضيقوا بأنفسهم و بمن يقودونهم ذرعاً، بل على العكس لم تزدهم المعاناة إلا صموداً و إصراراً و ثباتاً و تماسكاً.

و عليه فلا أظن أن هذه العوامل الاقتصادية هي الباعث الأساسي على التذمر. أعتقد أن المحركات الأساسية لحالة التململ يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  1. انسداد الأفق،  بل انسداد الآفاق كلها، و أعني هنا آفاق الحل للقضية الفلسطينية، فطريق العمل السياسي المتمثل في المفاوضات و العمل الدبلوماسي وصل إلى طريق مسدود و موت نهائي و يأس تام من العودة إلى الحياة، و طريق المقاومة كذلك وصل هو الآخر إلى طريق مسدود  أو على الأقل دخل في حالة من ضبابية الأفق.  و بالتالي أصبح المواطن يعاني و يضحي و يدفع الأثمان الغالية في كلا شقي الوطن دون أن يعرف بالضبط إلى أين هو ذاهب،   و لا يعرف مقابل ماذا بالتحديد هو يدفع الثمن الغالي، و أي أفق بالضبط عليه ان يستطلع و يراقب ليعرف مدى قربه أو بعده من أهدافه و طموحاته.  هذه الحالة من ضبابية الرؤية و انسداد الأفق غير مسبوقة في التاريخ الفلسطيني، و لا شك عندي  أن لها انعكاسات نفسية ضخمة على الناس قللت من قدرتهم على التحمل و الصبر و الاصطفاف خلف القيادات التي تدير القضية و توجه الدفة، و كما قيل (ليس للحياة قيمة إذا لم يكن فيها شيء نناضل من أجله)  و هذا هو الشعور الذي تسلل لنفوس الناس مع مرور الأيام للأسف. أقصد أن غياب آفاق النضال قلل قمية الحياة لدى الناس و من هنا كان التذمر.
  2. حالة الانقسام: فبغض النظر عن التفسيرات المختلفة لحالة الإنقسام و العوامل التي أدت إليها، و بغض النظر عن  من يتحمل المسؤولية عنها، و بغض النظر عن من المصيب و من المخطئ فيها، بغض النظر عن هذا كله  فإننا جميعاً و منذ وقوع الإنقسام و نحن نشعر أننا نمر في فترة استثنائية شاذة غير طبيعية مهما بدت جيدة لبعضنا و مهما حاولنا التعايش معها.  المعنى الذي أريد أن أقوله أن الحالة النفسية للمواطن الفلسطيني منذ وقع الانقسام في مساحتي الشعور و لا الشعور تسيطر عليها حالة من عدم الارتياح و عدم الاستقرار الداخلي. هذه النفسية تعاضدت مع ما وصفته في النقطة السابقة ووفرتا معاً أسباب أكبر للتذمر و الضيق و التململ.
  3. الفشل الجماعي في تحمل المسؤولية. قد يكون من الصعب تحميل المسؤولية لجهة بعينها او لفرد بعينه، إذ أنك ستجد عند كل طرف تفسيرات تبريرية تعفيه هو من المسؤولية و تلقى باللائمة على الآخرين، و ربما تجد كلامه مقنعاً أو فيه شيء من المنطلق على الأقل!  و لكني أعتقد أن المشكلة الرئيسية ليست في التيارات إذا ما تناولناها كلاً على حدة، و لكنها مشكلة في المجموع،  أي في التخطيط معاً و العمل معاً على تنوعنا و اختلافنا.  بمعنى آخر نحن فشلنا طوال سنوات كثيرة مضت في الاتفاق على خطة أو رؤية واحدة، و فشلنا كذلك في السماح لأي خطة أو رؤية مقترحة أن يتم تجريبها كاملة دون إحداث حالة من التضارب بين خطط متعددة متناقضة. هذه الحالة من  تعدد الخطط العاملة أدت إلى حالة تضارب و تخبط فشلت معها كل الخطط جملةً واحدة، و أدت في النهاية إلى شعور المواطن بالتيه و التخبط و الضياع.

هذه بعض الأسباب الجذرية لحالة التذمر الحالية باعتقادي، و القضايا الأخرى ما هي إلا أسباب فرعية أو ظاهرية من وجهة نظري.

و الآن ما هو الحل؟  لن أستطيع بمفردي أن أضع حلاً لهذه المشكلة المركبة المعقدة، و حتى لو تمكنت من وضع تصور مقترح فلن تكفي هذه التدوينة لعرضه، و لذلك سأكتفي بعرض مقدمات للحل. هذه المقدمات تمثل شروطاً لازمة لابد أن نحققها و نحن نخطو في طريقنا نحو الحل:

  1. الإعتراف بالفشل الجماعي: لابد أن نخرج من مربع المكابرة و من دائرة التبرير و من دوامة تبرئة الذات و اتهام الآخر، لابد أن نعترف أننا فشلنا في أن نعمل معاً، قد يكون كل فصيل نجح في أن يضع تصور مقنع له و لأفراده، و ربما يكون قد نجح في اتخاذ خطوات عملية إلى الأمام في ضوء هذا التصور، و قد يكون تصور كل فصيل صحيح و سليم -ولو نسبياً- بمفرده، و لكننا مع ذلك فشلنا في العمل معاً فكان الإخفاق من نصيب الجميع كما سبق و شرحت في الأسباب في الأعلى.  و عندما أقول الفشل الجماعي فإنني أجمع الجميع و نفسي و كل فرد فلسطيني،  و ذلك لأن كل واحد منا ساهم بشكل أو بآخر في هذا الفشل سواءً من خلال القيام بأعمال سلبية ساهمت في تسميم الأجواء و التمهيد للفشل، أو من خلال السكوت و التقاعس عن معاكسة السلب بإيجاب، و مواجهة الخطأ بنصيحة صريحة.
  2. إعادة تعريف المشكلة: إذ لا يمكن إيجاد علاج ناجع بدون تشخيص المشكلة تشخصياً سليماً.  فمن الخطأ مثلاً أن نسطح المشكلة بحيث نعتقد أنها بدأت مع هذه الحكومة أو تلك ، أو تقزيمها و حصرها في سوء إدارة الوزير الفلاني أو المدير العلاني. ما أراه من وجهة نظري أن ما نشهده حالياً ما هو إلا خطوات متقدمة في مسارات خاطئة سرنا بها منذ وقت طويل فوصلت بنا إلى حقل أشواك أو نهايات مسدودة. ما هو مطلوب منا كمقدمة للحل هو أن نمارس عملية عصف ذهني موسعة نقوم من خلالها بإعادة تعريف المشكلة بحيث نعود إلى بداياتها الأولى و جذورها العميقة و نتراجع إلى ما قبل الخطوة الأولى في المسار الخاطئ الذي سلكناه. هذا العصف الذهني هو واجب جماعي يحتاج إلى نقاش موسع و تناقح أفكار و آراء.
  3. تحديد المطالب: علينا أن نحول عبارات التذمر العامة الفضفاضة إلى مطالب واضحة عملية واقعية قابلة للتنفيذ. و الواقعية  هنا مطلوبة بشدة،   فعلينا أن ندرك مثلاً أن كثير من الظروف الاقتصادية و الأمنية و السياسية لن تتغير كثيراً بتغير حكومة و حلول حكومة جديدة، فالعوامل المسببة لهذا التردي الاقتصادي لها خلفيات و أسباب أبعد من ذلك. مطالبنا يجب أن تتمحور بالأساس حول أسباب الفشل كالمطالبة بصياغة استراتيجية وطنية موحدة للتعامل مع القضية الفلسطينية و إيجاد آليات عملية جامعة متفق عليها لتنفيذ هذه الاستراتيجية، و يتضمن هذا بشكل تلقائي إنهاء كل الأوضاع الشاذة كالانقسام السياسي و ما نتج عنه.
  4. رفض الحلول الترقيعية و السعي نحو خلق أجواء جديدة: فالأمر لم يعد يحتمل الترقيع مهما كانت الرقعة جميلة و براقة. لا يمكن إنهاء حالة التذمر إلا بخلق أجواء جديدة يشعر المواطن معها بتحول مفصلي كبير و تغير في المسارات و ليس مجرد تغيير من يتولى عجلة القيادة.
  5. استرداد الثقة بالنفس وعدم اليأس : كلامي هذا يجب أن لا يدفعنا إلى الشعور بخيبة الأمل، أو أن الفشل في جزئية العمل معاً  يعني أننا فشلنا فشلاً مطلقاً في كل شيء فهذا غير صحيح، فعلى الرغم من تضارب مسارات تحركنا إلا أننا و بفضل الله تمكنا من تناوش إنجازات من على جانبي الطريق تستحق أن نفتخر بها و أن نستعملها كزاد للتصحيح. 

هذه هي مساهمتي في محاولة فهم أبعاد الوضع الحالي، و قراءة المشهد المعقد، و التنبيه شبه المبكر على ما سيؤول إليه من نهايات إذا لم يسارع العقلاء بخطوات استدراكية واعية تعالج الجذور و تخلق بيئة جديدة.

الخميس، 23 أغسطس 2012

هل يجيز الإسلام المعارضة السياسية للحاكم في ظل المرجعية الإسلامية؟



صعود التيارات السياسية ذات المرجعية الإسلامية إلى سدة الحكم في دول الثورات العربية يستلزم منا أن نفحص ما تمليه المرجعية الفكرية لهذه التيارات على أصحابها من توجهات سياسية ستنعكس حتماً على ممارستهم السياسية و من ثم على واقع المجتمعات التي يحكموها، و سأتوقف اليوم عند حق المعارضة السياسية  للحاكم في ظل المرجعية الإسلامية.

هناك عاملان أساسيان يجعلان هذا الموضوع غايةً في الأهمية في هذه المرحلة، و هما اللذان دفعاني للكتابة حول هذه المسألة:

* العامل الأول يتمثل في حقيقة أن قمع المعارضة السياسية، و إغلاق كل الأبواب في وجهها، و ملاحقتها و التنكيل بها من قبل الحكام المستبدين كان أحد أهم الأسباب التي حركت الشعوب و دفعتها إلى الميادين و أثارتها على الحكام. و هذا يجعلنا في حاجة إلى أن نطمئن أن الواقع الجديد الذي أنشأته الثورات و أتى بالتيارات الإسلامية إلى الحكم لن يكرر آلام الماضي. و تتضاعف الحاجة إلى هذه الطمأنة في ظل شيوع الكثير من الشبهات و التشويهات و التشنيعات التي خلقت هواجس لدى شريحة غير قليلة من الناس جعلتهم يتخوفون على الحريات بشكل عام و على الحريات السياسية منها بالأخص في ظل حكم يستند إلى مرجعية إسلامية.

* العامل الثاني هو ما نشهده من حالة التباس أو خلط بين العديد من المفاهيم المتناثرة كطاعة و لي الأمر في المنشط و المكره و تحريم الخروج على الحاكم و أشباهها من المسائل التي يتم تناولها عادةً تناولاً مجتزءاً ينتج عنه فهماً قاصراً أو خاطئاً بالكلية للحقوق السياسية للأفراد و الجماعات التي أقرها الإسلام و مارسها المسلمون على تعاقب أجيالهم و دولهم. هذا الفهم الخاطئ ليس مقصوراً على الفئات الغير مؤدلجة في الشعوب العربية و لا على التيارات التي تتبنى مرجعيات أخرى، و إنما قد تجده كذلك في داخل التيارات الإسلامية نفسها!

خلاصة ما وصلت إليه من بحث و مطالعة في المسألة هي أن الإسلام ينظر إلى المعارضة السياسية للحاكم على أنها ضرورة لازمة، بل واجب شرعي على المستويين الجماعي (فرض الكفاية) و على المستوى الفردي (فرض العين). و قد وجدت أن هذه الضرورة و هذا الإيجاب راسخان و جليان في الطرح النظري (النصوص الشرعية و شروحها) و في الممارسة العملية للمسلمين في دولهم المتعاقبة، بل و في أفكار الكثير من المجددين الإسلاميين المعاصرين من أفراد و جماعات.

* المعارضة السياسية في نصوص الشريعة الإسلامية

أما نظرياً: فهذا قول الله عز و جل في سورة البقرة (آية 251):"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" و قوله جل في علاه في سورة الحج (آية 40): "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز".  انظر كيف جعل الله تدافع الناس حماية للأرض من الفساد و حماية للدين نفسه مرموزاً لذلك بأماكن العبادة، بل جعله من موجبات نصرة الله القوي العزيز! و المعارضة السياسية ما هي إلا شكل من أشكال التدافع الذي ذهبت إليه الآية.

و رغم أن التفسير الدارج لهذه الآية هو أن الله يدفع أذى المشركين بجهاد المسلمين لهم، إلا أنني وجدت في تفسير الطبري ما يؤيد ما ذهبت إليه من اتساع المعنى المقصود في الآية ليشمل معارضة الناس لبعضهم البعض في شئون الدين و الدنيا، إذ يقول بعد أن استعرض الأقوال المختلفة في تفسير الآية: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله -تعالى ذِكرُه- أخبر أنه لولا دفاعه الناس بعضهم ببعض، لهُدِم ما ذَكر (...) ومنه كفه ببعضهم التظالم، كالسلطان الذي كف به رعيته عن التظالم بينهم، ومنه كفه لمن أجاز شهادته بينهم ببعضهم عن الذهاب بحق من له قبله حق، ونحو ذلك. وكل ذلك دفع منه الناس بعضهم عن بعض ، لولا ذلك لتظالموا ، فهدم القاهرون صوامع المقهورين وبيعهم وما سمى جل ثناؤه. ولم يضع الله تعالى دلالة في عقل على أنه عنى من ذلك بعضا دون بعض، ولا جاء بأن ذلك كذلك خبر يجب التسليم له، فذلك على الظاهر والعموم على ما قد بينته قبل لعموم ظاهر ذلك جميع ما ذكرنا."  

و في السنة النبوية أحاديث كثيرة لا تجيز معارضة الحاكم فحسب بل تجعلها ممارسة مندوبة بل واجبة كلما دعت الحاجة. و من هذه الأحاديث ما رواه مسلم من حديث تميم الداري أنه صلى الله عليه و سلم قال: ((الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم))  و النصيحة في اللغة معناها: تخليص الشيء من شوائبه، و عليه فقد جعل الرسول صلى الله عليه و سلم سعي المسلمين إلى تنزيه الحاكم بتخليصه مما يشوبه و ما يرتكبه من أخطاء من أساسات الدين و ليس فقط من مصلحات الدنيا!

و من الأحاديث كذلك ما رواه أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو: ((إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تودع منهم))، و منها كذلك ما رواه أبو داوود من حديث أبي بكر: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)) .

المعارضة السياسية في الممارسة العملية للمسلمين:

أما عملياً فالأمثلة التي مررت بها خلال مطالعتي لا مجال لحصرها هنا و إلا لطال بنا المقام، و لكن على عجالة:

  • فإنك تجد نموذج للمعارضة السياسية في إقرار الني صلى الله عليه و سلم مراجعة الصحابة له في اختياراته السياسية و نزوله عند آرائهم فيما لم ينزل به وحي، كتغيير موقع نزول الجيش يوم البدر نزولاً عند رأي الحباب الذي اعترض على الموقع الأول الذي اختاره صلى الله عليه و سلم.
  • و تجدها في خروج النبي صلى الله عليه و سلم لملاقاة المشركين خارج المدينة نزولاً عند رأي الشباب خلافاً لما كان يفضله رسول الله صلى الله عليه و سلم.
  • و تجدها في إقرار النبي صلى الله عليه و سلم لمعارضة الصحابة لخالد بن الوليد الذي كان أميراً عليهم في إحدى السرايا و خالفوه في اجتهاده بعد المعركة.
  • و تجدها صريحة في خطبة أبي بكر التي افتتح بها حكمه و جعل فيها المعارضة السياسية ليس فقط حق متاح للرعية بل واجب تقوم به خيرية الرعية على سبيل القصر و الحصر: "لا خير فيكم إن لم تقولوها، و لا خير فينا إن لم نسمعها" ... "إن أحسنت فأعينوني، و إن أسأت فقوموني".
  • و تجدها في قول عمر: "أيها الناس، من رأى منكم في اعوجاجاً فليقومني" فقال له رجل: "والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا"  فقال عمر: "الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقوم اعوجاج عمر بحد سيفه"!
  • و تجدها في معارضة عمر لموقف أبي بكر من مانعي الزكاة أول الأمر.
  • و تجدها في موقف عمر من جمهرة من الصحابة اعترضوا على قراره بجعل البلاد المفتوحة أرض وقف و عدم تقسيمها غنائم و كان بينهم بلال و معاذ، فظل عاماً كاملاً يناقشهم في المسألة و لم يفرض عليهم رأيه و لم يزد على أن قال:  "اللهم اكفني بلالا وأصحاب بلال"!
  • و تجدها في عدم انكار الخليفة عثمان لفعل أبي ذر على الرغم من اختلافه معه في اجتهاده، عندما نزل أبو ذر معتصماً في شوارع دمشق محتجاً على رأي معاوية والي الشام في مسألة و مخالفاً له في منهجه فيها.
  • و تجدها في موقف أبي سعيد الخدري الصحابي الجليل لما وقف للخليفة مروان ابن الحكم و قاطعه عن خطبة العيد و أنكر عليه تقديمه الخطبة على الصلاة لأهداف سياسية خلافاً لسنة النبي صلى الله عليه و سلم.
  • و تجدها في معارضة الحسين و من معه ليزيد بن معاوية.
  • و تجدها في معارضة الإمام أحمد بن حنبل و أحمد بن نصر الخزاعي لثلاثة خلفاء متعاقبين: المأمون و المعتصم و الواثق.
  • و غيرها العشرات بل المئات من الأمثلة.

المعارضة السياسية في الفكر و الممارسة الإسلامية المعاصرين:

كذلك تجد فيما كتبه مجتهدون إسلاميون معاصرون ما يبني على المعنى السلفي الأصيل القديم و يؤكد على ضرورة مزاولة ما دأب عليه أجيال الصحابة من معارضة للحاكم و تقويمه حين يخطئ. و المؤلفات الفكرية الإسلامية الحديثة التي تناولت مسألة المعارضة السياسية  كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر: "من فقه الدولة في الإسلام" للقرضاوي في فصل تعدد الأحزاب في الدولة الإسلامية، و "أصول المعارضة السياسية في الإسلام" لعبود العسكري، و "السياسية الشرعية: مدخل إلى تجديد الخطاب الإسلامي" لعبد الله الكيلاني الصادر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي،  و "الفكر السياسي عند ابن تيمية" لبسام فرج  في الباب الثالث من الكتاب المتعلق بالعقد السياسي، و غيرها الكثير.

و كإطلالة سريعة على ما ورد في هذه الانتاجات الفكرية دعونا نتوقف مع ما كتبه القرضاوي الذي بنى على فقه الأوائل ما يناسب روح العصر فجعل التعددية السياسية في صورة أحزاب سياسية في ظل الحكم الإسلامي مسألة واجبة شرعاً من باب أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، يقول:  

"و قد استطاعت البشرية في عصرنا بعد صراع مرير و كفاح طويل أن تصل إلى صيغة للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و تقويم عوج السلطان، دون إراقة للدماء، و تلك هي وجود "قوى سياسية" لا تقدر السلطة الحاكمة على القضاء عليها بسهولة، وهي ما يطلق عليها: "الأحزاب". 
(...)
فإذا أردنا أن يكون لفريضة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر معناها و قوتها و أثرها في عصرنا فلا يكفي أن تظل فريضة فردية محدودة الأثر (...)

إن تكوين هذه الأحزاب أو الجماعات السياسية، أصبحت وسيلة لازمة (...) و هي التي يمكن بها الاحتساب على الحكومة و القيام بواجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" 

و كلامه في كتاب "من فقه الدولة في الإسلام" حول هذه المسألة رائع و عميق وودت لو تمكنت من نقله كله هنا لولا ضيق المقام.

أما في الممارسة فالراصد لحركة المعارضة في العالم العربي سيجد أن التيارات الإسلامية قد تقدمت صفوفها و ثبتت في مواجهة امتحانات المستبدين لهم، و لا يوجد سبب يجعل هذه التيارات التي مارست المعارضة عشرات السنوات تنقلب على ما مارسته و ترفضه عند وصولها للسلطة، كما أننا لم نر أي مؤشر يجعلنا نقلق أو نضطرب بل إن الغالبية العظمى من المؤشرات السابقة و الراهنة تسير في اتجاه الطمأنة التي لا تغنى عن ضرورة الحذر و أداء واجب التدافع الذي يدفع الفساد دفعاً.

هل المعارضة السياسية الحزبية المنظمة المتعددة تتعارض مع وجوب وحدة صف المسلمين؟

لا تعارض إذا كانت التعددية السياسية هي تعددية تنوع في البرامج و السياسيات و آليات العمل أو حتى الأولويات، و هذا هو مفهوم المعارضة الذي يقبله الإسلام، أما ما يتجاوز ذلك فهو أساساً يخرج عن حدود المعارضة البناءة إلى التناحر على السلطة على حساب المبادئ و هو سلوك منبوذ ترفضه النفوس السوية و المنطق المعتدل.

هل المعارضة السياسية تتنافى مع طاعة ولي الأمر الواجبة بنصوص الشرع؟

لا تعارض، فالله عز و جل الذي أوجب الطاعة للحاكم جعلها طاعة مشروطة لا مطلقة، و لم يطالب الله المسلمين بطاعة أميرهم بدون مناقشته، بل على العكس أوجب عليهم نصحه و أمره بالمعروف و نهيه عن المنكر، و فرض على الحاكم في المقابل واجب الشورى. فإن أهمل الحاكم واجب الشورى فقد ارتكب معصية قد تسوغ عدم الطاعة عند احتمال وقوع أي مفسدة.

هذا بالإضافة إلى الأدلة النقلية و العملية التي أوردتها من نصوص الوحيين و فعل السلف الصالح التي مارسوا فيها المعارضة و الطاعة معاً دون تعارض.

استدراك لازم

الممارسة السياسية الغربية الحديثة على الرغم مما فيها من فوائد وجب علينا الاستفادة منها و اقتباسها و الترحيب بها، إلا أنها لا يجب أن تكون بكليتها بحلوها و مرها مرجعية لممارساتنا السياسية، فعلى سبيل المثال إذا كان مقبولاً في الغرب ممارسة التتنابز و التلامز بين الأحزاب السياسية و استعمال النميمة السياسية و التجريح و الإهانات للأشخاص و الهيئات كأحد معالم الحرية السياسية و أدوات المعارضة السياسية و التعبير عن الرأي المخالف، فليس بالضرورة أن ننقل هذا السلوك المتخاصم مع الأخلاق في كثير من أشكاله إلى مجتمعاتنا و نمارسه و كأنه ظاهرة صحية فقط لأن الغرب يفعله.

المعارضة السياسية في الإسلام هي معارضة "النصيحة" و "بالتي هي أحسن" و "بالموعظة الحسنة"، و لا تعارض بين القوة و الصلابة في الحق و بين التزام الأخلاق، و التأثير الإيجابي للمعارضة ذات النوايا السليمة لا يتناسب طردياً مع ارتفاع الصوت و لا مع نسبة الشتائم أو التجريحات في الكلام.

و بالله التوفيق

الأربعاء، 15 أغسطس 2012

لماذا يفوز الإسلاميون في الانتخابات؟



عكفت في اليومين الماضيين على مطالعة مجموعة من المقالات و الدراسات و التحليلات و اللقاءات التلفزيونية لعدد من النخب الليبرالية و اليسارية و العلمانية  التي تحدثوا فيها عن رؤيتهم لصعود التيارات الإسلامية في الانتخابات البرلمانية و الرئاسية في دول الربيع العربي، و تفسيرهم لهذا الصعود و الأسباب التي تقف وراءه.

اهتمامي بالموضوع نابع أساساً من أنه على الرغم من سعادتي بصعود التيارات الإسلامية و تصدرها لساحات العمل السياسي في العالم العربي، إلا أنني أؤمن إيماناً تامًا بأن أحد أهم المقومات التي يلزم توفرها لنجاح  أي تيار يصل إلى الحكم هو وجود معارضة سياسية حقيقية قوية فاعلة  قادرة على إحداث حالة توازن سياسي و خلق بيئة تنافسية محفزة على الإبداع، و تحقيق سنة التدافع بين الناس التي جعلها الله عز و جل وقاية للأرض من الفساد: ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ ) (البقرة: الآية 251 ) 

أردت من خلال مطالعتي أن أعرف كيف تقرأ هذه النخب صعود الإسلاميين في مقابل فشلهم هم في نيل ثقة الشارع و في تحقيق نتائج مؤثرة في الانتخابات،  هل هم يعرفون حقاً الأسباب الحقيقية و الكاملة  وراء ذلك، و هل هم يحاولون إعادة ترتيب أوراقهم و تصويب خططهم و برامجهم في ضوء هذه المعرفة، أم أنهم أخطأوا التفسير و التقدير بطريقة ستؤدي بهم حتماً إلى فشل جديد؟

نتيجة اطلاعي جاءت مخيبة للآمال، إذ يبدو أن النخب الليبرالية و اليسارية في معظمها تسيطر عليها إحدى حالتين: إما أنها لا تعرف الحقيقة و غارقة في أوهام تفسيرات خاطئة، و إما أنها تعرف الحقيقة و لكنها لم تمتلك بعد الجرأة الأدبية الكافية لتعترف بها و لتتصرف في ضوء هذا الإعتراف فتصوب مسارها.

مازالت الكثير من النخب تعزو تفوق الإسلاميين إلى حالة المجتمع التي يفترضون أنها تشهد تفشي الجهل و الفقر بين الناس،  و نجاح الإسلاميين في استغلال هذه الظروف لتسويق شعارات رنانة فارغة من المضمون و الفكر، و في اللعب على أوتار العواطف الدينية للمجتمع و استغلال تدين الناس لتمرير أفكار رجعية و تحقيق مكاسب سياسية، و في استغلال فقر الناس و عوزهم من خلال تقديم رشاوى انتخابية في صورة معونات غذائية و زيت و سكر و طحين. هذا هو التفسير الذي تقدمه هذه النخب.

يقول أحدهم في مقال بعنوان "لماذا يفوز الإسلاميون؟" : "من بين الأسباب المهمة التى قادت إلى تسيد الإسلاميين المشهد الانتخابى العربى الراهن ، استغلالهم السيئ للعاطفة الدينية لدى شعوب المنطقة".

ويقول آخر: "هؤلاء هم من يصوتون للإسلاميين: البواب ..... و المُهرب."

أما  الكاتب الساخر جلال عامر -رحمه الله-  فيري  (كما عبر في أحد اللقاءات التلفزيونية) بأن الناس أقبلت على التيار الإسلامي و عزفت عن التيارات الليبرالية لأن الإنسان حتى يصبح ليبرالياً يحتاج إلى قراءة ألف كتاب!  و لكن حتى يصبح إسلامياً فلا يحتاج أكثر من مقاطعة الحلاق لمدة أسبوع (أي ليطلق لحيته)!

و هناك العشرات من الاقتباسات التي يمكن إيرادها تدور كلها حول معاني تزدري المجتمع و تصمه بالجهل من جهة، و تتهم التيارات الإسلامية بخداع الناس بشعارات فارغة من جهة أخرى.

و أريد من خلال هذا المقال أن أعرض ما أعتقد أنها الأسباب الحقيقية لصعود التيار الإسلامي علها تساعد التيارات المنافسة على معرفة السر و إدراك الحقيقة بعيداً عن خداع النفس أو التفكير التبريري.

لو نظرت إلى الثلاثين سنة الماضية ستجد أن الإسلاميين قد قدموا إسهامات حقيقية عملية في الكثير من الميادين و ليس مجرد شعارات كما يظن الليبرالييون:

  1. في مجال مقاومة الاحتلال و السعي نحو التحرر من الاستعمار ستجد أن الإسلامين قد تصدروا قوى المقاومة في كل بقعة عربية أو إسلامية تعرضت  للاحتلال او الاغتصاب، و قدموا نماذج بطولية مشهود لها بالبسالة و التضحية و الفداء، و الأمثلة على ذلك معروفة و أشهر من أن أذكر القارئ بها.
  2. و في مجال المعارضة السياسية، ستجد أن أقوى الأحزاب السياسية المعارضة طيلة السنوات الماضية التي عاشتها المنطقة في ظل الحكام المستبدين هي أحزاب إسلامية و ذلك في كل الدول العربية بلا استثناء بما في ذلك دول الخليج الغنية (و ما أخبار تيار الإصلاح في الإمارات و ما يتعرض له من تنكيل هذه الايام عنا ببعيد)،   و قد دفع الإسلاميون ثمن هذه المعارضة السياسية من أرواحهم و أموالهم و سني عمرهم في المعتقلات و غرف التحقيق و زنازين العزل الانفرادي.
  3. و في مجال العمل الخيري و الإغاثي تجد أن المؤسسات الإغاثية و الخيرية الإسلامية هي أكبر من يعمل بجد و دأب و تفاني لتقديم الخدمات الإغاثية و الإنسانية للمحتاجين في كل مناطق العالم العربي و الإسلامي، سواءً كان ذلك في صورة مساعدات غذائية أو حفر آبار مياه أو كفالة أيتام أو التكفل بعلاج مرضى أو تنفيذ مشاريع تشغيلية أو بناء مستوصفات خيرية أو توزيع أدوية مجانية، و يكفي أن أذكر أسماء مؤسسات مثل "الإغاثة الإسلامية" و "الندوة العالمية للشباب الإسلامي" و "حملة ائتلاف الخير"  كأمثلة  من بين مئات المؤسسات الإسلامية الأخرى العاملة في المجال الإغاثي و الخيري و التي تعدى عملها ليصل إلى غير العرب و غير المسلمين في مجاعات أفريقيا و كوارث هايتي و غيرها من المناطق في العالم. و أدعو القارئ إلى زيارة مواقع هذه المؤسسات و مطالعة تقاريرها التي تحتوي على ألوف بل عشرات ألوف المشاريع التي انجزتها حول العالم خلال السنوات الماضية.
  4. و في مجال العمل التربوي و الوعظي ستجد أن الوعاظ و المربيين و الدعاة الإسلاميين قد تفوقوا على من سواهم في هذا المضمار من حيث الكم و الكيف، و يكفي للدلالة على ذلك أن أضرب مثالاً بموقع "طريق الإسلام" الذي يحتوي قرابة 100,000 مادة صوتية سجلت إما في محاضرة أو ندوة أو دورة  في 28 موضوع رئيسي و قرابة 100 موضوع فرعي تناولت كافة شئون الدين و الدنيا من علوم شرعية و قضايا اجتماعية و موضوعات ثقافية و مستجدات سياسية و أفكار إدارية و مقترحات تنموية و غيرها، و قد تم تحميل  هذه المواد و الاستماع إليها عبر هذا الموقع أكثر من نصف مليار مرة!  و هذا مجرد مثال لموقع الكتروني واحد من بين مئات المواقع الشبيهة.  أمثلة أخرى ممكن مشاهدتها في نجاح مبادرات إعلامية إسلامية تربوية كقناة إقرأ و الرسالة و مجموعة قنوات المجد و طيور الجنة و كراميش و القدس و الحوار و فور شباب و غيرها من القنوات الإعلامية التي نجحت في استقطاب كم كبير من المشاهدين من مختلف الأعمار و المستويات و ساهمت في تثقيفهم و تربيتهم و التأثير الإيجابي فيهم.
  5. و في مجال الفكر تجد أن المكتبة العربية تزخر بكم ضخم من المؤلفات الإسلامية المعاصرة تقدر بعشرات الآلاف ليس فقط في مجال العلوم الشرعية بل حتى في علوم التربية و الأدب و الإدارة و التنمية و أنظمة الحكم و العلوم السياسية و حتى العلوم التطبيقية!  انظر مثلاً إلى المعهد العالمي للفكر الإسلامي الذي صدر عنه أكثر من 300 كتاب فكري رصين باللغة العربية خلال ال 30 سنة الماضية أي بمعدل 10 كتب في السنة، هذا بالإضافة إلى أكثر من 400 كتاب أخرى أصدرها المعهد  ب 22 لغة أخرى غير العربية، يضاف إلى هذا  مئات الأبحاث و المقالات و الدوريات الصادرة عن المعهد. و انظر مثلاً إلى مركز الإبداع التربوي الذي أسسه علي الحمادي من رموز الإسلاميين الإصلاحيين في الإمارات، و الذي صدر عنه ما يقارب ال 200 كتاب في مجالات إدارية و تنموية و مهارية موزعة على قرابة 35 سلسلة كلها تتناول الموضوعات الإدارية و التنموية بروح إسلامية واضحة، و انظر مثلاً إلى المفكر الإسلامي عبد الكريم بكار الذي كتب ما يقارب ال 40 كتاباً حول فكر النهضة و التغيير و التنمية، و غيره الكثير أمثال الدكتور يوسف القرضاوي صاحب سلسلة ترشيد الصحوة، و محمد الراشد صاحب سلسلة استراتيجيات الحركة الحيوية، و جاسم سلطان و رسائله التي وصلت 250 رسالة حول مشروعه الفكري مشروع النهضة، و سلمان العودة مشرف موقع مفكرة الإسلام، و طارق سويدان و كتاباته و حلقاته التلفزيونية في الإدارة و القيادة و فنون التغيير، و أحمد الشقيري و سلسلة برامجه التلفزيونية (خواطر و لو كان بيننا و غيرها)  التي وصلت إلى 300 حلقة هادفة في 10 مواسم، و غيرهم الكثير!
  6. و في مجال التنمية تجد أن الإسلاميين قدموا الكثير من المبادرات التنموية العملية الناجحة، منها على سبيل المثال مبادرة عمرو خالد و مشروع صناع الحياة القائم على فلسفة التنمية بالإيمان، و "مشروع النهضة" الخليجي الذي قاده جاسم سلطان من قطر و تحول إلى تيار تنموي قوي صادح، و مبادرة طارق سويدان و مشروع اكاديمية إعداد القادة التي خرجت مئات الشباب القيادي في العالم العربي، و غيرها الكثير من المبادرات.
  7. في مجال رعاية شئون الجاليات العربية و الإسلامية في الغرب تجد المؤسسات الإسلامية و المراكز الإسلامية تتصدر العمل الدعوي و العمل الاجتماعي و العمل التربوي و التعليمي و الثقافي و العمل الحقوقي و العمل التنموي المتخصص بشئون الجاليات في الغرب، و في التفاعل مع هموم العرب و المسلمين في كل مكان،  و هذا أمر يلحظه بوضوح و جلاء كل من يعيش في الغرب.

 هذه مجرد أمثلة من بين مجالات كثيرة اقتحمها الإسلاميون و عملوا فيها  بتجرد و إخلاص و فناء لسنوات طويلة دون كلل أو ملل، ووفق منهجية محكمة و خطط مدروسة و عمل جماعي منظم، و لم يكن يحركهم طوال ذلك الوقت سوى الإيمان التام و الراسخ بأفكارهم و ليس بنية الاستعراض الهادف إلى تحقيق مكاسب سياسية تلوح في الأفق، بدليل أنهم عملوا لعشرات السنوات في ظل أفق سياسي مسدود و ظروف ضاغطة و تحت التهديد و الملاحقة الأمنية.

و كل هذا العطاء كان يجري أمام الناس و على مرأى منهم و مسمع، و يعرفون القائمين عليه، و يتأثرون بهم،  و يتفاعلون معهم،  و يثقون بهم لما رأوا من تفانيهم و بذلهم.

من أراد أن يخدع نفسه و أن يختزل كل هذه التضحيات و العطاءات التي قدمها الإسلامييون  في فرية الزيت و السكرو الطحين  أو في أوهام دغدغة عواطف الناس بشعارات رنانة فله ذلك، و له كذلك أن يجرب أن يعرض على الناس زيت و سكر و يخطب فيهم بالخطب النارية العصماء ثم يرى النتيجة! و ليكتشف حينها حقيقة الأوهام التي أغرق نفسه و من حوله فيها!

و عليه أن لا ينسى أن الناس كما يرون نجاحات الإسلامين و بذلهم فهم يرون كذلك فشل  من تحدث باسم الاشتراكية و العدالة الاجتماعية و يعرفون أخبار استبدادهم في عراق صدام و ليبيا القذافي و سوريا الأسد الأب و الابن.   و يشهدون فشل و فساد و استبداد من لبسوا عباءة الليبرالية كهارب تونس و طاغية مصر و غيرهم.

نحن نطالب كل من يريد أن ينافس الإسلاميين أن يكون على قدر المسؤولية و أن يعرف أنه مطالب ليس فقط بإثبات أنه لن يكرر آلام العراق و سوريا و ليبيا إن كان اشتراكياً، ولا آلام مصر و تونس إن كان ليبرالياً، بل عليه كذلك أن يقتحم ميادين البذل و العطاء بتجرد  و إخلاص و تفاني و صدق. و عليه قبل ذلك و بعده أن يتواضع و أن يتهم نفسه بالفشل بدلاً من الغرق في بحور الأوهام و اتهام الناس بالجهل.

الثلاثاء، 17 يوليو 2012

لو كان أمر كهرباء غزة بيدي!


-  لو كان الأمر بيدي لاتخذت قراراً فوريا بتشكيل لجنة طوارئ تضم ممثلين عن سلطة الطاقة و شركة الكهرباء و الحكومة و المجلس التشريعي و مؤسسات المجتمع المدني (نقابات، مؤسسات أكاديمية ،...إلخ)، و لأمرت هذه اللجنة بأن تظل دائمة الانعقاد و تلتقي يومياً لتتابع الأزمة، و لفرضت عليها أن تخرج ببيان أسبوعي للرأي العام تنشره عبر وسائل الإعلام توضح فيه تطورات الأزمة بكامل الشفافية و الوضوح.

- لو كان الأمر بيدي لوضعت خطة مفصلة واضحة، تتضمن كل أسباب الأزمة و الخطوات العملية المفصلة لمعالجة كل سبب، و تقدير التكلفة المتوقعة لتنفيذ كل مشروع، و مصادر التمويل الممكنة لكل منها، و لقمت بإرسال هذه الخطة إلى الإعلام، و لنشرتها على صفحة خاصة على الإنترنت ليراها كل الناس و يتابعوها معي.

شكل توضيحي يفرب صورة الخطة التي أفكر بها و أتمنى أن أراها .. لو كان الأمر بيدي!


- لو كان الأمر بيدي لأنشأت موقعاً على الإنترنت مخصصاً لأزمة الكهرباء، و لوضعت عليه كل المعلومات المتعلقة بالأزمة بالتفصيل الممل و بأسلوب واضح و تفاعلي و بالأرقام و الأشكال البيانية و الخرائط، و لأمرت بتحديث هذا الموقع يومياً ليتم إطلاع المواطنين على الأزمة و تطوراتها أولاً بأول، و لوضعت مواداً تثقيفية على الموقع تشرح للناس كل الخلفيات الفنية و التاريخية و السياسية للأزمة، و لوضعت مواد تفصيلية تثقف المواطنين حول وسائل خفض و ترشيد استهلاك الطاقة.

- لو كان الأمر بيدي لشكلت فريقاً للتواصل مع الجمهور من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، يزودهم بالأخبار أولاً بأول و يستمع لآرائهم و شكاواهم و اقتراحاتهم.

- لو كان الأمر بيدي لأصدرت قراراً فورياً بمنع بيع مصابيح الإنارة عالية السحب كما هو معمول به في مناطق متعددة من العالم، و لأمرت بسحب ما هو موجود منها في الأسواق على حساب الحكومة، و لسمحت للمحلات التجارية ببيع فقط مصابيح الإنارة التي لا يزيد سحبها عن 40 وات كحد أقصى، و لا استثناء إلا بمعاملة رسمية و أسباب مقنعة و موافقة خطية، على أن يتم الشراء من مخازن خاصة بسلطة الطاقة أو محلات مراقبة منها لحالات الاستثناء هذه.

- لو كان الأمر بيدي لأعددت مقترحاً مفصلاً لمشروع ممول لاستبدال كل وسائل الإنارة عالية السحب في المؤسسات الحكومية و المدارس و الجامعات و المستشفيات بوسائل إنارة منخفضة السحب، و ربما من ذلك النوع المصحوب بمجسات حركة، و لأرسلت هذا المقترح إلى 10 مؤسسات مانحة، و لثابرت و لما توقفت حتى أجد لهذا المشروع تمويلاً و لو من تبرعات المواطنين.

- لو كان الأمر بيدي لأجريت دراسة مفصلة لمشروع يتم بموجبه استقلال المؤسسات الكبرى في قطاع غزة كالجامعات و الوزارات و الشركات الكبيرة و المصانع عالية السحب و الأبراج السكنية المرتفعة (حوالي 400 منشأة مثلاً) بمولدات مستقلة و فصلهم عن الشبكة الرئيسية، و لفاوضتهم على تعويضهم عن ما سيلحقهم من خسائر نتيجة شراء الوقود و صيانة المولدات بدلاً من سحب الكهرباء من الشبكة الرئيسية..... و لو كان الأمر بيدي لفعلت ما تفعله بعض المناطق في العالم و لطلبت من هذه المنشآت المستقلة بمولداتها أن تغذي فائض استهلاكها من الكهرباء للشبكة الرئيسية، و لدفعت لهم ثمن هذه الكهرباء.

- لو كان الأمر بيدي لأجريت دراسة مفصلة لمشروع يتم بموجبه فرض حد أقصى على استهلاك الطاقة لكل منشأة، على أن يتناسب هذا الحد مع مساحة المنشأة و ارتفاعها، و لأعلنت أن أي استهلاك في حدود الحد المسموح سيكون بنفس التكلفة العادية لكيلو الكهرباء، و كل كيلو زيادة على ذلك يتم دفع ثمنه ثلاثة أو خمسة أضعاف. 

- و لو كان الأمر بيدي لأتبعت هذا القرار بتعليم الناس كيف يمكنهم أن يقرأوا عدداتهم و يحسبوا مقدار استهلاكهم ليتأكدوا من مقادير سحبهم، و لأنشأت موقعاً خاصاً على الإنترنت يمكن للمواطن من خلاله أن يرى آخر قراءة لعداده، و الحد الأقصى الذي يجب عليه أن لا يتجاوزه قبل تاريخ القراءة القادمة.

شكل توضحي يقرب فكرة الصفحة التي تعرض معلومات الاستهلاك و التي أتمنى أن أنفذها ... لو كان الأمر بيدي!

- لو كان الأمر بيدي لاتخذت قراراً فورياً بسحب (أو تعطيل مؤقت لعمل) كل أجزة التكييف في المؤسسات الحكومية و المساجد، و لأمرت الجميع بالاكتفاء بالمراوح العادية في الحدود الدنيا.

- لو كان الأمر بيدي لترأست فريقاً يفاوض أصحاب مشاغل الخياطة و أصحاب المصانع و ما شابهها من المنشآت و لاقترحت عليهم العمل خلال الليل لتجنب سحب مقادير عالية من الطاقة في أوقات الذورة في النهار مقابل خصومات مغرية في فواتير الكهرباء.

- لو كان الأمر بيدي لأمرت الجهات المعنية بفصل الإنارة عن كل امتدادات الشوارع، و الاكتفاء فقط بإنارة المفترقات كما هو معمول به في الكثير من دول العالم.

لو كان الأمر بيدي لما جلست واضعاً يدي على خدى منتظراً شفقة الجلاد، و لا منتظراً شفقة من ماتت في نفوسهم الرحمة و الشفقة من مجرمي الساسة الذين يحاصرون الشعب و يريدون ابتزازه و كسر إرادته و صموده.

- لو كان الأمر بيدي لما جعلت استراتيجيتي الوحيدة لمعالجة المشكلة هو السعي إلى الحل الجذري السحري الذي مازلت أنتظره منذ 6 سنوات و تحول دونه معوقات مهولة تفوق طاقتي.

- لو كان الأمر بيدي لعددت استراتيجياتي و نوعت أساليبي، و لما جعلت العجز عن إيجاد حل جذري يحول بيني و بين التفكير في حلول جزئية استدراكية طارئة.

- لو كان الأمر بيدي لتوقفت عن كثير مما أقوم به من جهد للتبرير و لوم الظروف و مطالبة الناس بالصمود... و لوفرت الوقت المستهلك في هذا كله  لإعمال العقل، و تحفيز التفكير، و السعي لإيجاد حلول إبداعية عملية تتحدى الحصار و تتحدى كل من يحاول كسر إرادة الشعب الفلسطيني لأهداف سياسية .... 

- لو كان الأمر بيدي و جاءني مقال كهذا المقال لتلقفته بكل سرور، و لقرأته ثلاث مرات، و لدرست محتواه بجدية، و لصوبت ما فيه من أخطاء و أنضجت ما فيه من أفكار، و لأضفت إليه أفكاراً جديدة،  و لطالبت كل صاحب رأي أو فكرة أو تخصص بإمدادي بما لديه من نصائح و أفكار و آراء مهما كانت بسيطة.

و على الله وحده التكلان.

الخميس، 12 يوليو 2012

سر فيتامين "واو"



احتاج أحد أصدقائي إلى استصدار جواز سفر لاستعماله في سفر طارئ عاجل فذهب إلى شباك تقديم الطلبات فقيل له ليس أمامك سوى الانتظار أسبوعين كما يقتضي النظام المعمول به، فأصابه الإحباط و عاد أدراجه مطرقاً حسيراً و سار هائماً على وجهه حتى لقيه قريب له و قال له بعد أن سمع شكواه: يا عزيزي (شغلتك بسيطة)  خذ هذا الرقم و كلم معالي سيادته و قل له (بيسلم عليك أبو فلان)....  جرب صاحبي الوصفة فوراً ... فكان على متن الطائرة في اليوم التالي!

أما صديقي الآخر فقد طلب منه موظف في إحدى الوزارات أن يرفق شهادة صحية تثبت حالته الخاصة مع طلب الوظيفة التي يريد التقدم إليها، فلما ذهب إلى الطبيب طالباً الشهادة رفض الطبيب و تعذر بخوفه لأن وزارة الصحة قد فرضت رقابة صارمة و تدقيق شديد على إصدار مثل هذه الشهادات، فتنقل بين ثلاثة أطباء آخرين سعياً وراء الشهادة فجاءه نفس الرد من جميعهم، فلما أصابه اليأس، شكى همه لجاره، فناوله عنوان منزل سكرتير معاليه...  فذهب إليه صاحبي و بلَّغه "سلامات" الجار .... فصدرت الشهادة في أول ساعة من نهار اليوم التالي!

و لي صديق ثالث، و رابع، و خامس، و سادس ... كلهم وقعوا في حرج مشابه فلم ينقذهم إلا فيتامين "واو":  الواسطة!

لست مختلفاً مع من يقول أن الواسطة هي مرض ثقافي اجتماعي، و لست مختلفاً مع الرأي بأن غياب الضمير و ندرة الأمانة عامل مساعد على انتشار هذه الآفة، و لكني اليوم بصدد تسليط الضوء على سبب آخر أعتقد أنه يغيب كثيراً عن الأذهان عند تناول ظاهرة الواسطة.

الفكرة باختصار هي أن الناس لا يلجأون إلى الواسطة في الغالب من باب الترف، و إنما يلجأون إليها لأن هناك حوائج ملحة لديهم تقف الأنظمة الإدارية و اللوائح حائلاً دون تحقيقها فلا يجد المواطن أمامه إلا البحث عن أي وسيلة لتحقيق حاجته.

إذا رأيت أن هناك حاجة ملحة متكررة لدى المواطنين لا يجدون لتصريفها و قضائها إلا الواسطة فاعلم أن المشكلة هي في النظام الإداري إذ أنه قد فشل في توفير وسيلة إدارية قانونية مباشرة تلبي حاجة الناس المتكررة.

آتي بمثال: الحاجة إلى السفر بشكل طارئ و عاجل أمر يتكرر كثيراً في حياة الناس، و تفرضه عليهم ظروف قهرية في العادة، فلو كان النظام الإداري يسمح ضمن لوائحه باستصدار جواز سفر مستعجل عن طريق تقديم طلب خاص برسوم أعلى عن رسوم الطلب العادي ربما مع الحاجة إلى تبرير سبب الاستعجال لوجد المستعجل في هذا الباب الإداري مدخلاً قانونياً مريحاً يمكنه أن ينفذ منه إلى تحقيق حاجته بشكل منظم و قانوني و شفاف دون الحاجة إلى اللف و الدوران. 

و قد يقول قائل: رسوم إضافية للطلب المستعجل أو المتأخر؟ لن يرضى بذلك أحد!  و ردي على ذلك أن اقفال الباب الرسمي في وجوه الناس ثم ترك الأبواب الخلفية مشرعة يفتح المجال واسعاً أمام الرشوى، و لا تعجب إن وجدت حينها المواطن الذي تخاف عليه من دفع رسوم إضافية مستعداً لدفع رشوى بل رشاوي ليصل إلى حاجته عند الاضطرار!

أقول هذه الكلمات لأنني وقفت على حالات متكررة وأمثلة متعددة أجد الناس فيها يقعون في حرج تحت ضغط حاجات ملحة فيصطدمون بنظام إداري يتشدد و يبالغ في التشدد في القنوات الرسمية ثم يستاهل و يفتح الباب على الغارب - كما يقولون - للقنوات الخلفية.

الخلاصة إذن: كلما وجدت حاجة ملحة يتكرر احتياج الناس إليها ولا يكون هناك منفذ إداري قانوني ينظمها فاعلم أن النظام الإداري فيه ثغرة أو خلل، إما على شكل بيروقراطية ممجوجة أو تشدد مبالغ فيه لا يوجد معه قانون يضبط الاستثناءات و يلبيها.


خواطر على طريق النهضة: 3- هل يقف؟

هذه الخاطرة الثالثة من مجموعة خواطر نثرية أدبية كتبتها منذ 6 أعوام تحكي قصة رمزية لأحد صناع الحياة جلس دهراً طويلاً في بيت السلبية و النكوص، و بعد أن التذع قلبه لحال وطنه و أمته قرر أن ينهض و ينتفض و يخرج من سلبيته إلى طريق الإيجابية و صناعة الحياة و النهضة. 

الخاطرة الأولى كانت بعنوان "المفتاح"  و رسالتها الأساسية أن أول خطوة في طريق العمل لأجل نهضة الأوطان هي عقد نية خالصة لا تخالطها مصالح شخصية أو مطامع دنيوية أو حظوظ نفس.

الخاطرة الثانية كانت بعنوان "غذ روحك .. و اكتمل" و رسالتها أن العمل لأجل النهضة يحتاج إلى زاد و تكوين إيماني و علمي و مهاري و جسماني متكامل.

الحلقة الثالثة: هل يقف؟




المفتاح رهن القبضة... الزاد يملاً الجراب... قدم صانع الحياة الواثق على أول الطريق... نفسه تلتهب شوقاً للنهضة.... و روحه تتوق إلى طريق المعالي...  

هاهو يسرج خيل همته ... و يمتطى صهوة عزيمته ... و يأخذ بزمام إرادته ... ينبؤنا عن حاله المشبوب صانع نيسابور "مسلم" صاحب الصحيح ... فيما يرويه عن إمام الصانعين -صلى الله عليه و سلم- : 

( من خير معاش الناس رجلٌ : آخذٌ بعنان فرسه ، يطير على متنه ، كلما سمع هيعة أو فزعة طار إليها)


صيحات الأوطان تئن... صرخات المستضعفين يستغيثون... نداءات المخلصين يستصرخون ... أصواتٌ ملأت سمع الصانع و قلبه ... فطار و روحه على كفه .. طار و قد وهب لله نفسه... طار و هو يستذكر تلك الكلمات الخالدة التي سطرها ابن الجوزي في "المدهش" يوم أن قال :  ( أول قدم في الطريق : بذل الروح ... هذه الجادة ، فأين السالك ؟ )  أجاب صانع الحياة: أنا لها ...أنا السالك!

إذا القوم قالوا مَن فتًى خِلت أني  *** عُنيتُ فلم أكسل و لم أتبلد

إنها معادلة العطاء و الفناء... يفهمها الصانع و يحفظها عن ظهر قلب ... فطريق النهضة طريق البذل ... طريق عطاءٍ بلا أخذ .... طريق إنفاق النفس ...و انفاق ما بعد النفس ! ... ( طريق نصب فيه آدم ، و ناح لأجله نوح ، و ألقي في النار إبراهيم ، و بيع يوسف بثمن بخس ، و نشر بالمناشير زكريا، و ذبح الحصور يحيي ، و ضني بالبلاء أيوب ، و عالج الفقر محمد ...) 
إنها معادلة الفناء و التلف في الدنيا ... ثم الكرامة و الشرف في الآخرة ... معادلة :

أجدر الناس بالكرامة عبدٌ *** تلفت نفسه ليسلم دينه 

حياة صانع الحياة باتت وقفاً على أمته... و أيامه غدت نذراً لنهضتها و رفعتها و تقدمها... فلأمته ترخص الروح ... و تهون النفس ...و تقدم ثواني العمر قرابين ... 

بهذا الإقدام الهاجم ... و بهذه الهمة العلية ... و بتلك النفس الأبية ... انطلق الصانع ... و خطا خطواته نحو النهضة ...
و قبل أن يجاوز صانعنا الباب، و يوغل في الطريق، ترك لمن بعده من أجيال الصانعين اللاحقين وصيتان و إعلان خطهم بمداد من عرق على صحائف من نور و علقهم جميعاً على الباب:

الوصية الأولى: 

العـهد أولـه اتبــاعٌ صــــــــــــادقٌ *** و عليه بالإخلاص خير وشــــــــاح
هذا هو المفتاح فـــاعرف ســـــره *** و ابدأ دروب الشوق بالمفتــــــــــاح

الوصية الثانية: 

كن رابط الجأش و ارفع راية الأمل **** و سر إلى الله في جدٍ بلا هزل
و إن شعرت بنقصٍ فيك تعرفـــــــه **** فغـذ روحك بالقرآن و اكتمــل

أما الإعلان فمفاده: 

يعلن صانع الحياة لإخوانه من بعده أنه: 

بدأ المسير إلى الهدف *** و الحر في عزمٍ زحف 

و الحر إن بدأ المسير *** فلــن يكـل و لـن يقـــف 


لا .. لن يقف 



و إلى لقاء قادم مع الحلقة الرابعة بعنوان: ارفع راية

الجمعة، 29 يونيو 2012

خواطر على طريق النهضة: 2- عذ روحك ... و اكتمل

هذه الخاطرة الثانية من مجموعة خواطر نثرية أدبية كتبتها منذ 6 أعوام تحكي قصة رمزية لأحد صناع الحياة جلس دهراً طويلاً في بيت السلبية و النكوص، و بعد أن التذع قلبه لحال وطنه و أمته قرر أن ينهض و ينتفض و يخرج من سلبيته إلى طريق الإيجابية و صناعة الحياة و النهضة. 

الخاطرة الأولى كانت بعنوان المفتاح  و رسالتها الأساسية أن أول خطوة في طريق العمل لأجل نهضة الأوطان هي عقد نية خالصة لا تخالطها مصالح شخصية أو مطامع دنيوية أو حظوظ نفس.


الحلقة الثانية: غـذِ روحـك ... و اكـتـمـل


لم يزل صانع الحياة مع نفسه في جهاد و مكابدة، و مع شيطانه في مراغمة و مغايظة و مكايدة، و مع أهواء النفس و مزالق الشهوة في مناوءة و مباعدة ...

و لم يزل يغربل المقاصد ، و يتحرى خفايا النوايا، و يتبرأ من الأغيار ... 

و لم يزل له من طول الوقوف على باب الله ظهير،  و من طول الإخبات و التضرع نصير ... حتى وقعت يده على المفتاح، فأخذه بقوة و طار إلى الباب، هاجراً بيت السلبية،  قاصداً طريق الإيجابية، عقله مشغولٌ بهموم أمته، و قلبه ينبض بالشوق إلى النهضة. 

وقف على العتبة ...
أدار الترس ...
فتح الباب ...
أبصر الطريق:  أشواكٌ كالإبر ... صخورٌ كالجبال ... روابي و قيعان … أمواجٌ و لُجَّةُ بحر... طولٌ و بعد … غربةٌ ووحشة ...

ثم رمق في الافق من صناع الحياة من سبق ... رأى المقدام الثابت ... و رأى المتعثر المتباطئ ... و رأى المغبون المتساقط.   سنة الله في تفاوت مراتب و همم السائرين من المصلحين و الصانعين رآها عياناً، و أدركها قلباً و عقلاً.  سنة الله رُويت له أحاديثَ تناقلتها أجيال الصانعين بالسند الصحيح عن سيد المرسلين و إمام الصانعين، و دونها صانع بخارى في جامعه: 

::: (تجدون الناس كإبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة ) :::

مازال الصانع الراحلة بالباب يهم بالسفر... و إذ بصوت يصيح به: "و تزودوا"،  فالسفر طويل، و المشاق كثر، و العوائق تترى.
و هل تقطع الأسفار بغير زاد ؟!
فكيف إذا كان سفر الصانع إلى الله ؟ و مقصده نهضة دونها المكاره؟!
لابد من زادٍ إذن!

فإن أسرع صاحبنا و اندفع في الطريق، و لم يتزود بزاد، و لم يغذ روحه بغذاء ... فسرعان ما سينقطع، و ليس له حينئذ إلا صف المغابين المتساقطين، و كان مصلحاً دعياً – أي يدعي الإصلاح-  يصلح حياة الآخرين و نفسه إلى الإصلاح أحوج ...

هل يُطلب الماء ممن يشتكي عطشاً؟ **** هل يُطلب الثوب ممن جسمه عار؟

لا .. لا .. لا 

يا بانيا بالماء حائط بيتــه ****  فوق العباب أرى البناء مهيلا
أرأيـت قـبـــلك عاريــــــا ****  يــبــغـى نـزال الدارعيـنـــــا!


قبل أن تخوض غمار صناعة الحياة، و قبل أن تسلك طرق النهضة الوعرة: اصنع نفسك، و غذ روحك، و اصقل قلبك ... أكمل النقص، أصلح الخلل، ارأب الصدوع، سُد الثغور ... ثم سر إلى الله،  و اقصد سبيل النهضة، و ررد معي و مع وليد الأعظمي :

كن رابط الجأش و ارفع راية الأمل **** و سر إلى الله في جدٍ بلا هزل
و إن شعرت بنقصٍ فيك تعرفـــــــه **** فغـذ روحك بالقرآن و اكتمــل

وغذ قلبك بالإيمان و اكتمل
وغذ نفسك بالأخلاق و اكتمل
وغذ جسمك بالرياضة و اكتمل
وغـذ عقلك بالعلوم و اكتمل
وغذ ذاتك بالتدريب و اكتمل

تغذَ و اكتمل ... ثم انطلق!


و إلى لقاء قريب مع الحلقة الثالثة بعنوان: هل يقف؟

الاثنين، 25 يونيو 2012

خواطر على طريق النهضة: 1- المفتاح

توطئة
هذه مجموعة خواطر نثرية أدبية كتبتها منذ 6 أعوام تحكي قصة رمزية لأحد صناع الحياة جلس دهراً طويلاً في بيت السلبية و النكوص، و بعد أن التذع قلبه لحال وطنه و أمته قرر أن ينهض و ينتفض و يخرج من سلبيته إلى طريق الإيجابية و صناعة الحياة و النهضة. ذكرتني بهذه الخواطر تلك المشاعر المختلطة التي نعيشها هذه الأيام و نحن على أعتاب مرحلة جديدة في عالمنا العربي و نحن تستشرف الحرية المفقودة و النهضة المنشودة، فرأيت أن أعيد نشرها بعد تنقيحها.
و أكثر في هذه الخواطر من نقل أبيات الشعر و الأقوال المأثورة، كما أكثر من الصورة التشبيهية و الاستعارات المكنية و المعاني المجازية و التعبيرات الرمزية.

الحلقة الأولى : المفتاح




تلهب أشواق النهضة نفس الصانع ... و تضطرم في روحه شعلة الحنين إلى المجد ...

فيفزع من فوره متسربلاً بلؤمة (1) التغيير ... متقلداً معول البناء ... قاصداً سبيل الريادة ... دالفاً من باب النهضة...
فإن امتلك الصانع مفتاح الدخول كان العبور سهلاً ، و كان السير في طريق النهضة حقيقة واقعة ... ثم لاشك بعدها في الوصول ... و لو بعد حين ... 
أما إن كانت الأخرى و غاب المفتاح .. كان السير أحلاماً و خيالات ... و كانت النهضة صوراً و تهيؤات ... و أقدام الصانع مكانها لم تجاوز العتبة ... بل لعله أخطأ الباب و أقحمه هواه في سراديب الظلام ...
إنه المفتاح ... روح الدين ... و لُباب العبادة ...و جذر الإيمان ... و أساس كل عمل... و مدار القبول أو الرد ...

إنه: الإخلاص

يدرك صانع الحياة هذه الحقيقة أيما إدراك فتراه يخطو السير على نهج الأوائل و يكرر ما قاله خامس الراشدين و يبدأ مشواره في صناعة الحياة بالذي بدأ خلافته به يوم أن قال : ( لأعقدن عقداً لا يكون للشيطان فيه نصيب ) ثم يصيح بمن حوله من الصانعين : 


قولوا للواقفين بغير باب الله : يا طول هوانكم
قولوا للعاملين لغير وجه الله : يا ضيعة أعمالكم

فلا صناعة للحياة إلا بالإخلاص ، و لا استمرار إلا بدوام الإخلاص ... فمن صَفا :صُفِّي له ...و من خَلَّط : خُلِّط عليه و تخبط ... و ليس له ثمة إلا السراديب .,. فإذا ما قُضي الأمر،  و حان وقت العرض فلات حين مفاتيح ...

(فمن صحت لله بدايته : صحت نهايته ، و من فسدت بدايته فربما هلك )

و هذا حال أي عمل لم يكن جذره التجرد و لم يكلل بالإخلاص ...

و لا يزال صانع الحياة يستذكر ما طالعه يوماً في "تركيب الشظايا" من قصة المحدّث الثقة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب شريك مالك بن أنس في إمامة المدينة المشرّفة، (لما قال حين بلغه بدء تدريس مالك للموطأ واجتماع الناس عنده: لأصنّفنّ موطأ أكبر منه. 
وكان حسدُ الأقران يحرّكه –ربما- ، فصنّفه...
فقال مالك: ما كان لله بقي.
ودارت الأعوام والقرون، وإذا بموطأ ابن أبي ذئب لا يعلم به أحد، غير أحاديث قليلة نقلها البخاري في صحيحه، بل حتى ولا توجد مخطوطة لموطأ المنافسة هذا.
و إذ الأجيال تحتفي بموطأ مالك، حتى أن الدار قطني ألّف كتاباً رصد فيه اختلاف ألفاظ تسعين رواية مستقلّة كاملة لموطأ مالك عن تسعين من تلامذته، والبخاري وحده انتقى من أربعة عشر رواية منها رواها له شيوخه من تلامذة مالك، عدا ما رواه بواسطة، فانظر البركة، وانظر العقوبة، وانظر شيوع الذكر، وانظر خفوته، وما يشاء الله يفعل، وما يعِد يكون.) 


إنه الإخلاص و التجرد ... هذا هو مفتاح القاصدين ...و سر الناجحين ...


يا عابر الخــطوات نـحـو فلاحــك *** أسكبت نور الزيت في المصبــــاح؟
و شرعت تمشي و الرياح خوافق *** لــــــــم يثن عزمك وابـل الأتــراح
العـهد أولـه اتبــاعٌ صــــــــــــادقٌ *** و عليه بالإخلاص خير وشــــــــاح
هذا هو المفتاح فـــاعرف ســـــره *** و ابدأ دروب الشوق بالمفتــــــــــاح

و ابدأ دروب الشوق بالمفتـــاح


و إلى لقاء قريب مع الحلقة الثانية بعنوان: عذ روحك .. و اكتمل


-------------------------------
(1) اللؤمة هي لباس الحرب

الأحد، 26 فبراير 2012

المبادرات التطوعية ... و النسافات الثمان


من أهم و أبرز النتائج الإيجابية لأجواء الربيع العربي ذلك الأثر العاطفي العميق الذي زرعته في النفوس، و ذلك التحول الملموس الذي أحدثته في توجهات التفكير لدى الشعوب عامة و لدى فئة الشباب بشكل خاص.

لقد أسهمت هذه الأجواء في تفجير الكثير من الطاقات الكامنة، و الكشف عن العديد من الدرر المدفونة. كما ساهم بركان العواطف الإيجابية المتدفق في تفتق الكثير من العقول الشابة المبدعة عن مبادرات تنموية و تطويرية متعددة.  

و أضحت الساحة العربية الآن تشهد زخماً إبداعيًا كبيرًا، و احتشادًا زاخرًا للكثير من المشاريع و الأفكار و المبادرات التطوعية في مجالات تعليمية و تربوية و تنموية و إعلامية و تثقيفية و بحثية و صناعية و غيرها. و قد لاقت الكثير من هذه المبادرات إقبالاً كثيفاً عليها، و التفافاً شديداً حولها من مختلف الفئات العمرية و الثقافية و المجتمعية.

هذه الحالة الصحية الإيجابية الغير مسبوقة تحتاج إلى من يقدر أهميتها، و من يحسن استغلالها، و من يسهم في توجيهها في المسارات الصحيحة قبل أن تخفت شعلة الإبداع، و قبل أن يخبو بركان العواطف، و قبل أن يعود تيار الحياة يسحب الناس إلى دواماتها اللامتناهية.

جلست مع نفسي أتأمل و أتفكر في تلك الأخطاء المتكررة التي يقع فيها المبادرون المتطوعون، و التي ربما يؤدي التمادي في الخطأ الواحد منها إلى نسف الحلم و قتل الفكرة و إحباط المبادرة في مهدها.

و بعد تفكير و مدارسة لتجارب و خبرات قليلة ماضية خرجت بثمانية أخطاء نسَّافات (أي تنسف المبادرة) أسطرها هنا للتنبيه إليها و التحذير منها، و أكتفي هنا بطرح العناوين العريضة مع تعليق مختصر على كل نقطة.


أولاً: غياب الرؤية الاستراتيجية

كثير من المبادرات التطوعية تكون شرارتها الأولى و باعثها الأساسي عاطفي وجداني، فكثير من الناس قد يتأثر بمشهدٍ يراه أو بحالٍ محيطٍ يستشعره فيلتذع قلبه و يتحرق فؤاده فينبعث بدوافع عاطفية ليبادر للقيام بفعل يعاكس ذلك الشأن الذي ساءه. هذا الاندفاع العاطفي شيء إيجابي و مطلوب و ضروري و لكنه غير كافٍ للنجاح و الاستمرار، إذ لابد أن تقترن العواطف المحركة و الدافعة برؤية استراتيجية موجهة و محددة لمسارات التحرك و ضابطة لبوصلة العمل. في حال غياب هذه الرؤية تجد المبادر يتحرك في اتجاهات عشوائية، و يتقلب بين الأفكار و المشاريع على غير بصيرةٍ و على غير هدى.

أي مبادرة تطوعية لابد أن تمتك رؤية واضحة، و رسالة محددة، و غايات منسجمة مع الرسالة و محققة للرؤية، و أهداف دقيقة تخدم الغايات، و استراتيجيات مناسبة لتحقيق الأهداف، و برامج و مشاريع و أنشطة نائشة عن هذا كله و متسقة مع بعضها البعض.

ليس من الضروري أن تكون هذه الرؤية تامة الوضوح أو مكتملة عند الانطلاق، و لكن ما هو ضروري هو أن يتوفر الإدراك لأهمية الوصول إلى مرحلة الوضوح من خلال مراكمة الخبرة و هضم التجارب.

ثانياً: الإخفاق في فهم طبيعة العمل التطوعي

يخلط الكثير من المبادرين بين العمل التطوعي و العمل المهني مدفوع الأجر. الإخفاق في فهم طبيعة العمل التطوعي و خصوصياته تنجم عنه الكثير من التعثرات و الأخطاء في كل مرحلة من مراحل إدارة العمل ابتداءً من وضع الخطط،  مروراً بتوظيف المتطوعين و إدارة الموارد البشرية، و انتهاءً بآليات الرقابة و المتابعة و معايير التقييم.

فالعمل التطوعي يحتاج إلى عناية خاصة بطرق توظيف الأفراد، و استراتيجيات التوسع، و أدوات التحفيز، و عوامل الاستمرار. بعض النقاط التالية في المقال سوف تتناول بعضاً من هذه الخصائص.

ثالثاً: إغراء الأفكار

تتسم مرحلة اشتعال و اتقاد الشرارة الأولى لأي مبادرة تطوعية بأنها مرحلة طلاقة الأفكار، فكثير من الأفكار لمشاريع و برامج و أنشطة متميزة تتبادر إلى ذهن المبادر و تثير حماسته في تلك المرحلة.  و كثيراً ما يحدث أن يقع المبادر فريسةً لإغراء الأفكار فتراه إما أنه يبدأ بالعمل على عدد كبير من الأفكار تفوق ما يتوفر لديه من موارد،   أو أن يصبح كالذواقة يتنقل بين فكرة و فكرة و بين مشروع و مشروع يتذوقها فقط دون أن يُتِم أي منها أو أن ينجزه باتقان،  أو تجده ينشغل بمشاريع براقة و لكنها أقل أهمية و متأخرة في الأولوية عن مشاريع أخرى. كل هذه الإخفاقات في التركيز تؤدي إلى تسلل إحباط سريع في نفس المبادر، و خفوت عوامل الدفع الذاتي لديه، و نفاذ مخزون العاطفة المحركة له.

رابعاً: ارتفاع سقف التوقعات

الإنسان المبادر المتطوع تجده شديد الاقتناع بفكرته، شديد الحماسة لها، قوي العزيمة على المضي فيها، و تجد مبادرته تملأ عليه الكثير من تفكيره و عقله ووقته، و تنعكس على مجمل حياته في نهاره و ليله. هذه الحالة النفسية لمنشئ المبادرة تجعل سقف توقعاته عالياً جداً سواءً من حيث مستوى تفاعل الناس معه، أو إقبال المتطوعين على مشاريعه، أو سرعة إنجاز البرامج و الأنشطة، أو قوة عوائد و نتائج الجهد المبذول. هذا السقف العالي للتوقعات يصطدم دائماً بواقع يكون دون التوقعات بكثير في أغلب الأحيان. صحيح أن التفاؤل مطلوب و لكن الفجوة الكبيرة بين التوقعات و الواقع قد تؤدي إلى إحباطات متتالية، و قد تولد إفرازات نفسية سلبية على نفسية المبادر (انتبه هنا أن العامل النفسي من عوامل الاستمرار في العمل التطوعي و من هنا كان التركيز عليه ضرورياً).

لا بأس أن يطلق المبادر لطموحه العنان، و لكن عليه أن يجعل سقف توقعاته في مستوىً معقول، و أن يوطن نفسه على تقبل الواقع، و أن يتهيأ لكافة الاحتمالات، و أن يضع إمكانية الإخفاق في الحسبان و يستعد لها عند صياغة الخطة، و يرسم لكل إمكانية خطط بديلة و آليات استدراكية.

خامساً: شهوة التوسع و الانتشار

و هذه من الأخطاء المتكررة، فالمبادرة التطوعية تبدأ بشخص أو مجموعة صغيرة من الأشخاص، و غالباً ما تكون أول مهمة يجد قادة المبادرة أنفسهم بحاجة إلى البدء بها هي تجميع متطوعين للتفاعل مع المبادرة، و المشاركة في القيام على أنشطتها و برامجها.

الخطأ الذي يقع فيه الكثير من المبادرين هو أن شهوة التجميع و تكثير الأعداد تأخذهم بعيداً و تستنفذ الكثير من وقتهم و جهدهم، و تستنزف موارد كان من الممكن أن توجه في صميم العمل.

و المشكلة الكبرى هنا هي أن هذا التجميع و التكثير للأعداد لا يكون في أكثر الأحيان نابعاً من حاجة حقيقية أفرزتها الخطة أو الرؤية الاستراتيجية، و لا يكون مرهوناً بطاقات الاستيعاب، و لا منضبطاً بمعايير انتقاء و اختيار واضحة للأفراد.

القاعدة الأساسية هي أن: سعة الانتشار لابد أن تتناسب مع طاقة الاستيعاب.  و طاقة الاستيعاب تشمل القدرة على توظيف المتطوعين، و القدرة على متابعتهم و تقييمهم، و القدرة على تحفيزهم.

سادساً: أسلوب الإدارة الأخوية

كون العمل التطوعي قائم على المبادرة الشخصية و لا تتوفر فيه أجور أو حوافز مادية عاجلة، لا يعني هذا أنه غير ملزم أو غير منضبط. من الأخطاء الكبيرة التي تقع فيها المجموعات التطوعية (التي غالباً ما تتشكل نواتها من أصدقاء أو زملاء أو أفراد تجمعهم خصائص مشتركة متعددة)  ... الخطأ هو أنها تجعل قيمة الأخوة (و هي قيمة مهمة بلا شك) تعلو و تطغى و تحل محل متطلبات الإدارة السليمة الضرورية لنجاح أي عمل.

فعلى سبيل المثال تعزف الكثير من المجموعات التطوعية عن هيكلة نفسها إدراياً، أو وضع آليات للمتابعة و المحاسبة، أو مثلاً تقييد المصروفات المالية بشفافية و وفق الأصول، و غيرها الكثير.  لاشك أن حضور معاني الأخوة و المحبة و التآلف مطلوبة لاستمرارية العمل، و لكن لابد أن تأخذ متطلبات العمل الإداري حقها الكامل من الاحترام و الاتباع، و هذا لابد أن يكون واضحاً لكل الأعضاء و متفاهم عليه.

سابعاً: التقصير في التحفيز

صحيح أن الحافز الذاتي و الدافع النفسي الداخلي هو في الغالب العامل الأساس الذي يجعل المتطوع المبادر يلتحق بالعمل التطوعي ابتداءً، إلا أن مساهمة هذا الحافز في استمرارية عطاء المتطوع في المستقبل لا تتعدى النذر اليسير. كثير من قادة العمل التطوعي يفشلون في إدارك هذه الحقيقة فيقعون في خطأ التقصير في توفير قدرٍ كافٍ من الحوافز المعنوية للمتطوعين التابعين.

و الحوافز تأخذ أشكال كثيرة مثل شهادات الشكر أو هدايا التكريم أو حتى مجرد ذكر الاسم و الإشادة بالعطاء أو الترقية في الهيكلية الإدارية للعمل، و غيرها الكثير من أشكال التحفيز. غياب الحوافز المعنوية عن قاموس قادة العمل التطوعي معناه أنهم سيجدون أنفسهم قريباً جداً يعملون لوحدهم!

ثامناً: الفشل في توفير عوامل الاستمرار


ما أسهل طرح المبادرات، و ما أسهل البدء بها. التحدي الأكبر و الأصعب دائماً هو الاستمرارية. مئات ألوف المبادرات تنطلق و في نفوس أصحابها براكين ثائرة من الحماسة و الحيوية، و لكنها سرعان ما تنقطع و تتوقف. السبب الأساسي في هذا هو الإخفاق في إدراك عناصر و عوامل استمرار الفكرة و الفشل في توفيرها.

فعلى سبيل المثال، العمل التطوعي الذي يستنزف مالاً لا يمكن أن يستمر بطرق صرف عشوائية من جيوب بعض أعضاء الفريق أو من جيوب قادة المبادرة، إذ لابد من توفير مصدر تمويل مستقر كاشتراكات دورية محددة للأعضاء، أو تبرعات خارجية، أو مشاريع ربحية و خلافه.

و من أمثلة عناصر الاستمرارية التي تكاد تحتاجها أغلب المبادرات التطوعية: التمويل، التحفيز، الشراكات الفعالة، القدرة على استقطاب متطوعين كلما دعت الحاجة، اكتساب صفة قانونية، و غيرها الكثير.

دمتم بخير.

الأحد، 12 فبراير 2012

عشرة عوامل تعيق استيعابنا السياسي



التغيرات الدراماتيكية التي شهدتها الساحة العربية مؤخراً لم تقف عند حدود إسقاط أنظمة حكم  أو زلزلة عروش بعض الطغاة، بل رافقها و تبعها هزة في العقول، و انتفاضة في الوعي العربي العام، و ظهور اهتمام شعبي غير مسبوق بمجريات الساعة على كافة المستويات السياسية و الاقتصادية و الفكرية.

المراقب لمواقع التواصل الاجتماعي و منتديات الحوار و ساحات الدردشة يلمس انخراط أعداد كبيرة من عوام الناس و خواصهم من شتى الأعمار، و كافة الطبقات، و مختلف التوجهات و الخلفيات في متابعة الشأن السياسي، و التفاعل مع الأحداث و التعليق عليها لحظة بلحظة، و التعبير عن الرأي تجاه كل مستجد و تجاه كل واقعة.

و الذي لاحظته من خلال متابعتي لهذا السيل الدافق من الآراء و التعليقات و التصورات التي امتلأ بها الفضاء الالكتروني هو أن الكثير منا - و لا أستثني نفسي إطلاقاً - نخفق في كثير من الأحيان في استيعاب حقيقة الواقع و نفشل في إدراك الصورة الكلية للمشهد السياسي بكل تفاصيله الفسيفسائية.

و بعد تأمل و تدبر و تفكير في أسباب و أبعاد هذا الإخفاق خرجت بعشارية أظنها تلخص معظم معوقات استيعابنا لمجريات الحدث السياسي و ما يترتب على هذا الإخفاق من تبني لآراءٍ خاطئة، أو التأثر السريع بتزييفات الإعلام و تلفيقاته، أو التحمس المبالغ فيه لبعض الخطب الرنانة و الكلمات الحماسية، أو النظرة المتشككة و المصحوبة بسوء الظن تجاه مواقف سياسية نعجز أحياناً عن فهم دوافعها و مبرراتها.

في هذا المقال أسرد النقاط العشرة مع تعليق مختصر على كل منها، و أترك التفصيل لاستيعاب القارئ و عقله الذكي، و قد أعود في المستقبل لأكتب و أعلق بالتفصيل على بعض النقاط و أعززها بالأمثلة في تدوينات مستقبلية إن أتيحت الفرصة لذلك.

معوقات الاستيعاب العشرة:

أولاً: عدم وضوح الأهداف

الكثير منا يتابع الشأن السياسي دون أن تتضح في ذهنه الأهداف الكلية للعمل السياسي في ضوء معطيات الزمان و المكان و ضرورات المرحلة، و لذلك تجده كثير التردد، دائم التخبط، سريع التقلب في الرأي، ضعيف الثقة بنفسه و بالآخرين. و لو نظرت  إلى مواقفه السياسية و تعليقاته على الأحداث نظرةً شمولية لوجدتها متناقضة و عشوائية،  لا منطق واضح يحكمها و لا سياق محدد يمكن وضعها فيه. و كذلك تجده يتسجيب لأي دعوة حماسية و أي رأي طالما أن صوته عالٍ دون أن يعطي نفسه الفرصة لاستحضار الهدف و التأكد من أن السلوك السياسي الذي هو بصدد فعله أو تبنيه أو تأييده متسق و متفق مع الهدف!


ثانياً: الخلط بين الوسائل و الأهداف

و هو من نتائج ضبابية الهدف.  إذ تجد الكثير من الناس يخفقون في التفريق بين الهدف المراد تحقيقه و بين مجموع الوسائل المؤدية إلى الهدف. بل كثير منهم تنقلب عندهم الوسائل إلى أهداف،  و بعد أن كانت الوسائل عامل متغير يتغير وفق تقديرات الظروف و موازنات المصالح و المفاسد فإذا بها أصبحت ثوابت لا تتغير ولا تتبدل!   بل في كثير من الحالات يصل الأمر إلى أن تصبح مجرد مناقشة الوسيلة أو طرح بديل عنها تهمة و شبهة يتلقى صاحبها كيل من الشتائم القاذعة و اتهامات التخوين و التآمر!

ثالثاً: الفشل في ترتيب الأولويات

التعرف على الأهداف و القدرة على تمييزها عن الوسائل لا يكفي لبناء فكر قويم أو اتخاذ موقف سياسي سليم،  إذ لابد أن تقترن الأهداف و الوسائل بسلم أولويات يتم التفريق فيه بين الهدف الاستراتيجي و الهدف المرحلي، و بين الهدف المهم و الهدف الأقل أهمية، و بين الهدف القابل للتحقيق و ذلك بعيد المنال. و كذلك التفريق بين الوسيلة الناجعة و الأنجع، و بين الوسيلة المكلفة و الأخرى الأقل كلفة، و هكذا...

القدرة على استيعاب و فهم الأولويات من المهارات الأساسية للإدراك السياسي السليم. 


رابعاً: الإخفاق في فهم الموازنات

معظم الأمور التي تعرض لرجل السياسة يصعب اتخاذ قرار بشأنها تتحقق به كل المنافع و تجتنب فيه كل المفاسد، و لذلك يجد رجال السياسة أنفسهم في كل مرة مضطرين إلى موازنة المصالح و المفاسد المترتبة على كل قرار، و هنا تأتي القواعد الأصولية المنطقية لتساعد في الحسم:  فدفع المفسدة أولى من تحقيق المصلحة، و من الممكن الرضى بالمفسدة الأقل إذا كان قبولها يدفع مفسدة أكبر، و قد نقبل بتضييع المنفعة الصغيرة إذا كان تضييعها يتيح المجال لتحقيق منفعة أكبر، و هكذا...

كثير من ارتباكات الناس في فهم السلوك السياسي للعديد من التيارات و الشخصيات السياسية يعود إلى الإخفاق في فهم معادلة الموازنة هذه.

خامساً: عقلية البعد الواحد

و من العوامل الخطيرة التي تحد من استيعابنا السياسي كذلك سيطرة عقلية البعد الواحد و السبب الواحد و العامل الواحد على تفكيرنا كل ما عرضت لنا مسألة من المسائل.  

كثير من الناس يعجز عن ملاحظة و إدارك و فهم كافة أبعاد المسألة السياسية محل النظر، فتجده يمسك بأحد أبعاد القضية أو أحد العوامل المؤثرة فيها و يتوقف عنده لا يجاوزه، و لذلك تجده يبني أحكامه على إدراك منقوص و فهم مجتزأ للمشكلة.

سادساً: النظرة السطحية للأحداث

كثير من الناس يتناول الموضوعات الكبيرة و الأحداث الجليلية تناولاً سطحياً غريباً،  فتجده يحكم على ظاهر المسألة - أو بعض ظاهرها حتى - دون أن يتعمق فيها، و دون أن يحاول التعرف على كافة جوانبها الظاهرة و الخفية، و دون أن يضعها في سياقها الزمني، أو أن يدرس العلاقة بينها و بين المسائل الأخرى المزامنة لها، و دون أن ينتبه إلى كافة العوامل المتداخلة المؤثرة في عموم المشهد و الحاكمة له.

سابعاً:  قصر النظر و ضيق الأفق

قِصَر النظر السياسي من أكبر المشاكل، فما أكثر أؤلئك الذين لا تتجاوز رؤيتهم السياسية حدود ما تحت أقدامهم، فهم لا يعون إلا الساعة التي هم فيها، و يتخذون قرارات اللحظة الآنيِّة دون مبالاة باللحظة الآتية، و دون استشراف للمستقبل، و دون محاولة توقع تبعات  و نتائج الخيارات المختلفة و مآلات مسارات التحرك السياسي.

ثامناً: التعصب بنوعيه

و التعصب نوعان، "تعصب مع" و "تعصب ضد"، فهناك من يتعصب لطرف معين فيرى كل أفعاله صائبة حتى و إن كان العور فيها ظاهر و الغلط فيها جلي. و هناك من يتعصب ضد طرف آخر فلا يرى له حسنة، و لا يقبل منه أي موقف، و ينظر إليه بعين الشك و الريبة، و يرفض الحق إن أتى به فقط لأنه جاء منه.

"المتعصب مع" و "المتعصب ضد" كلاهما كالذي على عقله و قلبه غشاوة أو كالذي يلبس نظارة متلونة بلون من يتعصب له أو بلون مضاد لمن يتعصب ضده، و هذا بلا شك لا يرى الكثير من تفاصيل المشهد و يفوته الكثير من الفهم فيقع في الخطأ.

تاسعاً: عدم الاستناد إلى معطيات كافية

الكثير منا يصدر أحكاماً سياسية و يتخذ مواقفَ و يبني تصوراتٍ دون أن ينتبه أنه لا يمتلك كافة المعطيات و المعلومات الحاكمة للقرار.

القرار السياسي السليم ينبني على معطيات مفصلة و معلومات واضحة، و ليس على تصورات أو اعتقادات أو فرقعات إعلامية أو ظنون أو عواطف صرفة أو ردات أفعال أو ما شابه ذلك.

كثير من الناس يسمع خبراً في التلفاز عن أحد المواقف أو الخطوات السياسية فيسارع إلى التعليق  إما مؤيداً أو رافضاً بثقة تامة و أسلوب قاطع و كأنه ألم بتفاصيل المسألة جمعاء و اجتمعت لديه كافة المعطيات و المعلومات التي تؤهله للجزم بصحة رأيه.  لا بأس أن يعبر الإنسان عن رأيه في ضوء ما لديه من معطيات و لكن لا يحق له الجزم إلا إذا اقترن جزمه بمعلومات و معطيات مساندة كافية.

عاشراً: احتكار الحق


عندما يتبنى أحدنا رأياً من الآراء فمن الطبيعي أن يعتقد أنه على حق، و لكن ما هو غير طبيعي و ما هو غير صواب أن يعتقد أنه لا حق إلا ما يراه، و لا صواب إلا ما تبناه!

كثير من القضايا التي نواجهها اليوم لا مجال للقطع بما هو الصواب فيها، بل إن الحق و الصواب نفسه قد تكون له وجوه عديدة و من يرى أحد هذه الوجوه قد تغيب عنه وجوهٌ آخرى.

مشكلة الكثير من الناس أنهم يحتكرون الحق و الصواب، فرأيهم صواب لا يحتمل الخطأ و رأي غيرهم خطأ لا يحتمل الصواب، في حين أن معظم شؤون السياسة ليس فيها صواب مطلق و لا خطأ مطلق و إنما هي تسديدات و مقاربات و اجتهادات قد تصيب و قد تخطئ.


هذا و الله المستعان