الأربعاء، 28 سبتمبر، 2011

ثلاثة أشهر في الفيسبوك! - الحلقة الرابعة


الحلقة الرابعة

لم أستغرب أبدًا عندما سمعت عن فوز شركة الفيسبوك بالمركز الأول من حيث مستوى رضى الموظفين و راحتهم و سعادتهم في مكان العمل، و ذلك بحسب التقييم السنوي الثالث الذي تجريه شركة الباب الزجاجي glassdoor.com المختصة بتقصي و جمع معلومات عن الشركات و ترتيبها في قاعدة بيانات و توفيرها للمهتمين.

فبيئة العمل في الفيسبوك لا توفر للموظفين الراحة المادية فحسب، و إنما تهيء لهم كذلك جواً نفسياً فريداً مليء بالمحفزات يجعل كل موظف في الشركة و كأنه قنبلة انشطارية متسلسلة!

لم أشعر أبداً بضغط العمل، أو بأي درجة من الضيق او الضجر، أو أن أتمنى مثلاً أن يمر الوقت سريعاً و ينتهي وقت الدوام ... لم يكن هناك وقت محدد للدوام أصلاً حتى أنتظر انتهاءه.

لم أكن مضطراً لأن أجلس إلى مكتبي المخصص لي  طيلة وقت العمل، فهناك مكاتب أخرى لا يجلس إليها أحد و متواجدة في اماكن مختلفة من المبنى و المباني الأخرى، و يمكن لأي أحد أن يذهب ليجلس إليها و يعمل من هناك، و بعض هذه المكاتب كان موضوعاً في غرف معزولة لمن يفضل أن يعمل في جو هادئ لبعض الوقت.

كنت ألجأ إلى تغيير مكان العمل كلما شعرت بالحاجة إلى التفكير في إيجاد حل مختلف و جديد لجزئية من جزئيات العمل. كنت أشعر أن تغيير المكان يساعد في فتح آفاق جديدة للتفكير. 

و كنت كثيراً كذلك ما أحمل جهاز اللابتوب و أذهب إلى أحد أماكن الراحة و الاستجمام حيث أتمكن من الاسترخاء و الاستلقاء و العمل بهذه الوضعية من هناك.

أما إذا أحببت الخروج كلياً من جو العمل لتحريك العضلات و تجديد النشاط، كنت أتوجه إلى اللعب. فالشركة فيها مرافق متعددة للألعاب الرياضية و الذهنية و الترفيهية.



و التنقل في الفيسبوك أمر سهل جداً، فللتنقل بين المباني المتباعدة توجد باصات تتحرك باستمرار و على مدار الساعة تقل الموظفين و الزوار مجاناً.  أما التنقل داخل المباني فأمره عجيب، إذ يوجد في كل مبنى العشرات من الزلاجات (سكيت) التي يستخدمها الموظفون للتنقل السريع و الممتع!  كان المشهد مضحكاً بالنسبة لي، فبين وقت و آخر و انا جالس إلى مكتبي أرى أحد الزملاء منطلقاً بسرعة على زلاجة نحو الكافيتيريا أو غرفة اجتماعات أو دورة المياه!  

و لكني للأسف لم أكن اجيد استخدام هذه الزلاجات. حاولت مرتين و فشلت في الحفاظ على توازني، فأعلنت اليأس و توقفت عن المحاولة، و قررت الاكتفاء بركوب رجلي و أنا اتمثل قول العقاد في أبياته الجميلة: 

انا راكب رجــــــــلي *** فلا أمرٌ عليَّ و لا ضريبة
و كذاك راكب رأســه *** في هذه الدنـيــا العجيبــة!


و لم تبخل الشركة علينا بتوفير الترفيه و المتعة خارج مباني الشركة و خارج إطار العمل، و ذلك من خلال تنظيم رحلات و برامج ترفيهية غاية في الروعة. فبين مغامرات في جزيرة ألكاتراز الصغيرة في وسط خليج سانفرانسيسكو، و عشاء و برنامج ترفيهي على سطح يخت يقطع الخليج و يمر من تحت جسر البوابة الذهبية الشهير، و تعليم تجديف القوارب و الإبحار في سانتا كروز على شاطئ المحيط الهادي، و رحلات استكشافية في أحراش جبلية مجاورة، و غيرها الكثير! تجارب لا يمكن أن أنساها أبداً و لا يمكن أن أنسى كيف كانت تتضاعف همتي في العمل عشرات المرات بعد كل نشاط!




كان فريقنا - Data Science Team - يجتمع كل يوم جمعة في أحد غرف الاجتماعات، و كان ينضم إلينا عبر الفيديو كونفرنس بقية أعضاء الفريق المتواجدون في مدينة سياتل في ولاية واشنطن. و غرف الاجتماعات في الشركة كثيرة و مجهزة تجهيزاً تاماً. 

أكثر ما يلفت الانتباه في قاعات التدريب و غرف الاجتماعات في الفيسبوك هو أسماؤها! فكلها أسماء غريبة و مجنونة،  فمنها مثلاً ما يحمل أسماء أطعمة كقاعة "صلصة Salsa" و قاعة "حمص Hummus"، و منها ما يحمل أسماء ألعاب رياضية كـ ping-pong، و منها ما يحمل أسماء دول ككندا، إلى آخره من الأسماء العجيبة.  

الذي علمته فيما بعد هو أن تسمية القاعات يتولاها موظفو الشركة جميعهم من خلال ترشيح أسماء ثم التصويت عليها باستخدام برنامج داخلي أعد لهذا الغرض!



بالإضافة إلى الاجتماع الذي يضم كل الفريق، كنت أجتمع مع مديري المباشر بشكل منفرد يوم الأربعاء من كل أسبوع.  في أول اجتماع تم بيننا - و كان ذلك في الأسبوع الأول - شرح لي طبيعة العمل و المهام المطلوبة مني، و المشروع الذي يجب أن أنجزه خلال الصيف. ثم في نهاية الاجتماع قال لي: ابدأ بالعمل فوراً و دعنا نرى أول إضافة ترفعها إلى الموقع يوم الجمعة!!!  نعم .. كان يقصد يوم الجمعة من نفس الأسبوع!  بمعنى أنه كان يتوقع مني أن أُنجز شيئاً قابل لإضافته إلى الموقع خلال يومين فقط!

لم أكن مندهشاً و لا مصدوماً في الحقيقة، ففي أثناء البرنامج الترحيبي تعلمنا أن العمل في الفيسبوك يقوم على مجموعة من القيم التي يسعى الجميع داخل الشركة إلى تحقيقها بكل قوة.  أول و أهم هذه القيم هي : Move Fast And Break Things!  أو تحرك سريعاً و لو أدى ذلك إلى تعطيل الموقع.  و من القيم الأخرى:  Be Brave  و  Done is Better Than Perfect وغيرها.

هل تذكرون ورقة الترحيب التي وجدتها تنتظرني على مكتبي في أول يوم وصلت فيه إلى 1601؟  كانت تلك الورقة مذيلة في نهايتها ب Move Fast and Break Things، و كنت أرى هذه العبارة حولي كلما التفت و أينما ذهبت، فهي و غيرها من القيم مكتوبة على كل جدار تقريباً من جدران المبنى، و تجدها في الممرات، و في داخل غرف الاجتماعات، و في الكافتيريا و في المطابخ، و حتى في دورات المياه!




دون أن أشعر وجدت نفسي قد تبرمجت تلقائياً وفق هذه القيم و تبنيتها بالكامل و بدأت أبذل الوسع لتحقيقها بإرادة ذاتية و دون ضغط أو متابعة من أحد! و كان هذا حال جميع الزملاء!

فلا تعجب إن أخبرتك أن هناك من الموظفين من يعمل عشر ساعات يومياً، و منهم (و هم كثر) من يبات في الشركة بالأيام، و كثيرون كذلك يعملون في عطلة نهاية الأسبوع! لاحظ أن كل هذا يحصل بالرغم من أن الدوام غير إلزامي و لا توجد مواعيد محددة للدوام! 

كنا نعشق المكان ليس فقط لما فيه من الرفاهية و توفر كل أسباب الراحة، و إنما كذلك لإشباع رغبة جامحة في الاستجابة لنداء "كن شجاعاً" و "تحرك بسرعة" و "أنجز"! تلك النداءات التي نجحت في تفجير الطاقات و جعلت الانغماس و الذوبان في العمل قمة المتعة و غاية السعادة و التلذذ!

كل هذا جميل و رائع و يأسر الألباب و القلوب، و لكن ..... 

كنت في معظم الأيام أذهب إلى العمل قرابة الساعة التاسعة صباحاً و أدخل من الباب الرئيسي ل 1601 و أمكث في العمل حتى الساعة السادسة أو السابعة مساءً. 

في أحد أيام الأسبوع الثاني، و من فرط النشاط و الإقبال على العمل، خرجت مبكراً جداً - قرابة الساعة السابعة صباحاً. 

وصلت... فوجدت مرآب السيارات شبه فارغ إلا من سيارات معدودة ( و هو عادةً ما يكون مكتظ و بالكاد أجد مكاناً لأوقف فيه سيارتي).  دخلت المرآب حتى وصلت إلى خلف المبنى، و أوقفت السيارة بجانب أحد الأبواب الخلفية التي تؤدي مباشرة إلى قبو المبنى و ليس إلى الطابق الذي اعتدت الدخول منه. و كانت هذه أول مرة أدخل المبنى من هذا المكان.

وصلت إلى الباب .... أخرجت بطاقتي الممغنطة و مررتها بجوار وحدة الأمان المثبتة على يمين الباب...  فانفتح الباب فوراً ... دخلت مسرعاً... كان المكان معتماً بعض الشيء و لم يكن في الداخل أحد... و لم أكن أعرف بالتحديد في أي اتجاه يجب أن أتحرك لأصل للطابق العلوي حيث يتواجد مكتبي،  فالمبنى كبير و لم أكن حينها أعرف تقسيماته أو ممراته و أدراجه...

تقدمت في الممر إلى الأمام نحو بهوٍ واسعٍ يبدو فيه من بعيد بعض المكاتب و الشاشات الكبيرة.  و ما أن وصلت إلى نهاية الممر حتى كانت المفاجأة المذهلة الصادمة!

رأيت معلقاً في السقف علم كبير يشبه العلم المصري تماماً غير أن النسر المرسوم في وسطه  استبدل بصقر، و مكتوب تحت الصقر بخط كبير "اتحاد الجمهوريات العربية"  هكذا باللغة العربية !!!!!

ما أن رأيت ما رأيته حتى تسمرت في مكاني، و ذُهلت، و تعجبت، و مرت في رأسي مليون فكرة و مليون سؤال في ثانية واحدة!

يتبع....


تنويه و تنصل: أنا هنا أروي تجربتي في الفيسبوك على شكل حكايات مضاف إليها حبكة درامية و مقطعة على حلقات بهدف التشويق و الامتاع. و لا يحق لأحد أن يقوم  بتحويل أي شيء أكتبه هنا إلى أخبار صحفية، أو كتابة أي خبر صحفي بناءً على  هذه الحلقات،  و لا يحق لأحد أن يعيد نشر الحلقات في أي وسيلة إعلامية أو موقع إلكتروني آخر دون إذن صريح وواضح و مباشر مني و قبل إطلاعي على محتوى ما سيتم نشره.

هناك 9 تعليقات:

  1. إبداع ما بعده إبداع...
    تشويق ما بعده تشويق
    لا أدري هل أتحدث عن إبداعات هذه الشركة
    أم أبدي إعجابي بطريقة سردك للقصة
    شوقتنا وما زلت تشوقنا
    وسنظل معك حتى تنتهي رحلة الإبداع هذه
    دمت بود أخي الكريم

    ردحذف
  2. جزاك الله خيراً أخي عبد الكريم على المرور الطيب... و على التشجيع و التحفيز على المواصلة ...

    ردحذف
  3. اتحاد الجمهوريات العربية ... وباللغة العربية ... يا ترى ما السر الكامن وراءها يا امجد... لقد شوقتنا كثيييييييرا...
    نحن بانتظار المزيد من التشويق...
    بالتوفيق دوما يا امجد....

    ردحذف
  4. حلقة رائعة جداً والنهاية المشوقة أروع ..

    كل التحية ومزيداً من الإبداع ان شاء الله

    ردحذف
  5. بجد مش وقتها خالص "يتبع" يا بشمهندس
    يعني انت كدا عامل ولا مسلسلات رمضان
    عند الcliff hanger بتوقف الحلقة
    بالمناسبة ينفع إنك تفكر الآن في موضوع آخر


    تم الإرسال على البريد

    ردحذف
  6. حقا تستحق المتابعه
    سلسله رائعه جدا و مشوقه
    و بصراحه كمتخصص في مجال الكمبيوتر
    كنت اود لو تناولت الموضوع بتفاصيل تقنيه اكثر من ذلك
    و لكن تجربه رائعا جدا و تستحق الاعجاب
    الى الامام

    ردحذف
  7. حلقة مشوقة جدا يا بشمهندس
    بإنتظار القادم
    بينفه تعملها مسلسل تلفزيوني
    :)

    بالنسبة لاتحاد الجمهوريات العربية .. بحثت عنو
    لقيت انو في ال 72 كانو العرب بدهم يعملوا اتحاد بس فشلو في الاتفاق
    وكان علمهم هوا اللي حكيت عنو
    http://ar.wikipedia.org/wiki/اتحاد_الجمهوريات_العربية

    بإنتظار المزيد من الاحداث المشوقة
    :)

    ردحذف
  8. هو أنت ما اشتغلتش سيناريست ليش ؟

    ردحذف
  9. اسلوبك رائع و مشوق جدا

    ردحذف