الأحد، 26 فبراير 2012

المبادرات التطوعية ... و النسافات الثمان


من أهم و أبرز النتائج الإيجابية لأجواء الربيع العربي ذلك الأثر العاطفي العميق الذي زرعته في النفوس، و ذلك التحول الملموس الذي أحدثته في توجهات التفكير لدى الشعوب عامة و لدى فئة الشباب بشكل خاص.

لقد أسهمت هذه الأجواء في تفجير الكثير من الطاقات الكامنة، و الكشف عن العديد من الدرر المدفونة. كما ساهم بركان العواطف الإيجابية المتدفق في تفتق الكثير من العقول الشابة المبدعة عن مبادرات تنموية و تطويرية متعددة.  

و أضحت الساحة العربية الآن تشهد زخماً إبداعيًا كبيرًا، و احتشادًا زاخرًا للكثير من المشاريع و الأفكار و المبادرات التطوعية في مجالات تعليمية و تربوية و تنموية و إعلامية و تثقيفية و بحثية و صناعية و غيرها. و قد لاقت الكثير من هذه المبادرات إقبالاً كثيفاً عليها، و التفافاً شديداً حولها من مختلف الفئات العمرية و الثقافية و المجتمعية.

هذه الحالة الصحية الإيجابية الغير مسبوقة تحتاج إلى من يقدر أهميتها، و من يحسن استغلالها، و من يسهم في توجيهها في المسارات الصحيحة قبل أن تخفت شعلة الإبداع، و قبل أن يخبو بركان العواطف، و قبل أن يعود تيار الحياة يسحب الناس إلى دواماتها اللامتناهية.

جلست مع نفسي أتأمل و أتفكر في تلك الأخطاء المتكررة التي يقع فيها المبادرون المتطوعون، و التي ربما يؤدي التمادي في الخطأ الواحد منها إلى نسف الحلم و قتل الفكرة و إحباط المبادرة في مهدها.

و بعد تفكير و مدارسة لتجارب و خبرات قليلة ماضية خرجت بثمانية أخطاء نسَّافات (أي تنسف المبادرة) أسطرها هنا للتنبيه إليها و التحذير منها، و أكتفي هنا بطرح العناوين العريضة مع تعليق مختصر على كل نقطة.


أولاً: غياب الرؤية الاستراتيجية

كثير من المبادرات التطوعية تكون شرارتها الأولى و باعثها الأساسي عاطفي وجداني، فكثير من الناس قد يتأثر بمشهدٍ يراه أو بحالٍ محيطٍ يستشعره فيلتذع قلبه و يتحرق فؤاده فينبعث بدوافع عاطفية ليبادر للقيام بفعل يعاكس ذلك الشأن الذي ساءه. هذا الاندفاع العاطفي شيء إيجابي و مطلوب و ضروري و لكنه غير كافٍ للنجاح و الاستمرار، إذ لابد أن تقترن العواطف المحركة و الدافعة برؤية استراتيجية موجهة و محددة لمسارات التحرك و ضابطة لبوصلة العمل. في حال غياب هذه الرؤية تجد المبادر يتحرك في اتجاهات عشوائية، و يتقلب بين الأفكار و المشاريع على غير بصيرةٍ و على غير هدى.

أي مبادرة تطوعية لابد أن تمتك رؤية واضحة، و رسالة محددة، و غايات منسجمة مع الرسالة و محققة للرؤية، و أهداف دقيقة تخدم الغايات، و استراتيجيات مناسبة لتحقيق الأهداف، و برامج و مشاريع و أنشطة نائشة عن هذا كله و متسقة مع بعضها البعض.

ليس من الضروري أن تكون هذه الرؤية تامة الوضوح أو مكتملة عند الانطلاق، و لكن ما هو ضروري هو أن يتوفر الإدراك لأهمية الوصول إلى مرحلة الوضوح من خلال مراكمة الخبرة و هضم التجارب.

ثانياً: الإخفاق في فهم طبيعة العمل التطوعي

يخلط الكثير من المبادرين بين العمل التطوعي و العمل المهني مدفوع الأجر. الإخفاق في فهم طبيعة العمل التطوعي و خصوصياته تنجم عنه الكثير من التعثرات و الأخطاء في كل مرحلة من مراحل إدارة العمل ابتداءً من وضع الخطط،  مروراً بتوظيف المتطوعين و إدارة الموارد البشرية، و انتهاءً بآليات الرقابة و المتابعة و معايير التقييم.

فالعمل التطوعي يحتاج إلى عناية خاصة بطرق توظيف الأفراد، و استراتيجيات التوسع، و أدوات التحفيز، و عوامل الاستمرار. بعض النقاط التالية في المقال سوف تتناول بعضاً من هذه الخصائص.

ثالثاً: إغراء الأفكار

تتسم مرحلة اشتعال و اتقاد الشرارة الأولى لأي مبادرة تطوعية بأنها مرحلة طلاقة الأفكار، فكثير من الأفكار لمشاريع و برامج و أنشطة متميزة تتبادر إلى ذهن المبادر و تثير حماسته في تلك المرحلة.  و كثيراً ما يحدث أن يقع المبادر فريسةً لإغراء الأفكار فتراه إما أنه يبدأ بالعمل على عدد كبير من الأفكار تفوق ما يتوفر لديه من موارد،   أو أن يصبح كالذواقة يتنقل بين فكرة و فكرة و بين مشروع و مشروع يتذوقها فقط دون أن يُتِم أي منها أو أن ينجزه باتقان،  أو تجده ينشغل بمشاريع براقة و لكنها أقل أهمية و متأخرة في الأولوية عن مشاريع أخرى. كل هذه الإخفاقات في التركيز تؤدي إلى تسلل إحباط سريع في نفس المبادر، و خفوت عوامل الدفع الذاتي لديه، و نفاذ مخزون العاطفة المحركة له.

رابعاً: ارتفاع سقف التوقعات

الإنسان المبادر المتطوع تجده شديد الاقتناع بفكرته، شديد الحماسة لها، قوي العزيمة على المضي فيها، و تجد مبادرته تملأ عليه الكثير من تفكيره و عقله ووقته، و تنعكس على مجمل حياته في نهاره و ليله. هذه الحالة النفسية لمنشئ المبادرة تجعل سقف توقعاته عالياً جداً سواءً من حيث مستوى تفاعل الناس معه، أو إقبال المتطوعين على مشاريعه، أو سرعة إنجاز البرامج و الأنشطة، أو قوة عوائد و نتائج الجهد المبذول. هذا السقف العالي للتوقعات يصطدم دائماً بواقع يكون دون التوقعات بكثير في أغلب الأحيان. صحيح أن التفاؤل مطلوب و لكن الفجوة الكبيرة بين التوقعات و الواقع قد تؤدي إلى إحباطات متتالية، و قد تولد إفرازات نفسية سلبية على نفسية المبادر (انتبه هنا أن العامل النفسي من عوامل الاستمرار في العمل التطوعي و من هنا كان التركيز عليه ضرورياً).

لا بأس أن يطلق المبادر لطموحه العنان، و لكن عليه أن يجعل سقف توقعاته في مستوىً معقول، و أن يوطن نفسه على تقبل الواقع، و أن يتهيأ لكافة الاحتمالات، و أن يضع إمكانية الإخفاق في الحسبان و يستعد لها عند صياغة الخطة، و يرسم لكل إمكانية خطط بديلة و آليات استدراكية.

خامساً: شهوة التوسع و الانتشار

و هذه من الأخطاء المتكررة، فالمبادرة التطوعية تبدأ بشخص أو مجموعة صغيرة من الأشخاص، و غالباً ما تكون أول مهمة يجد قادة المبادرة أنفسهم بحاجة إلى البدء بها هي تجميع متطوعين للتفاعل مع المبادرة، و المشاركة في القيام على أنشطتها و برامجها.

الخطأ الذي يقع فيه الكثير من المبادرين هو أن شهوة التجميع و تكثير الأعداد تأخذهم بعيداً و تستنفذ الكثير من وقتهم و جهدهم، و تستنزف موارد كان من الممكن أن توجه في صميم العمل.

و المشكلة الكبرى هنا هي أن هذا التجميع و التكثير للأعداد لا يكون في أكثر الأحيان نابعاً من حاجة حقيقية أفرزتها الخطة أو الرؤية الاستراتيجية، و لا يكون مرهوناً بطاقات الاستيعاب، و لا منضبطاً بمعايير انتقاء و اختيار واضحة للأفراد.

القاعدة الأساسية هي أن: سعة الانتشار لابد أن تتناسب مع طاقة الاستيعاب.  و طاقة الاستيعاب تشمل القدرة على توظيف المتطوعين، و القدرة على متابعتهم و تقييمهم، و القدرة على تحفيزهم.

سادساً: أسلوب الإدارة الأخوية

كون العمل التطوعي قائم على المبادرة الشخصية و لا تتوفر فيه أجور أو حوافز مادية عاجلة، لا يعني هذا أنه غير ملزم أو غير منضبط. من الأخطاء الكبيرة التي تقع فيها المجموعات التطوعية (التي غالباً ما تتشكل نواتها من أصدقاء أو زملاء أو أفراد تجمعهم خصائص مشتركة متعددة)  ... الخطأ هو أنها تجعل قيمة الأخوة (و هي قيمة مهمة بلا شك) تعلو و تطغى و تحل محل متطلبات الإدارة السليمة الضرورية لنجاح أي عمل.

فعلى سبيل المثال تعزف الكثير من المجموعات التطوعية عن هيكلة نفسها إدراياً، أو وضع آليات للمتابعة و المحاسبة، أو مثلاً تقييد المصروفات المالية بشفافية و وفق الأصول، و غيرها الكثير.  لاشك أن حضور معاني الأخوة و المحبة و التآلف مطلوبة لاستمرارية العمل، و لكن لابد أن تأخذ متطلبات العمل الإداري حقها الكامل من الاحترام و الاتباع، و هذا لابد أن يكون واضحاً لكل الأعضاء و متفاهم عليه.

سابعاً: التقصير في التحفيز

صحيح أن الحافز الذاتي و الدافع النفسي الداخلي هو في الغالب العامل الأساس الذي يجعل المتطوع المبادر يلتحق بالعمل التطوعي ابتداءً، إلا أن مساهمة هذا الحافز في استمرارية عطاء المتطوع في المستقبل لا تتعدى النذر اليسير. كثير من قادة العمل التطوعي يفشلون في إدارك هذه الحقيقة فيقعون في خطأ التقصير في توفير قدرٍ كافٍ من الحوافز المعنوية للمتطوعين التابعين.

و الحوافز تأخذ أشكال كثيرة مثل شهادات الشكر أو هدايا التكريم أو حتى مجرد ذكر الاسم و الإشادة بالعطاء أو الترقية في الهيكلية الإدارية للعمل، و غيرها الكثير من أشكال التحفيز. غياب الحوافز المعنوية عن قاموس قادة العمل التطوعي معناه أنهم سيجدون أنفسهم قريباً جداً يعملون لوحدهم!

ثامناً: الفشل في توفير عوامل الاستمرار


ما أسهل طرح المبادرات، و ما أسهل البدء بها. التحدي الأكبر و الأصعب دائماً هو الاستمرارية. مئات ألوف المبادرات تنطلق و في نفوس أصحابها براكين ثائرة من الحماسة و الحيوية، و لكنها سرعان ما تنقطع و تتوقف. السبب الأساسي في هذا هو الإخفاق في إدراك عناصر و عوامل استمرار الفكرة و الفشل في توفيرها.

فعلى سبيل المثال، العمل التطوعي الذي يستنزف مالاً لا يمكن أن يستمر بطرق صرف عشوائية من جيوب بعض أعضاء الفريق أو من جيوب قادة المبادرة، إذ لابد من توفير مصدر تمويل مستقر كاشتراكات دورية محددة للأعضاء، أو تبرعات خارجية، أو مشاريع ربحية و خلافه.

و من أمثلة عناصر الاستمرارية التي تكاد تحتاجها أغلب المبادرات التطوعية: التمويل، التحفيز، الشراكات الفعالة، القدرة على استقطاب متطوعين كلما دعت الحاجة، اكتساب صفة قانونية، و غيرها الكثير.

دمتم بخير.

الأحد، 12 فبراير 2012

عشرة عوامل تعيق استيعابنا السياسي



التغيرات الدراماتيكية التي شهدتها الساحة العربية مؤخراً لم تقف عند حدود إسقاط أنظمة حكم  أو زلزلة عروش بعض الطغاة، بل رافقها و تبعها هزة في العقول، و انتفاضة في الوعي العربي العام، و ظهور اهتمام شعبي غير مسبوق بمجريات الساعة على كافة المستويات السياسية و الاقتصادية و الفكرية.

المراقب لمواقع التواصل الاجتماعي و منتديات الحوار و ساحات الدردشة يلمس انخراط أعداد كبيرة من عوام الناس و خواصهم من شتى الأعمار، و كافة الطبقات، و مختلف التوجهات و الخلفيات في متابعة الشأن السياسي، و التفاعل مع الأحداث و التعليق عليها لحظة بلحظة، و التعبير عن الرأي تجاه كل مستجد و تجاه كل واقعة.

و الذي لاحظته من خلال متابعتي لهذا السيل الدافق من الآراء و التعليقات و التصورات التي امتلأ بها الفضاء الالكتروني هو أن الكثير منا - و لا أستثني نفسي إطلاقاً - نخفق في كثير من الأحيان في استيعاب حقيقة الواقع و نفشل في إدراك الصورة الكلية للمشهد السياسي بكل تفاصيله الفسيفسائية.

و بعد تأمل و تدبر و تفكير في أسباب و أبعاد هذا الإخفاق خرجت بعشارية أظنها تلخص معظم معوقات استيعابنا لمجريات الحدث السياسي و ما يترتب على هذا الإخفاق من تبني لآراءٍ خاطئة، أو التأثر السريع بتزييفات الإعلام و تلفيقاته، أو التحمس المبالغ فيه لبعض الخطب الرنانة و الكلمات الحماسية، أو النظرة المتشككة و المصحوبة بسوء الظن تجاه مواقف سياسية نعجز أحياناً عن فهم دوافعها و مبرراتها.

في هذا المقال أسرد النقاط العشرة مع تعليق مختصر على كل منها، و أترك التفصيل لاستيعاب القارئ و عقله الذكي، و قد أعود في المستقبل لأكتب و أعلق بالتفصيل على بعض النقاط و أعززها بالأمثلة في تدوينات مستقبلية إن أتيحت الفرصة لذلك.

معوقات الاستيعاب العشرة:

أولاً: عدم وضوح الأهداف

الكثير منا يتابع الشأن السياسي دون أن تتضح في ذهنه الأهداف الكلية للعمل السياسي في ضوء معطيات الزمان و المكان و ضرورات المرحلة، و لذلك تجده كثير التردد، دائم التخبط، سريع التقلب في الرأي، ضعيف الثقة بنفسه و بالآخرين. و لو نظرت  إلى مواقفه السياسية و تعليقاته على الأحداث نظرةً شمولية لوجدتها متناقضة و عشوائية،  لا منطق واضح يحكمها و لا سياق محدد يمكن وضعها فيه. و كذلك تجده يتسجيب لأي دعوة حماسية و أي رأي طالما أن صوته عالٍ دون أن يعطي نفسه الفرصة لاستحضار الهدف و التأكد من أن السلوك السياسي الذي هو بصدد فعله أو تبنيه أو تأييده متسق و متفق مع الهدف!


ثانياً: الخلط بين الوسائل و الأهداف

و هو من نتائج ضبابية الهدف.  إذ تجد الكثير من الناس يخفقون في التفريق بين الهدف المراد تحقيقه و بين مجموع الوسائل المؤدية إلى الهدف. بل كثير منهم تنقلب عندهم الوسائل إلى أهداف،  و بعد أن كانت الوسائل عامل متغير يتغير وفق تقديرات الظروف و موازنات المصالح و المفاسد فإذا بها أصبحت ثوابت لا تتغير ولا تتبدل!   بل في كثير من الحالات يصل الأمر إلى أن تصبح مجرد مناقشة الوسيلة أو طرح بديل عنها تهمة و شبهة يتلقى صاحبها كيل من الشتائم القاذعة و اتهامات التخوين و التآمر!

ثالثاً: الفشل في ترتيب الأولويات

التعرف على الأهداف و القدرة على تمييزها عن الوسائل لا يكفي لبناء فكر قويم أو اتخاذ موقف سياسي سليم،  إذ لابد أن تقترن الأهداف و الوسائل بسلم أولويات يتم التفريق فيه بين الهدف الاستراتيجي و الهدف المرحلي، و بين الهدف المهم و الهدف الأقل أهمية، و بين الهدف القابل للتحقيق و ذلك بعيد المنال. و كذلك التفريق بين الوسيلة الناجعة و الأنجع، و بين الوسيلة المكلفة و الأخرى الأقل كلفة، و هكذا...

القدرة على استيعاب و فهم الأولويات من المهارات الأساسية للإدراك السياسي السليم. 


رابعاً: الإخفاق في فهم الموازنات

معظم الأمور التي تعرض لرجل السياسة يصعب اتخاذ قرار بشأنها تتحقق به كل المنافع و تجتنب فيه كل المفاسد، و لذلك يجد رجال السياسة أنفسهم في كل مرة مضطرين إلى موازنة المصالح و المفاسد المترتبة على كل قرار، و هنا تأتي القواعد الأصولية المنطقية لتساعد في الحسم:  فدفع المفسدة أولى من تحقيق المصلحة، و من الممكن الرضى بالمفسدة الأقل إذا كان قبولها يدفع مفسدة أكبر، و قد نقبل بتضييع المنفعة الصغيرة إذا كان تضييعها يتيح المجال لتحقيق منفعة أكبر، و هكذا...

كثير من ارتباكات الناس في فهم السلوك السياسي للعديد من التيارات و الشخصيات السياسية يعود إلى الإخفاق في فهم معادلة الموازنة هذه.

خامساً: عقلية البعد الواحد

و من العوامل الخطيرة التي تحد من استيعابنا السياسي كذلك سيطرة عقلية البعد الواحد و السبب الواحد و العامل الواحد على تفكيرنا كل ما عرضت لنا مسألة من المسائل.  

كثير من الناس يعجز عن ملاحظة و إدارك و فهم كافة أبعاد المسألة السياسية محل النظر، فتجده يمسك بأحد أبعاد القضية أو أحد العوامل المؤثرة فيها و يتوقف عنده لا يجاوزه، و لذلك تجده يبني أحكامه على إدراك منقوص و فهم مجتزأ للمشكلة.

سادساً: النظرة السطحية للأحداث

كثير من الناس يتناول الموضوعات الكبيرة و الأحداث الجليلية تناولاً سطحياً غريباً،  فتجده يحكم على ظاهر المسألة - أو بعض ظاهرها حتى - دون أن يتعمق فيها، و دون أن يحاول التعرف على كافة جوانبها الظاهرة و الخفية، و دون أن يضعها في سياقها الزمني، أو أن يدرس العلاقة بينها و بين المسائل الأخرى المزامنة لها، و دون أن ينتبه إلى كافة العوامل المتداخلة المؤثرة في عموم المشهد و الحاكمة له.

سابعاً:  قصر النظر و ضيق الأفق

قِصَر النظر السياسي من أكبر المشاكل، فما أكثر أؤلئك الذين لا تتجاوز رؤيتهم السياسية حدود ما تحت أقدامهم، فهم لا يعون إلا الساعة التي هم فيها، و يتخذون قرارات اللحظة الآنيِّة دون مبالاة باللحظة الآتية، و دون استشراف للمستقبل، و دون محاولة توقع تبعات  و نتائج الخيارات المختلفة و مآلات مسارات التحرك السياسي.

ثامناً: التعصب بنوعيه

و التعصب نوعان، "تعصب مع" و "تعصب ضد"، فهناك من يتعصب لطرف معين فيرى كل أفعاله صائبة حتى و إن كان العور فيها ظاهر و الغلط فيها جلي. و هناك من يتعصب ضد طرف آخر فلا يرى له حسنة، و لا يقبل منه أي موقف، و ينظر إليه بعين الشك و الريبة، و يرفض الحق إن أتى به فقط لأنه جاء منه.

"المتعصب مع" و "المتعصب ضد" كلاهما كالذي على عقله و قلبه غشاوة أو كالذي يلبس نظارة متلونة بلون من يتعصب له أو بلون مضاد لمن يتعصب ضده، و هذا بلا شك لا يرى الكثير من تفاصيل المشهد و يفوته الكثير من الفهم فيقع في الخطأ.

تاسعاً: عدم الاستناد إلى معطيات كافية

الكثير منا يصدر أحكاماً سياسية و يتخذ مواقفَ و يبني تصوراتٍ دون أن ينتبه أنه لا يمتلك كافة المعطيات و المعلومات الحاكمة للقرار.

القرار السياسي السليم ينبني على معطيات مفصلة و معلومات واضحة، و ليس على تصورات أو اعتقادات أو فرقعات إعلامية أو ظنون أو عواطف صرفة أو ردات أفعال أو ما شابه ذلك.

كثير من الناس يسمع خبراً في التلفاز عن أحد المواقف أو الخطوات السياسية فيسارع إلى التعليق  إما مؤيداً أو رافضاً بثقة تامة و أسلوب قاطع و كأنه ألم بتفاصيل المسألة جمعاء و اجتمعت لديه كافة المعطيات و المعلومات التي تؤهله للجزم بصحة رأيه.  لا بأس أن يعبر الإنسان عن رأيه في ضوء ما لديه من معطيات و لكن لا يحق له الجزم إلا إذا اقترن جزمه بمعلومات و معطيات مساندة كافية.

عاشراً: احتكار الحق


عندما يتبنى أحدنا رأياً من الآراء فمن الطبيعي أن يعتقد أنه على حق، و لكن ما هو غير طبيعي و ما هو غير صواب أن يعتقد أنه لا حق إلا ما يراه، و لا صواب إلا ما تبناه!

كثير من القضايا التي نواجهها اليوم لا مجال للقطع بما هو الصواب فيها، بل إن الحق و الصواب نفسه قد تكون له وجوه عديدة و من يرى أحد هذه الوجوه قد تغيب عنه وجوهٌ آخرى.

مشكلة الكثير من الناس أنهم يحتكرون الحق و الصواب، فرأيهم صواب لا يحتمل الخطأ و رأي غيرهم خطأ لا يحتمل الصواب، في حين أن معظم شؤون السياسة ليس فيها صواب مطلق و لا خطأ مطلق و إنما هي تسديدات و مقاربات و اجتهادات قد تصيب و قد تخطئ.


هذا و الله المستعان 

الثلاثاء، 6 ديسمبر 2011

تطبيق الشريعة شبهات و ردود: الإسلام و الحريات

الشبهة: التدين قضية شخصية  بين العبد و ربه و ليس من حق الدولة أو الحاكم التدخل فيها لفرضها أو منعها.

الرد:

قضية الحريات هي من أكثر القضايا التي يثيرها المُخَوِفون و المتخوفون من تطبيق الشريعة. فهم يرون و يروجون أن وجود إسلامين في الحكم سيفتح ملفات كلها تمس الحريات الشخصية للأفراد مثل الحجاب و الاختلاط و عمل المرأة و ما شابهها من الأمور.

و خلاصة ما ينادي به المتخوفون و الحريصون على صيانة الحريات هو ترك كل ما يتعلق بالدين بعيداً عن سلطان الدولة و عن تدخلها، و يقولون أن التدين و الالتزام بأحكام الشرع مسألة شخصية، و ليس من حق من يصل إلى الحكم حتى و لو جاء بالأغلبية أن يتدخل في قيم المجتمع أو ممارساته الاختيارية.

في اعتقادي أن هذا الكلام ليس صحيحاً على إطلاقه، بل هو بحاجة إلى تفصيل حتى تتضح المسألة و تزول الشبهة. و اسمحوا لي أن أقرر بعض الحقائق أولاً:

1- الحقيقة الأولى:  حريات الأفراد غير مطلقة
اتفقت كل التجمعات البشرية على مر العصور و حتى لحظتنا الحالية على أن حريات الأفراد ليست مطلقة، و كل دول و حكومات العالم قائمة أساسأ على هذا المبدأ، فالوظيفة الأساسية للحكومات هي تطبيق "القانون"، و القانون ما هو إلا مجموعة من النصوص التي تقيد و تضبط حريات الأفراد و تنظمها.


فالقانون الذي يمنع السيارات من السير في الاتجاهين في شارع ذي اتجاه واحد يقيد حرية السائقين، و القانون الذي يقضي بملاحقة و سجن متعاطي المخدرات يقيد من حرية من يحب مغيبات العقل أو أدمنها، و قوانين التنظيم الذي تحدد ارتفاع المباني في بعض الأحياء تقيد من حرية صاحب الأرض الذي يرغب في التطاول في بنيانه ...  إلى آخره من القوانين.   


و بالتالي فإن وظيفة أي حكومة في العالم هي تقنين و تنظيم و ضبط ممارسة الناس لحرياتهم!


2- الحقيقة الثانية: القيم و الأعراف تقيد الحريات
على الرغم من أن كل التجمعات البشرية في العالم و كل الدول بلا استثناء اتفقت على مبدأ عدم إطلاق الحريات، إلا أنها اختلفت فيما بينها اختلافاً كبيراً فيما ينبغي تقييده و ما ينبغي إطلاقه من الحريات، و لهذا تجد أن لكل دولة من دول العالم، بل أحياناً لكل محافظة أو مقاطعة من مقاطعات بعض الدول قانوناً مختلفاً.  و يرجع اختلاف القوانين إلى حقيقة مهمة، و هي أن القوانين تأتي انعكاساً لمجموع القيم و الأعراف و الموروثات الثقافية للشعوب.  


كل مجتمع من المجتمعات يتوافق أفراده على مجموعة من القيم و الأعراف، ثم تتم ترجمتها في صورة قوانين تقيد حريات الناس حتى يصان المجتمع بمنع خروج أفراده عن حدود تلك القيم.  


و لا توجد حدود واحدة ثابتة للحريات متفق عليها في كل العالم، و إنما تتفاوت البلدان فيما بينها في ذلك تفاوتاً كبيراً، و لذلك :


*  تجد مثلاً أن الدعارة (البغاء) قانونية في أغلب أوروبا و لكنها ممنوعة بنص القانون في أمريكا و كندا و الصين. (1)
* و تجد أن زواج الأمثال مسموح في قوانين بعض البلدان و ممنوع في بلدان أخرى. (2)
* و تجد أن تداول المواد الإباحية عبر الإنترنت غير مقيد في دول كثيرة من العالم، إلا أن الصين مثلاً تقوم بفلترة الإنترنت و تنقيتها و حجب المواقع الإبحاية، و تعاقب من يتعمد زيارتها. (3)
* و تجد أن قانون بعض الدول الأوروبية مثل أسبانيا و إيطاليا يجيز أن تعري المرأة صدرها في الأماكن العامة كالشواطئ، في حين أن هذا ممنوعاً في دول مثل أغلب ولايات أمريكا و كندا.
* و تجد أن قتح صلات القمار ممنوع في "اسرائيل" لأسباب دينية، في حين أن لاس فيجاس في أمريكا من عواصم القمار في العالم. (4)
* و تجد في  "اسرائيل" كذلك تضييقاً على تربية و تداول لحم الخنزير، و جدلاً كبيراً حول المسألة تمت مناقشته عدة مرات في الكنيست! و السبب في ذلك أن الخنزير محرم في الديانة اليهودية! (5)
* و تجد أن بلداً مثل الهند يمنع قانون معظم ولاياته ذبح الأبقار لأسباب "اعتقادية"، و قد تأكدت من هذه المعلومة بنفسي من أحد زملائي الهنود.(6)
* و قد رأيت بأم عيني يافطات منع شرب الخمر (بالقانون) في المتنزه المجاور للنهر الذي يمر في مدينة ديترويت، و في جزيرة بيلي الواقعة على الحدود الأمريكية الكندية (و كلاهما في ولاية ميشيجان الأمريكية)،  و على بعض شواطئ مدينة سانتاكروز المطلة على ساحل المحيط الهادي في ولاية كاليفورنيا الأمريكية.
* و غيرها الكثير ...

الذي أردته من خلال هذه الأمثلة هو أن أبين كيف أن حكومات العالم كلها تمارس واجبها في تقييد الحريات باستخدام القانون و انطلاقاً من معتقدات دينية أو قيم مجتمعية أو ثقافات متوارثة.  و لا أظن أن أحداً يقول أن هذا تدخل سافر من الدولة أو أنه ليس لها بحق.


كل الدول التي أوردتها في الأمثلة السابقة هي دول ديموقراطية و تقوم على تداول السلطة، و يقوم بإدارة الدولة الأغلبية التي ينتخبها الشعب، و تمارس صلاحياتها في سن التشريعات و القوانين التي كلها تمس الحريات بطبيعة الحال.  و في البرامج الانتخابية للأحزاب كثيراً ما تجد بنوداً تتعلق برغبة الحزب المتنافس على السلطة في تقييد إحدى الحريات أو إطلاق حريات أخرى. فعلى سبيل المثال في الانتخابات الأمريكية الأخيرة كان برنامج الحزب الجمهوري المحافظ يتضمن بنوداً تنادي بسن تشريعات تحظر الإجهاض و تمنع زواج المثليين. (7)

3- الحقيقة الثالثة: الإسلام عبادات و معاملات
ليس صحيحاً بالمرة أن الإسلام دين عبادات فقط خاصة بين العبد و ربه، بل هو دين معاملات أيضاً ينظم علاقات الناس بعضهم ببعض و فيه نظام ضابط لتفاصيل كثيرة في حياة الناس، و لهذا تجد أن أكثر كتب الفقه تنقسم إلى بابين رئيسيين و هما باب العبادات (كالطهارة و الصلاة و الصيام .. إلخ)  و باب المعاملات (كالبيع و الشراء و الصناعات ووجوه الكسب و الولاء و البراء ...  غيرها)، و أظن أن الجميع يعرف أن الفقه الإسلامي المستنبط من مصادر التشريع (القرآن و السنة) قد تضمن إلى جانب العبادات قضايا كثيرة مثل:
- فقه البيع و الشراء...  فحرم بيع الغرر مثلاً
- و فقه المعاملات المالية ... و يندرج تحتها تحريم الربا
- و فقه الأحوال الشخصية كالزواج و الطلاق و المواريث و غيرها من الأمور المعروفة
- و فقه غير المسلمين
- و فقه العلاقات الدولية 
- و فقه الحاكم و المحكوم 
- و غيرها الكثير ...


و كل هذه الأمور وردت  في القرآن و السنة في صورة أوامر و نواهي  (أي تشريعات و قوانين)


و عليه فبإمكاننا أن نقول أن الفقه الإسلامي قد تدخل في أغلب جوانب الحياة،  و لكن دعونا للتبسيط نعود إلى التصنيف الأصلي فنقول أن كل الأوامر و النواهي جاءت إما في شئون عبادية أو في شئون معاملاتية أو في شئون تحمل الوجهين معاً.


و من أمثلة الأمور التعبدية المحضة الصيام و المداومة على الصلاة و الحج .. إلخ  من العبادات التي تقتصر فيها العلاقة على ما هو بين العبد و ربه (و إن كان لها انعكاساً أخلاقياً على سلوك الإنسان في المجتمع) ، و هذا النوع من العبادات اختص الله بمراقبته و محاسبة المقصر فيه.


أما من أمثلة شئون المعاملات المحضة فمسألة البيوع مثلاً، فالبيع و الشراء ما هما إلا أمثلة علاقات تبادلية تجري بين الناس.


و من أمثلة الشئون التي يتجلى فيها كلا الوجهين من عبادة و معاملة: الزكاة، فهي عبادة للمتزكي، و هي في ذات الوقت حق للفقير.


و النوعين الأخيرين يقعان في حدود واجبات الدولة و صلاحيات تدخلها، و ذلك لتعلقهما بشئون المجتمع والعلاقات المتبادلة بين أفراده.


الحقيقة الرابعة: الالتزام بأحكام الشريعة واجب إلزامي و ليس اختيار
من القواعد الأصولية الثابتة في الفقه الإسلامي أن كل أمر أو نهي ورد في القرآن و السنة الأصل فيه الوجوب و الإلزام للفرد و "للمجتمع" المسلم، إلا ما وردت قرينة صحيحة صريحة في الكتاب أو السنة تنقله من الوجوب إلى معنىً آخر.

و بالتالي فإن كل ما ثبت وجوبه فهو ملزم للمسلمين، و لا مجال لمؤمن أن تكون له الخيرة فيما أوجبه الله :  "
 وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" - (الأحزاب: 36)

الحقيقة الخامسة: الشريعة أنزلت ليحتكم الناس إليها
* يقول الله تعالي: "و من لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الفاسقون" - (المائدة: 47).

* و يقول تعالي : "وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون" (المائدة: 49)


* و يقول تعالي: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما" (النساء: 105)

* و يقول تعالي: "فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت و يسلموا تسليماً" (النساء: 65)

* و يقول تعالي: " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منهم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون "(البقرة : 85) .

 هذه الآيات و غيرها تتجلى فيها بوضوح تام ثلاثة حقائق مهمة:

 الحقيقة الأولى هي أن الله عز و جل قد أنزل للناس شريعة ليتحاكموا إليها فيما بينهم في معاملاتهم و علاقاتهم و أنه لم يترك الأمر لاختياراتهم و أهوائهم.  و الحقيقة الثانية هي أن من واجب كل مؤمن أن يلتزم بكل ما جاء في هذه الشريعة. و الحقيقة الثالثة أن من واجب الحاكم أن يحكم الناس وفق هذه الشريعة.

الحقيقة السادسة: مساحات الحرية في الإسلامة واسعة
في الإسلام الأصل في الأمور الحل و الإباحة، و التحريم استثناء، وما هو مقطوع بحرمته في الإسلام قليل و محصور جداً و أغلبه مما لا يختلف عليه شخصان كلاهما عاقل!  فمثلاً:


* السرقة و القتل و القذف و الحرابة كلها أمور أجمع العالم بأسره على رفضها.
* الربا يشاهد العالم في كل يوم ضرره و خطره
* الخمر و مضيعات العقل كالمخدرات أجمع العالم كله على خبثها
* الزنا أجمعت الفطر السليمة كلها على النفور منه 
* التحرش و إيذاء النساء أجمعت قوانين الأرض على تجريمه


و عليه فالحريات التي يقيدها الإسلام ليست مبتدعة أو غريبة عن فطر البشر و لا عن قوانين الدنيا ... و ما جاءت أوامر الشريعة لتقيد حرية الفرد إلا لتحمي و تصون المجتمع.


الحقيقة السابعة: بين التشريع و التطبيق
هناك فرق بين التشريع و بين التطبيق...  فالتشريع تم و ثبت و لا مجال لتغييره  "اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي، و رضيت لكم الإسلام دينا" (المائدة: 3).  و باتمام الشريعة فهي تصبح ملزمة و لا مجال لتجاوزها.


أما التطبيق فيقصد به بذل كل الوسع لتطبيق أحكام الشريعة و الالتزام بها على مستوى الفرد و على مستوى المجتمع... و هذا واجب الفرد وواجب الحكومة معاً.


و لكن من روعة الإسلام أنه دينٌ واقعي و منطقي،  فالإسلام يراعي أن العجز عن تطبيق بعض أحكام الشريعة وارد، و هنا جاءت بعض المنافذ لتسعف الإنسان و المجتمع من الوقوع في الحرج عند العجز... و لكنها منافذ مضبوطة تقود إليها الحاجة و الضرورة و ليس الهوى و الرأي.


و من هذه المنافذ حد الاستطاعة "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" (البقرة: 286)،  "فاتقوا الله ما استطعتم" (التغابن: 16)، و من هذه المنافذ أيضاً  القاعدة الفقهية : الضرورات تبيح المحظورات، و منها القاعدة الأخرى: "دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة"


الخلاصة
* الأصل في أي بلد إسلامي يريد أن يعبد الله حق عبادته أن أحكام الشريعة هي مرجعية ضابطة للقوانين، ولا يجوز للدولة أن تسن تشريعات تخالف أحكام الشريعة الثابتة و المتفق عليها،  أما أي قانون من شئون الدنيا لا يخالف نصوص الشريعة الثابتة المتفق عليها فهو جائز بل و مرحب به في الإسلام لقول النبي صلى الله عليه و سلم :"أنتم أعلم بشئون دنياكم".


* اختيار الشعوب الإسلامية لقوانين و تشريعات مستمدة من الشريعة تتقيد  في ضوئها بعض حريات الناس التي تضر و تؤذي عموم المجتمع ليس بدعة بل هو موجود في كل العالم و هو أمر بدهي و لا يتعارض مطلقاً مع صيانة الحريات.


* من واجب  الحاكم في مجتمع إسلامي أن يسعى قدر استطاعته و بقدر طاقة تحمل و تقبل المجتمع إلى تطبيق أحكام الشريعة في الشؤون العامة ( أي ما يمس حقوق المجتمع، و ليس العبادات الشخصية المحضة كالصيام مثلاً) و لو بالتدريج.


* المسلم الساعي إلى تطبيق الشريعة بعد أن غابت من حياة الناس دهراً طويلاً  إذا ما كان لديه الفهم و العقل سيدرك الفرق بين التشريع و التطبيق و يفقه  أن الشروع في تطبيق أحكام الشريعة كفرض الحجاب مثلاً أو مجابهة بعض المحرمات المتفشية في المجتمع قد يفوق الطاقة و الوسع و ربما أدى إلى مفسدة أعظم، كما قال عمر بن عبد العزيز في أول حكمه "إنى أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعوه جملة ويكون من ذا فتنة" (٨) (٩)(١٠)



(1) دعارة حسب البلد: وكيبيديا الموسوعة الحرة
(2) الزواج المثلي: ويكيبيديا الموسوعة الحرة
(3) الصين تحجب المواقع الإباحية: الجزيرة
(4) القمار في الديانات: ويكيبيديا
(5) الخنزير: ويكيبيديا
(6) ذبح البقر في الهند: ويكيبيديا
(7) الإجهاض و الزواج في برنامج الحزب الجمهوري: ويكيبيديا
(٨) أورده الشاطبي في الموافقات .. ثم قال معقلاً: (وهذا معنى صحيح معتبر فى الاستقراء العادى)
(٩) انظر كدلك في كتاب "فتاوى معاصرة" ليوسف القرضاوي
(١٠) أنظر إلى كتاب "التدرج في تطبيق الشريعة الإسلامية "  للدكتور د. محمد عبد الغفار الشريف

شكر: أتوجه بالشكر إلى الأخ خالد لمساعدته لي قي تنقيح التدوينة، فجزاه الله كل خير.

الأحد، 4 ديسمبر 2011

تطبيق الشريعة: شبهات و ردود



لم أكن أود أن أكتب حول هذا الموضوع في هذا الوقت بالتحديد، و كنت أفضل أن يركز الجميع على هدف انتقال البلاد الثائرة إلى حالة الاستقرار و دوران عجلة تداول السلطة، و قطع الطريق على كل من يحاول أن يخطف الحلم و يعرقل التغيير و يشوه الصورة.

و كنت أتمنى أن نركز جميعاً في هذا الوقت الدقيق على الحد الأدنى المتفق عليه من برامج الانقاذ التنموي و الاقتصادي و الثقافي، كنت أتمنى أن يحدث هذا  قبل أن نبدأ نحقق في مواطن الاختلاف، و نفصل في مواضع الخلاف. و السبب في ذلك أن مهمة رجل المطافئ و رجل الإسعاف تسبق مهمة المحقق و القاضي، و إنقاذ المصاب النازف يتقدم في الأولوية على ما سواه.

إلا أن فضاء الإعلام المقروء و المسموع و المرئي و الالكتروني لم ينفك تثور فيه قضية تحكيم الشريعة، لاسيما في ظل قوة المؤشرات التي تنبئ بصعود بارز للتيارات الإسلامية في الدول العربية التي تشهد ثورات أو محاولات إصلاحية جادة.

و إذا تجاوزنا بعض من يتعمدون إثارة المسألة بنوايا سيئة تهدف إلى التخويف و التشويه من خلال التلفيق و التشهير و إثارة الشبهات - إذا تجاوزنا هؤلاء فإننا نجد أن الموضوع بطبيعته قد فرض نفسه على الساحة و أضحى حديث الساعة، و أصبح الكل يتساءل حول شكل الدولة، و مصير الحريات، و مستقبل تداول السلطة، إلى آخره من الأمور.

و هذه كلها تساؤلات مشروعة يحق للناس أن يطرحوها أمام كل فكر و أمام كل برنامج، و إن كنت أزعم أن كل التساؤلات التي تثار أمام المنهج الإسلامي و موضوع تطبيق الشريعة كان من الممكن أن تكون الأسهل إجابة، و أن تكون إجاباتها الأسرع  نفاذاً إلى قلوب الناس ... لولا تدخل الإعلام الذي يجيد فن التحريش، و لولا ذلك الميراث الثقيل الذي خلفته أنظمة الجور و الظلم و الفساد التي أفسدت الذوق، و حرفت الفكر، و شوهت القيم، و قلبت المعايير، و أثارت الشبهات، و عممت البلاء!

و لا بد أن أعترف هنا أن الخطاب التميعي لبعض الإسلاميين، و الخطاب شديد اللهجة و المتسرع من قبل إسلاميين آخرين، قد ساهم إما في إشاعة فهم خاطئ في الحالة الأولى أو قلق زائد في الحالة الثانية.

و مما زاد الطين بلة أن تطبيق الشريعة أصبح موضوعاً للرأي الشخصي المطلق والتصورات الذاتية للأفراد، كمن يعطي رأيه في شكل ثوب أو طعم طبق أو مذاق مشروب جديد!  و تناسى الجميع أن الأمر يحتاج إلى دراسة و تخصص،  تماما كمن يقدم مقترحات لإصلاح طائرة معطوبة أو جهاز إلكتروني مُعطَّل و هو ليس بمتخصص، و لم يكلف نفسه حتى أن ينظر في دليل صيانة الطائرة أو دليل تشغيل الجهاز!

أصبح الكثيرون يطرحون آراءً في تطبيق الشريعة و يقترحون خططأ و برامج دون حتى أن يكلفوا أنفسهم أن يتعرفوا على الشريعة و مضامينها و مراميها، و دون أن يطلعوا على بيان أحكامها المرغوب تطبيقها، و لا على آليات التطبيق التي بينتها و حددتها الشريعة ذاتها، أو الآليات التي تركها الشارع مفتوحة للاجتهاد و الرأي و المشورة وفق شروط و ضوابط.

و هذا الداء أصاب كثيراً من عوام الأفراد، و أصاب بعضاً من خاصتهم، ممن يتصدرون للإعلام بصفاتهم الثقافية أو الفكرية أو السياسية،   و حتى بعض من يتحدث باسم الإسلام و باسم الشريعة.

فلما كان الحال هكذا رأيت أن أكتب حول المسألة... ليس لأفتي فيها أو أقدم اجتهاداً جديداً، فليست هذه صنعتي و لا مجال تخصصي، وليس لدي من الزاد ما يكفيني لاقتحام هذا الطريق ...  إلا أنني وجدت أن كثيراً من المسائل التي تثار ما هي إلا شبهات سهلة الرد،  أجوبتها إما صريحة في نصوص الوحيين (الكتاب و السنة)، أو شاخصة في الواقع المشاهد، أو نابعة تلقائياً من المنطق المنضبط.

حول هذه الشبهات سوف أكتب، و جهدي لن يعدو تجميع و تنظيم خلاصات ما سمعته و قرأته و استنتجته من خلال متابعة و قراءة و مطالعة و بحث سابق في المسألة.  

و لا أدعي الصوابية المطلقة لما سأقول ... فإن أصبت فمن توفيق الله، و إن أخطأت فمن نفسي و من الشيطان.

و لطول الموضوع و عدم كفاية الاختصار فيه فسوف أكتب في حلقات كلما أسعفني الوقت ... و في كل حلقة أتناول مسألة من المسائل أو شبهة من الشبهات .... و من الأسئلة أو الشبهات التي سأتطرق إليها:

  • شبهة: التدين قضية شخصية  بين العبد و ربه و ليس من حق الدولة أو الحاكم التدخل فيها لفرضها أو منعها.
  • شبهة: يجب أن لا يتم إقحام الدين الطاهر المقدس في العمل السياسي و شئون الحكم تنزيهاً له و حفظاً له من التدنيس، و حتى لا يصبح محل جدل و خلاف بين الناس.
  • شبهة: الخلافات الفقهية كثيرة، و كثيرمن المسائل الشرعية فيها آراء متعددة و متباينة. هذا يجعل اتفاق الناس على تطبيق أحكام الشريعة أمراً صعباً أو مستحيلاً.
  • شبهة: فرض أحكام الشريعة على الناس يؤدي إلى نتائج عكسية، و يؤدي إلى رفض الدين و مقاومته لا إلى تبنيه.
  • شبهة: العمل بأحكام الشريعة يتناقض مع أهم مبادئ الدولة الحديثة التي تقوم على المواطنة و المساواة بين المواطنين على اختلاف دياناتهم في الحقوق و الواجبات.
  • شبهة إدا طبقنا الشريعة فسوف يقاطعنا العالم، و نخسر علاقاتنا الدولية لاسيما مع الغرب.
  • شبهة: إن كنا نقبل بتطبيق أحكام الشريعة على المسلمين، فما مصير الأقليات غير المسلمة؟
  • شبهة: العديد من أحكام الشريعة و الحدود كالجلد و قطع اليد و غيرها تتناقض مع حقوق الإنسان، و من غير الممكن عملياً تطبيقها في هذا الزمان.
  • تساؤل: ما الذي يحول بيننا و بين تقبل أو تصور إمكانية تطبيق أحكام و حدود الشرع؟
  • شبهة: إذا حكم أحد باسم الإسلام فإنه سيحتكر فهم الإسلام و لن يستطيع أحد نقده أو  محاسبته.
  • و غيرها الكثير من النقاط ...
و سأجتهد أثناء الكتابة أن أشير إلى المراجع و أن أوثق كل نقل ما استطعت إلى ذلك سبيلاً ... و الله المستعان.

الأحد، 27 نوفمبر 2011

إصلاح ... لا مصالحة!

منذ عدة سنوات و الواقع الفلسطيني يشهد تراجعاً مستمراً على كافة الصعد السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية. 

يعزو الكثيرون هذا التردي إلى الانقسام الجيوسياسي بين الضفة وغزة أو بين فتح و حماس.

و الحقيقة -من وجهة نظري- أن هذا غير صحيح، فحالة التراجع سبقت الانقسام و استمرت بعده، و ما جاء الانقسام في المنتصف إلا كأحد صور و تجليات حالة التردي.

الاعتقاد بأن المصالحة السياسية بين فتح و حماس هي وحدها الكفيلة بإيقاف النزيف و إسعاف الواقع المزري، هو اعتقاد خاطئ.

يؤسفني أن أقول أننا قد أضعنا وقتاً طويلاً في انتظار المصالحة، و علقنا آمالاً كثيرة و عريضة و طويلة على كل اجتماع أو مبادرة أو ورقة تفاهمات تساهم في تقريب المسافة بين الطرفين. كل هذه الآمال كان منطلقها اعتقاد البعض أن الانقسام هو المشكلة و أن المصالحة هي العصا السحرية التي ستقلب الواقع و تغير اتجاه المنحى من هبوط إلى صعود.

الذي أراه أن الحالة الفلسطينية بحاجة إلى "إصلاح"  و ليس إلى "مصالحة". و السبب في هذا شديد البداهة و الوضوح، ذلك أنه في حال وجود خلل أو مرض فإن الحل الأمثل هو في إصلاح الخلل و علاج المرض،  و ليس في التوافق أو التصالح على كيفة التعايش مع الخلل أو التأقلم مع المرض!

"الإصلاح" يعني فعل ما هو صواب رضي من رضي و غضب من غضب..  في حين أن "المصالحة" تعني تقريب وجهات النظر و طرح مساومات و تقديم التنازلات (حتى عن بعض ما هو صواب ربما!)

الخطأ الذي وقعنا فيه هو أننا جلسنا في بيوتنا ننتظر "التصالح" ... مغفلين أن المطلب الجوهري للشعب و الجمهور هو "الإصلاح"، بغض النظر عن اتفاق الأطراف أو اختلافها!

بوقوعنا في هذا الخطأ أصبح مستقبل الوطن و حقوق المواطن و تصورات الشعب في كيفية إدارة بلده .. كلها أصبحت ملفات على طاولة التفاوض الفصائلي، و محل مساومة و أخذ و رد، و عرضة لضغوط خارجية و داخلية، و رهينة لمصالح دولية و إقليمية.

الحراك الشبابي الذي شهدناه في الشارع الفلسطيني خلال العام المنصرم - و إن كان إيجابياً من حيث أنه طمأننا أن صوت الشعب مازال حاضراً - إلا أنه للأسف أخفق في فهم المعادلة، ووقع في نفس الخطأ و من هنا كان الفشل السريع.

إنه من الغريب و من المدهش و من المحزن أن تظل مطالب أساسية كإصلاح منظمة التحرير، و إصلاح الأجهزة الأمنية، و إعادة النظر في المسار السياسي و غيرها مقترنة بملف المصالحة و مطروحة للتفاوض و التداول و التنازل، و مرهونة بالتزام الأطراف، و تحتاج إلى بناء ثقة و مقدمات و مؤخرات.. إلخ ...إلخ ....  في حين أنه لا يختلف عاقلان على أنها من الضرورات الأساسية لمعالجة الخلل، و أن التأخر في تحقيق هذه الإصلاحات الضرورية و الرئيسية هو رأس الخلل و أس الداء و أساس البلاء... و هو من الأسباب الرئيسية التي قادت إلى الإنقسام!

من المؤسف أن هذه الملفات الجوهرية أصبحت محل للاستقطاب الحزبي و التناقر الفصائلي!

الوصول إلى اتفاق مصالحة - إن تم - أمر إيجابي بلا شك و خطوة على الطريق، و لكنه باعتقادي ليس ضرورياً حتى نتحرك نحن (أي الشعب) إلى الأمام... على الحراك الشبابي و الفعاليات الشعبية أن تفيق من سباتها و أن تنتبه إلى أهداف الشعب الكلية، و إلى متطلبات الإصلاح، فتنهض للمطالبة بها، و تنتزعها من مكانها الخاطئ في ملف التفاوض الفصائلي، لتنقلها إلى مكانها الصحيح في ملف الإرادة الشعبية!

لست ألوم طرفي الانقسام أحدهما أو كلاهما لتأخر المصالحة، و لكني ألوم أنفسنا لأننا اختلطت علينا الأمور فتواكلنا على "المصالحة"، و تقاعسنا عن واجب "الإصلاح".

السبت، 19 نوفمبر 2011

ثلاثة أشهر في الفيسبوك! - الحلقة السادسة



الصورة في الأعلى هي جزء من قائمة تضم أقوى 70 شخصية في العالم، و ذلك بحسب التصنيف السنوي لمجلة فوربس Forbes الشهيرة.

سوف أحدثكم في هذه الحلقة عن الشخصية رقم 9 في القائمة: مارك زكربيرج، مؤسس و مدير شركة الفيسبوك، الشاب الذي احتل مكانه في هذه القائمة الملغومة و عمره لم يتجاوز 27 عاماً، و هو حامل لقب "شخصية العام 2010" بحسب تصنيف مجلة التايمز، و هو الذي يحتل الآن الترتيب رقم 14 في قائمة أثرى أثرياء أمريكا، و الذي تمكن من بناء ثروة تقدر بـ 17.5 مليار دولار خلال 7 سنوات فقط، و هو من حصل الفيلم الذي يروي قصته مع الفيسبوك على ثلاثة جوائز أوسكار في العام المنصرم.

كنت أعرف كل هذه المعلومات عن مارك قبل أن ألتحق بالعمل في الفيسبوك، و كنت أعتقد أن شخص في مثل هذه المؤهلات سيكون بطبيعة الحال بعيداً عن الأنظار، و بعيداً عن زحمة العمل و تفاصيله اليومية، و يكتفي بتفويض المهام لمدراء أكفاء، كما هو الحال مع أغلب الأثرياء. كنت أجزم حينها أن المصادفة وحدها هي التي قد تسمح لي برؤيته فضلاً عن الاستماع إليه.

*****

في اليوم الأول الذي باشرت فيه العمل و تعرفت على الفريق الذي سأعمل معه و المكان الذي سأجلس فيه، و بعد ساعة أو أكثر بقليل من بداية العمل، خطرت ببالي فكرة ... تذكرت الصفحة الداخلية في موقع الفيسبوك التي لا يراها إلا الموظفون و التي فيها خريطة تفصيلية لمباني الشركة و طوابق كل مبنى، و التي تتيح  للموظفين إمكانية البحث عن معلومات أي موظف، و مكان جلوسه، و برنامجه اليومي.

و كنت قد استخدمت هذه الصفحة لأجد مكان جلوسي قبلها بساعة كما حدثتكم في حلقة سابقة... الفكرة التي خطرت ببالي هي أن أقوم بالبحث من خلال تلك الصفحة عن اسم مارك زكربيرج لأتعرف أين يقع المبنى أو الجناح أو المكتب الفاره المخصص له... و بالفعل قمت بإجراء بحث فظهرت النتائج ... نظرت إلى النتائج مندهشاً ... أعدت البحث مرةً أخرى لأتأكد من صحة النتائج، فإذا النتيجة نفسها هي هي ... و إذا بدهشتي تتضاعف.

الخريطة التي ظهرت تقول أن مارك زكربيرج يجلس في نفس المبنى، في نفس الطابق، في نفس المربع، و على مسافة قصيرة من مكان جلوسي!!  وقفت فوراً و مشيت بسرعة بضعة خطوات في اتجاه المكان المشار إليه في الخريطة و إذا بي أفاجأ بمارك في وجهي مباشرةً!



ليس لمارك غرفة خاصة به منعزلة عن بقية الموظفين، و ليس له سكرتارية خاصة أو إدارة مكتب، بل يجلس على أحد المكاتب العشوائية في ذلك البهو المفتوح مثله مثل بقية الموظفين، الشيء الوحيد المميز أن غرفة الاجتماعات القريبة من مكتبه هو أكثر الموظفين استخداماً لها نظراً لكثرة زوار الشركة، و هذه الغرفة بالتحديد دوناً عن كل غرف الاجتماعات الأخرى ذات جدران زجاجية بالكامل، بحيث يرى كل الموظفين كل ضيوف مارك و ما يدور في كافة اجتماعاته.

و ليس هناك مكان خاص لسيارة مارك في مرآب السيارات، و لا سائق يعمل تحت إمرته، و ليس لديه سيارة فارهة من تلك التي يمتلكها الأثرياء، و يسكن بالقرب من المبنى الذي يعمل فيه 1601، و يفضل المشي إليه كلما أتيحت له الفرصة.



و كان مواظباً على العمل، و لا يتغيب عن الشركة إلا إذا كان مسافراً أو في إجازة معلنة، كنت أراه في كل يوم يأتي مبكراً و يباشر بنفسه متابعة تفاصيل العمل، و تراه كثيراً ما يتحدث مع الموظفين و يستشيرهم في أمور العمل، و في وقت الطعام تراه في الكافتيريا واقفاً في الطابور ينتظر دوره.

و يمتلك مارك شخصية قيادية قوية، و لديه قدرة على التحفيز و صناعة الأجواء و ريادة الأفكار، استنتجت هذا منذ يوم الترحيب الأول، فقد لمحت من كلمات المتحدثين في ذلك اليوم إعجابهم جميعاً بمارك، و تأثرهم بشخصيته، و تمحورهم حوله، و ترديدهم و تأييدهم لعباراته و آرائه.

ثم تعزز هذا الانطباع لدي عن مارك عندما علمت أنه هو بنفسه من صاغ قيم الشركة و نشرها على جدران المباني: "كن شجاعاً" و "تحرك بسرعة" ... إلى آخره من الشعارات التحفيزية التي كانت تملأ جدران الشركة.



و من أهم القيم التي يسعى مارك إلى تعزيزها في الشركة: الشفافية، و حق المعرفة للجميع، و توسيع دائرة الشورى. فعلى خلاف كل الشركات الكبرى التي تحكمها قوانين صارمة تضبط تداول المعلومات عن منتجات الشركة و مشاريعها بين الموظفين و بين الأقسام المختلفة، فقد كان مارك يشدد باستمرار على أن كل موظف في الشركة من حقه أن يطلع على كل تفاصيل و أسرار العمل في الشركة.

و استجابة لهذه الرغبة فقد كانت الشركة تعقد بين الحين و الآخر لقاءً يسمي "All Hands" يدعى إليه كل الموظفين و حتى المتدربين، و يتم إطلاعهم جميعاً على كل المشاريع و المنتجات التي تعكف الشركة في كل أقسامها على تطويرها و طرحها في السوق مستقبلاً.

و فوق هذا كان مارك  يعقد بنفسه اجتماعاً عاماً كل يوم جمعة من كل أسبوع و دون انقطاع، يُدعى إلى هذا الاجتماع كل موظفي و متدربي الشركة الذين يراوح عددهم الثلاثة آلاف. في الجزء الأول من الاجتماع كان مارك يضع الجميع في صورة التطورات و الانجازات التي تمت خلال الأسبوع. في الجزء الثاني كان يفتح المجال للتعليقات و الأسئلة و الاقتراحات. و كان يحث الموظفين بشدة و بإلحاح على أن يسألوه أسئلة صعبة و محرجة، و أن يختلفوا معه في الرأي و ينتقدوا قراراته... و كان يتيح المجال كذلك لأسئلة مكتوبة على أوراق لمن لديه سؤال و لا يرغب بكشف شخصيته.

و خلال هذه الاجتماعات لم يكن يحتكر الكلام لنفسه، أو يدعي أنه قادر على الإجابة عن كل سؤال، بل كان كثيراً ما يتيح المجال للإجابة على السؤال لمدير القسم المختص أو الموظف المباشر المسؤول عن النقطة موضوع السؤال.


*****

في أحد الأيام في منتصف شهر يوليو أرسل مارك رسالة إلكترونية إلى كافة الموظفين، دعاهم فيها إلى اجتماع عاجل في منتصف بهو الطابق الثاني، تحت عبارة "Lock Down" المعلقة على حائط غرفة الاجتماعات القريبة من مكتبه، و بالفعل قمت و زملائي في الفريق و كافة الموظفين بالتحرك فوراً، و تجمع الجميع في المكان المحدد.

وقف مارك في منتصف الموظفين، و بدأ يتكلم بكلمات حماسية و تحفيزية، و صنع جواً نفسياً جياشاً هيأ فيه الموظفين إلى مضاعفة الجهد، و بذل الوسع، استعداداً لاكمال اللمسات الأخيرة على التعديلات و الخصائص الكثيرة التي أعلن عنها بنفسه في مؤتمر صحفي نهاية شهر سبمتمبر الماضي كخاصية خط الزمن Timeline و الشبكة المفتوحة Open Graph 2....

شخصية كارزمية قوية...  لديه قدرة على صنع الأجواء و شحذ الهمم.



في الوقت الذي كنت أعمل فيه في الفيسبوك قام مارك بشراء بيت جديد في مدينة Menlo Park الملاصقة لمدينة Palo Alto، و بيته الجديد بجوار المقر الجديد للشركة في المباني التي تم شراؤها من شركة Sun Microsystems و انتقلت إليها أغلب فرق العمل خلال الأشهر القليلة الماضية. 

و بهذه المناسبة وجه مارك دعوة إلى الطلبة المتدربين أمثالي لزيارته في بيته الجديد، و لم يتخلف عن تلبية الدعوة أحد.

كان اللقاء في حديقة المنزل، و هي حديقة صغيرة و متواضعة إلى حدٍ ما، فيها حمام سباحة متوسط الحجم، و شجرة نخل عالية و ورود و شجيرات متفرقة.  و أُعِد للضيوف بوفيه مفتوح فيه أطعمة مختلفة و مشروبات متنوعة.

في منتصف الزيارة تقريباً وقفت منفرداً بجانب المسبح و كنت أشرب مشروباً بارداً، فتقدم مارك نحوي، و ألقى علي التحية و صافحني و سألني عن اسمي و من أين أتيت و عن طبيعة عملي في الشركة، و أبدى اهتماماً بأنني فلسطيني الأصل.  ثم هنأته بالبيت الجديد فأخبرني أنه اختار هذا البيت لقربه من مقر الشركة الجديد، و قال ممازحاً أنه بيت متواضع بجانب بيوت أصحاب المليارات.

ثم سألني عن الأمور التي أعتقد أن أداء الشركة يحتاج فيها إلى تحسين أو تطوير، و هنا تجمع عدد من المدعوين الآخرين و تحولقوا حوله و دار نقاش شارك فيه الجميع حول نقاط الضعف، و طُرِحَت أفكار لمعالجتها و النهوض بالشركة. كان مارك يستمع للاقترحات باهتمام، و يرحب بالأفكار الجديدة، و يناقشها بجدية و حماسة.

****

ليس الهدف من هذه الحلقة هو كيل المدائح لمارك أو تنصيبه قدوة مطلقة بأي حال ... الذي أردت أن أقوله أن النجاح الباهر الذي حققه مارك على الصعيد المهني (بغض النظر عن جوانب حياته الأخرى)  لم يأت من فراغ، و إنما هو نتيجة ذوبان في العمل، و نشاط، و جد، و اجتهاد، و مثابرة، و حسن إدارة، و تفكير إبداعي، و مهارات في القيادة و إدارة الذات.  تذكروا جيداً أنه أسس الشركة و عمره لم يتجاوز حينها 20 عاماً!!  و الحكمة ضالة المؤمن.

****

في الحلقة القادمة -و الأخيرة- سوف أعرج على بعض الجوانب التقنية و الفنية المتعلقة بموقع الفيسبوك، الحلقة قد تكون جذابة بشكل خاص للمطورين و المتخصصين، و لكنها ستكون مفيدة و فيها معلومات مثيرة و مدهشة للجميع.

سوف أحدثكم عن الجزء الخفي من موقع الفيسبوك!  و عن غرف الحرب (War rooms) التي تتشكل داخل الشركة و علاقة ذلك بالموقع، و سوف أحدثكم عن أسلوب الإدارة البرمجية للموقع، و عن آليات و ضوابط اتخاذ القرارات المتعلقة بالمحتوى و الخصائص الجديدة، و غيرها الكثير من المعلومات المفيدة و المثيرة!

إلى لقاء قريب ... إن شاء الله.

الأربعاء، 2 نوفمبر 2011

ثلاثة أشهر في الفيسبوك! - الحلقة الخامسة






أكتب مقدمة هذه الحلقة  و أنا أجلس على ارتفاع 33 ألف قدم فوق سطح الأرض، في المقعد رقم 31C على متن طائرة البوينج التابعة لشركة دلتا كبرى شركات الطيران في العالم، و المتجهة من مطار سياتل في ولاية واشنطن نحو مطار ديترويت في ولاية ميشيجان. و لهذه الرحلة قصة أخرى قد أقصها عليكم في وقت لاحق إن شاء الله.  

أما الآن فدعونا نعود إلى الأرض، إلى ولاية كاليفورنيا، إلى عمق وادي السيليكون، و بالتحديد إلى قبو شركة فيسبوك حيث توقفنا في الحلقة الماضية عند مشهد مُثير و غريب و مُريب.

إذ لما دخلت باب القبو، و بعد أن قطعت الممر القصير ووصلت إلى الردهة الرئيسية، وجدت علماً ضخماً يشبه العلم المصري بالضبط، باستثناء أن النسر المعروف قد استبدل بصقر، و كُتب تحت الصقر بحروفٍ عربيةٍ واضحةٍ و كبيرة : "اتحاد الجمهوريات العربية" هكذا مرةً واحدة.





أذهلني هذا المشهد، و انتصبت في مكاني كأنني نخلة لعدة ثواني، و مرت في رأسي ألف فكرة و مليون تساؤل. إلا أن الفكرة التي سيطرت عليًّ معظم تلك اللحظات القصيرة هي أن الأقدار قد قادتني إلى اكتشاف غرفة سرية يتم من خلالها إدارة أو توجيه الثورات العربية بطريقةٍ أو بأخرى!

و لكن التناقض الواضح بين المشهد الذي أراه و بين الحال الذي أتوقعه لو سلمت بأن هناك توجيه أو إدارة للثورات أوقعني في حيرة لا حدود لها. ذلك أن العلم يحمل بوضوح شعار الوحدة العربية التي هي حلم كل عربي غيور، و لم أكن أبداً أتوقع أن شركة أمريكية صاعدة كالفيسبوك قد تكون جعلت هذه الوحدة من أهدافها وخصصت لها مكاناً سرياً و جندت لها موظفين!

هل الوحدة العربية أصبحت شيئاً سيئاً فتبنوه هم؟؟ أم دبت فيهم هم نخوة عروبية فأصبحت هي (أي الوحدة العربية) من أهدافهم؟؟ لا هذه ممكنة و لا تلك معقولة!

لم أحتمل البقاء في المكان، و خشيت أن يأتيَ أحدٌ فيضبطني في مكانٍ لا ينبغي لي التواجد فيه...

تلفتت حولي بسرعة باحثاً عن مخرج، فوجدت سلماً يقود إلى الطابق الأول.  صعدت السلم بسرعة و قطعت عدة ممرات دون وعي، حتى وجدت نفسي في النهاية أمام باب الكافتيريا التي اعتدت تناول الطعام فيها. و وجدت طريقي من هناك إلى مكان عملي. 



مكثت بعدها عدة أيام و الحيرة تلفني و الشكوك تكاد تقتلني، و تنتابني رغبة جامحة في إيجاد تفسير لذلك المشهد....

 في منتصف اليوم الرابع بعد تلك الحادثة قررت مغادرة المبنى، و الالتفاف وراءه و الدخول من ذلك الباب الذي يؤدي مباشرة إلى القبو.

لما وصلت ذلك الباب وجدت هذه المرة أحد رجال الأمن يقف لحراسة الباب (كما هو الحال مع كل أبواب الشركة الأخرى)، ألقيت التحية على الحارس لأختبر إن كان سيمنعني من الدخول أم لا..

 فلما  لم يعترض،  قمت بتمرير بطاقتي الممغنطة فانفتح الباب فوراً، دخلت و قطعت الممر ووصلت إلى الردهة فوجدت العلم على حاله معلقاً كما كان...  إلا أن المكان كان هذه المرة يعج بالأشخاص...

 أول شخص قابلته في وجهي، و كان يقف تحت العلم مباشرةً كان شاباً عربياً من لبنان!

قبل أن أسأله عن أي شيء آخر سارعت بسؤاله عن العلم الذي فوق رأسي و رأسه، و إن كان يعرف شيئاً عنه و ما الذي جاء به إلى هنا. فكأنه عرف ما في نفسي و ما دار فيها من ظنون، فأخبرني مبتسماً أن الموظف الذي يجلس أمامه مباشرة مصري، و أنه لما انطلقت الثورة المصرية التهبت حماسته فبادر و أحضر هذا العلم و قام بتعليقه،  و بطبيعة الحال فإن الشركة تحرص على أن يشعر الموظف و كأنه في بيته فلا يتدخل أحد فيما يضعه الموظف أو يعلقه فوق أو بجوار مكتبه.

فهمت بعد ذلك أن ذلك الجزء من المبنى مخصص لفريق التدويل (Internationalization team) المختص بتطوير خصائص الموقع التي تضمن إمكانية عرض الموقع بلغات مختلفة من كافة دول العالم، مع مراعاة احتياجات كل لغة كاتجاه الكتابة و ترميز الحروف و محاذاة النصوص و غيرها من التفصيلات الدقيقة و المعقدة!


و بالتالي فإن وجود أعلام للدول في ذلك المكان ليس غريباً و لا شاذاً وفقاً لطبيعة العمل الذي يؤديه الموظفون هناك.


أما بعد...


حتى الآن لم أحدثكم عن مارك زكربيرج مؤسس و مدير الشركة، ذلك الشاب الأعجوبة، أصغر أغنياء العالم سناً.


سأحدثكم في المرة القادمة عن مارك، و عن الجوانب المدهشة في شخصيته التي أراها سبباً مباشراً يقف وراء نجاحه الباهر في حياته المهنية برغم حداثة سنه و قلة خبرته.


سأحدثكم كذلك عن اللقاء الذي جمعني بمارك في حديقة منزله عندما لبيت دعوته لزيارة بيته الجديد يوم الأربعاء في مدينة منلوبارك.








تنويه و تنصل: أنا هنا أروي تجربتي في الفيسبوك على شكل حكايات مضاف إليها حبكة درامية و مقطعة على حلقات بهدف التشويق و الامتاع. و لا يحق لأحد أن يقوم  بتحويل أي شيء أكتبه هنا إلى أخبار صحفية، أو كتابة أي خبر صحفي بناءً على  هذه الحلقات،  و لا يحق لأحد أن يعيد نشر الحلقات في أي وسيلة إعلامية أو موقع إلكتروني آخر دون إذن صريح وواضح و مباشر مني و قبل إطلاعي على محتوى ما سيتم نشره.