الخميس، 22 سبتمبر، 2011

ثلاثة أشهر في الفيسبوك! - الحلقة الثالثة


1601
الحلقة الثالثة: الفيسبوك من الداخل

المبنى رقم 4 في شارع "بيج ميل" الذي عقد فيه اللقاء الترحيبي و تلقينا فيه التدريب كان جميلاً و مريحاً و قضينا فيه وقتاً ممتعًا للغاية، و كنت حتى تلك اللحظة أشعر بالانبهار من روعة و جمال المكان، و لكن عندما انتقلنا إلى المبنى 1601 في شارع "كاليفورنيا" الموازي "لبيج ميل" و بمجرد دخولي من الباب الرئيسي عرفت أن المغامرة و المتعة الحقيقية لم تكن قد بدأت بعد!

دخلت المبنى من بابه الرئيسي، و بعد أن اجتزت ردهة الاستقبال فاجأتني على يميني و أنا داخل  Wall! و لكنها هذه المرة حقيقية و حية و مليئة بالمنشورات:
The Facebook Wall

و الأعجب من هذه ال Wall هي قصتها التي عرفتها فيما بعد، فقد جاء بفكرة هذا الجدار أحد الموظفين. قام بنفسه و دون استشارة أو إخبار أحد بطباعة The Facebook Wall ... Write Something، ثم علقها بنفسه خلال عطلة نهاية الأسبوع دون أن يستأذن أحد ، و وضع بضعة أقلام ملونة بجانب الجدار، فأصبح كل من يزور المبنى يتوقف عند الجدار و يكتب شيئاً!

لم يكن هذا الجدار سوى أولى المفاجآت، المفاجأة الأكبر كانت عندما وصلت إلى نهاية الممر القصير المجاور للحائط و دخلت إلى ما يفترض أن يكون مكان غرف الموظفين. العجيب أنه في كل هذا المبنى الطويل العريض لم يكن هناك ولا أية غرفة واحدة خاصة بموظف... الشركة كلها ليس فيها أي مكاتب منفصلة أو منعزلة، الجميع يجلس في بهو فسيح جداً بجوار بعضهم لا تفصلهم جدران لا إسمنتية و لا خشبية و لا حتى زجاجية ... للوهلة الأولى تشعر أنك في سوق شعبي مليء بالحركة و الحياة ... أو كأنك في خلية نحل حقيقية ترى فيها حركة نشطة دائبة و تسمع فيها دوي متصل. 

جانب من مكان العمل 

فهمت فيما بعد أن هناك فلسفة هامة تقف وراء اختيار هذا التصميم لبيئة العمل، الفكرة باختصار أن الفيسبوك موقع تواصل اجتماعي، و أحد أهداف الشركة الرئيسية هو جعل العالم أكثر اتصالاً، و جعل الناس أكثر قرباً و أكثر احتكاكاً. و حتى يستطيع موظفو الشركة أن يعملوا بقوة لتحقيق هذه الغاية لابد أن يعيشوها هم بأنفسهم في كل دقيقة و كل لحظة.

للوهلة الأولى شعرت بالانزعاج و الفوضى و التشتت، و لكني سرعان ما وجدت نفسي أنسجم و ألتحم مع هذه البيئة و أعشقها.

الكل يعرف الكل، و الكل يعرف كل شيء تقريباً عن كل شيء، ففي كل دقيقة تسمع اثنين أو ثلاثة يتناقشون هنا أو هناك حول فكرة أو مشكلة أو تحدي قد يكون في مجال عملك أو في مجال مختلف كلياً، و لكنك تستفيد في كل الأحوال فقط بمجرد الاستماع، و تشعر بالانتماء لكل جزء و كل تفصيلة من أجزاء و تفصيلات العمل.  تصميم إبداعي و خلاق، و بيئة عمل مفعمة "بالاجتماعية" و تنبض بالحياة!

بعضكم بالتأكيد  يتساءل عن الخصوصية التي ربما يفضلها البعض أثناء العمل. و الجواب ببساطة أن من يحتاج الخصوصية كان يحصل بمجرد الطلب على قدر "أظنه كافٍ" منها... بسهولة...  و إبداع:

إبداع في توفير الخصوصية!

لم أكن أعرف بالتحديد مكان مكتبي الذي سأجلس إليه، فجلست في إحدى الزوايا المخصصة للاستراحة و الاسترخاء، و أخرجت جهاز اللابتوب من الحقيبة و قمت بفتح إحدى صفحات الفيسبوك الداخلية التي لا يراها إلا الموظفون. تحتوي تلك الصفحة على خريطة تفاعلية لمباني و أقسام الشركة، يمكن من خلالها البحث بسرعة لإيجاد مكان جلوس أي موظف و جدول عمله و مواعيده اليومية و غيرها من المعلومات الهامة للعمل. بحثت فوجدت مكان جلوسي في أقل من نصف دقيقة.



لما وصلت المكتب المخصص لي وجدت ورقة موضوعة عليه مكتوبٌ فيها بخط كبير: "أصدقاؤك في الفيسبوك يرحبون بك". كان المكتب جديداً لم يستخدمه أحد قبلي و المقعد كذلك، و كان كل شيٍء مجهزًا: شاشة كبيرة مقاس 30 بوصة، و كيبورد، و ماوس، و مكان مخصص لوضع اللابتوب. كل الكوابل كانت موصلة و مرتبة بشكل أنيق، و إعدادات الشاشة كانت مضبوطة، لم يكن علي سوى أن أضع جهاز اللابتوب في مكانه و أبدأ العمل.

قمت بتشغيل الجهاز بسرعة و فتحت إيميل العمل، فوجدت رسالة ترحيب أخرى، و وجدت أيضاً رسالة تخبرني بأن هناك خبراء استشارييون متخصصون في ضبط جلسة الموظف حتى تكون جلسة صحية و مريحة متوفرون، و أن بإمكاني الاتصال بهم فوراً للقدوم و تقديم نصائح لي حول ارتفاع المكتب و ارتفاع المقعد و المسافة بين مكان جلوسي و بين الشاشة إلى غيره من الأمور اللازمة لضمان الراحة و السلامة الصحية.

و كان من عجائب ما رأيته في الشركة هو أن عدد ليس بالقليل من الموظفين يفضلون العمل وقوفاً! نعم ... يتم رفع مكاتبهم إلى مستوىً مرتفع بحيث يبقى الموظف واقفاً طوال فترة العمل. كان زميلي الذي يعمل أمامي مباشرة أحد هؤلاء، و كنت أتعجب كيف يصبر طوال ساعات العمل لا يجلس بالمرة!



كان المشرف المباشر علي يجلس بجانبي مباشرةً، و كان مدير الفريق يجلس إلى المكتب الذي يليه. يفصل بين كل واحد و الآخر نصف متر على الأكثر. 

سألت مشرفي المباشر: ما هي مواعيد العمل الرسمية؟  فأجابني: لا توجد مواعيد عمل رسمية!  فكررت السؤال بعد تعديله: ما هي مواعيد العمل المتعارف عليها أو المفضلة؟  فأجابني: لا توجد أي مواعيد عمل لا رسمية و لا عرفية و لا مفضلة، كل موظف يأتي في الوقت الذي يريد و يغادر في الوقت الذي يريد. بل إن الدوام في الشركة بحد ذاته ليس إلزامياً!

و لم يكن كلامه فيه أي مبالغة، بل كان عين الواقع، فقد كان مدير الفريق مثلاً يأتي في الغالب الساعة الثامنة، و يغادر نحو الخامسة أو السادسة، في حين أن مشرفي المباشر كان يأتي الساعة الحادية عشرة أو الثانية عشرة أو حتى الواحدة ظهراً و يغادر في وقت متأخر من الليل. و قد رأيت هذا التباين في حال كل الموظفين.. ففي كل لحظة تجد أن ثمة أحد داخل الشركة يعمل، بل إن هناك أشخاص يفضلون العمل ليلاً، يأتون عصراً و لا يغادرون إلا بعد منتصف الليل بساعات.

للوهلة الأولى قد تعتقد أن هذا تسيب و فوضى، و أنه و الحال هذه يكون من الصعب ضبط سير العمل و التأكد من انضباط الموظفين. و لكن سرعان ما تكتشف أن الصورة مغايرة تماماً، فعدم وجود إلزام بالدوام و لا بالمواعيد قد جعل التركيز الأكبر و الأهم يكون على الانجاز و أداء المهام.  فلو كان الدوام الزامياً بمواعيد محددة لاعتقد الموظف أنه بمجرد تواجده في أوقات الدوام قد أدى جزءاً كبيراً من المهمة المطلوبة منه، أما عندما يتم التغاضي عن هذا المتطلب، يصبح التركيز الأكبر على الانجاز وحده. في هذه الحالة يربح الجميع: الموظف يربح شعوره بالحرية و المرونة و القدرة على الموازنة بين متطلبات عمله و متطلبات حياته الشخصية، و تربح الشركة عندما يصبح هم الموظفين منصباً على الانجاز!

لما جاء وقت الظهيرة توجهت إلى الكافتيرا لتناول طعام الغداء، و الشركة تقدم للموظفين ثلاث وجبات مجانية: فطور و غداء و عشاء.  يستمر تقديم الإفطار من الساعة 8 و حتى الساعة 10 صباحاً، أما الغداء فمن الساعة 12 و حتى الساعة 2 ظهراً، ثم العشاء من الساعة 5 و حتى الساعة 7 مساءً. في كل وجبة يتم إعداد بوفيه مفتوح فيه مختلف أنواع الأطعمة و المشروبات و الحلويات، و في كل يوم يتم تقديم أصناف مختلفة من بلدان مختلفة، فمرة يتم تقديم طعام صيني و مرة هندي و مرة عربي و مرة مكسيسكي و مرة إيطالي، إلى آخره من شتى أصناف الأطعمة المختلفة.

إلى جانب الوجبات يوجد في كل ركن من أركان المبنى مطبخ صغير مفتوح، متوفر فيه على مدار 24 ساعة مشروبات باردة و ساخنة و فواكه كالموز و الخوخ و الفراولة و المشمش و التفاح و غيرها، و أنواع مختلفة من الشيكولاطة و المكسرات و السندويتشات السريعة و الحلويات و المعلبات و غيرها الكثير... كل ذلك مقدم بالمجان و بكميات غير محدودة!


عجائب 1601 لم تنته بعد!  كنت أعرف قبل أن أبدأ الكتابة هذا اليوم أن حلقة واحدة لن تكفي لإتمام وصف كل جوانب هذا المكان الجميل. و لذلك سأتوقف هنا الآن.

في الجزء الأول من الحلقة القادمة سوف أواصل وصف بيئة العمل من الداخل، و سأركز أكثر على الروح العامة السائدة داخل الشركة، و على الإيحاءات البارزة في مكان العمل التي تحفز على البذل و الانجاز و الإبداع.

في الجزء الثاني سوف أحدثكم عن شيء غريب اكتشفته بالصدفة المحضة في قبو 1601 في منتصف الأسبوع الثاني من العمل فأصابني بالذهول و الدهشة و كثير من الحيرة و شيء من القلق و التوجس!

تنويه و تنصل: أنا هنا أروي تجربتي في الفيسبوك على شكل حكايات مضاف إليها حبكة درامية و مقطعة على حلقات بهدف التشويق و الامتاع. و لا يحق لأحد أن يقوم  بتحويل أي شيء أكتبه هنا إلى أخبار صحفية، أو كتابة أي خبر صحفي بناءً على  هذه الحلقات،  و لا يحق لأحد أن يعيد نشر الحلقات في أي وسيلة إعلامية دون إذن صريح وواضح و مباشر مني و قبل إطلاعي على محتوى ما سيتم نشره.

هناك 6 تعليقات:

  1. جميل جدا، نحن بانتظار الباقي على أحر من الجمر.

    ردحذف
  2. جميل جداً جداً .. زاد حبي وإعجابي لهذه الشركة سريعة التطور وأعتقد أنه سيكون لها مكان متقدم ضمن شركات قطاع التكنولوجيا.

    شكراً جزيلاً م.أمجد لأنك أتحت لنا فرصة لم نكن لنجدها في مكان آخر للتعرف أكثر على هذه الشركة.

    بإنتظار الحلقة القادمة إن شاء الله.

    ردحذف
  3. شكراً أحمد و أحمد على المرور الكريم و على التعليقات المشجعة.

    ردحذف
  4. تجربة راائعة م.أمجد
    ومزيد من التوفيق إن شاء الله

    أتابع

    ردحذف
  5. م. أمجد زاد شوقنا وتحرقنا لهذه الحلقات ..
    لا تطيل انتظارنا فنحن على أحر من الجمر !!

    ردحذف