السبت، 1 مارس 2014

علمتني الحياة 14: باب النجاح الحصري

علمتني الحياة أن النجاح ابن السعي و أن الحظ و النصيب و الصدفة و الأقدار المقدورة هم جوائز السعي و ليسوا آباءه ولا أجداده!

المسافة بين النجاح و الفشل تقاس بأمتار البذل و أميال الاجتهاد لا بضربات الحظ و لا قسائم الـ"يانصيب" ...

من حالفه الفشل و رأي غيره يظفر بالنجاح..  عليه أن يتذكر لحظات الابطاء التي حالت بينه و بين الوصول ... و أن ينتبه إلى فوارق السعي التي أخرته ووضعت صاحبه في المقدمة ... 

سألوا أحدهم: "كيف تفوقت على خصمك؟" فأجاب: "كنت أستيقظ قبله بساعة" ... و ربما كان ينام بعده بساعة كذلك ...

علمتني الحياة أن الحظ و النصيب ما هما إلا حالات تزداد فيها احتمالات النجاح طردياً مع ازدياد السعي ... فمن جرب 10 مرات كان حظه و نصيبه 10 أضعاف من جرب مرةً واحدة ... و من زاد على أقرانه في أوقات البذل ساعة سبقهم بـ 60 متر .. كل دقيقة بمتر!

و اكتشافات الصدفة لا تأتي صدفة ... بل هي النتيجة الطبيعية لمقادير من السعي بُذلت بحدود تجاوزت الحد العادي عند بقية الناس ففاز صاحب السعي بصدفته ... و قعد الباقون لا صدف تأتيهم!

سألوا زميلاً لي في العمل: كيف وقعت على تلك الفكرة الرائعة؟ ... فأجابهم أنه تصادف أن ذهب إلى حضور ندوة فجاء فيها ما قدح في رأسه تلك الفكرة ... و الحقيقة أن لا غرابة في مصادفة تلك الصدفة لصديقي! ... فصاحبي هذا يذهب إلى ندوات ضعف ما يذهب إليه البقية ... و ربما له جلسات تفكير و تأمل في شؤون العمل راكمت في رأسه وقود أفكار كامنة كانت تنتظر شرارة الصدفة لتقدحها فتشعلها ناراً فتكون إبداعاً جديداً ...

حتى الأقدار التي نؤمن بنفاذها هي أقدار متعددة يدفع بعضها بعضاً و ليست قدراً واحداً جبرياً، و مشروعٌ لنا أن نفر من قدرٍ إلى قدر ... و لا يكون الفرار إلا بسعي ...

علمتني الحياة أن السعي هو باب النجاح الحصري ... و أن حكايات النصيب الضائع و الحظ العاثر و الأقدار الغالبة ما هي إلا بضاعة الكسالى الفاسدة في أسواق الفشل الكاسدة!

و لم أجد الإنسان إلا ابن سعيـه *** فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا
و بالهمة العلياء ترقى إلى العـلا *** فمن كان أعلى همــةً كان أظـهــــرا
و لم يتـأخـــــر من أراد تقدمـــــا *** و لم يتـقـــــدم من أراد تاخـــــــــــرا!

"و قل اعملوا"

الأحد، 23 فبراير 2014

علمتني الحياة 13: مدرسة الموت

علمتني "الحياة" أن أتعظ "بالموت"!

في الأيام القليلة الماضية وعظتني ثلاثة أخبار صادمة عن وفاة ثلاثة أشخاص أعرفهم، أحدهم عشريني، و الثاني ثلاثيني، و الثالث أربعيني، و ثلاثتهم ماتوا فجأة، في ظروف مختلفة، و في ثلاث دول متفرقة، في لحظة كانوا فيها في صحة و عافية و يملأون الأرض نشاطأ و حركة!

ما أفصح و ما أبلغ موت الفجأة حين يقذف مواعظه في قلوب الغافلين أمثالي ... يذكرني بحقيقتين مهولتين: أنني ميتٌ لا محالة ... و أن الموت سوف يطرق بابي في أي وقت و تحت أي ظرف فيخطف روحي، و يقطع آمالي، و يختم أعمالي، و يقيم قيامتي، و يضع النقطة الأخيرة في صحائفي التي سألقى بها ربي!

ما أصعب مجرد تخيل ذلك اليوم حين لن يجد أصحابي من وسيلة لإكرامي إلا التعجيل في دفني، و حين يتنافسون على حمل نعشي يركضون بي سريعاً نحو لحدي، و حين يلتمس الواحد منهم الأجر بيدٍ يمدها ليشارك في إهالة التراب علي جسدي، و حين يذهبون لأبقى وحدي أواجه مصيري البائس إن لم تتغمدني رحمة ربي!

أسأل الله حسن الخاتمة و حسن المآل.

ما أنت إلا كزرع عـنـد خُضرتـــه **** بكلِ شيء من الآفات مقصودُ
فإن سَلِمتَ من الآفات أجمعها **** فأنت عند كمال الأمر محصودُ!

علمتني الحياة 12: مراجعة النفس

علمتني الحياة أن أعيد النظر فيما أتبناه من مواقف و ما أحمله من أفكار و ما أعتنقه من مبادئ بشكل دوري ...
فمثل هذه المراجعات قد كشفت لي في مرات متعددة أن استغراقي في فروع ما انطلقت منه من آراء و مبادئ قد ألهاني أحياناً بضيق الفرع عن سعة الأصل، أو شغلني بالتمادي فيما هو مهم من تلك الفروع عن ما هو أهم ...

كما كشفت لي أن توغلي العميق في مسارات أفكار تبنيتها يوماً ما قد حرمني في كثير من الأحيان فرصة الاطلاع على ما هنالك من أفكار أخرى قد تكون أجود و أفضل ... 

و أسوأ من هذا حالات غلبتني فيها ربقة التعصب لفكرة ما، أو غمرتني كثافة الترداد لنفس الفكرة في بيئة ملاصقة تحيط بي من كل جانب، فتحولت مع الوقت إلى محامٍ بارع ... آتي بالحجج القوية، و البراهين المنطقية، و الأدلة الذكية، للدفاع عن فكرة رديئة هنالك ما هو أرجح منها في ميزان التفضيل ... أو فكرة خاطئة نحتت من عمري، و سرقت من جهدي ما لا أملك تعويضه الآن ...

و حتى تلك الحالات التي لم تقدني فيها المراجعة إلى اكتشاف خلل، فقد وجدت أن مجرد مراجعة ما هو صواب هي بمثابة محطة تزود بوقود الهمة و زاد الثبات و فيتامين الإصرار على مواصلة العمل و التوغل العميق في دروب الخير ... على بصيرة.

السبت، 22 فبراير 2014

علمتني الحياة 11: حقيقة التوفيق الرباني

علمتني الحياة أن التوفيق الرباني ليس مجرد مسألة من مسائل الغيب التي يصدقها المؤمن حين تسكن حقيقة الإيمان في قلبه، و إنما هي كذلك مسألة حسية يمكن أن يلمسها و أن يراها من يدقق النظر و يراقب، و من يحرص على محاسبة نفسه و البحث عن الأسباب الكاملة التي تقف وراء نجاحاته و إخفاقاته.

فكم مرة كنت عند ميكانيكي السيارات - مثلاً- أنتظر إصلاح سيارتي و أنا أتذكر ذلك الذنب الذي اقترفته في اليوم الماضي فكانت النتيجة أن تعطل ترس فتح و إغلاق الشباك، أو تسرب على إثره سائل المقود، أو انثقبت أنبوبة العادم!

و كم مرة تذكرت فيها ما قدمته من حسنة بين يدي عمل تكلل بالنجاح كان هناك من الأسباب المادية ما يجعل هذا النجاح صعباً إن لم يكن شبه مستحيل أو مستحيل!

كنت أظن قديماً أن التفسير لهذا الاقتران بين الحسنة و النجاح أو السيئة و الإخفاق هو أن أعمال الإيمان الحسية هي بحد ذاتها ضابطة و مهذبة لسلوك الإنسان بحيث تجعل أداءه في المهمة التي هو بصددها أفضل فيكون التوفيق ... كأطره مثلاً على تنظيم وقته بحسب أوقات الصلاة فيتعاظم إنجازه، أو دفعه إلى الاتقان المأمور به في الحديث الصحيح.

و لكني بعد طول تأملٍ و مراقبة وجدت أن الأمر أبعد من ذلك، و أن أعمال الإيمان بالإضافة إلى أثرها الحسي هذا، لها أثر أقوى و أشد يتجاوز الحسيات، و يكسر جدران الأسباب، و يخترق حواجز المألوفات فترى العين ما قد تفشل الأرقام في حسابه!

علمتني الحياة 10: ما هو أهم من الأفكار!

علمتني الحياة أن إدارة الأفكار أهم من الأفكار ذاتها!

الأفكار اللامعة ذات الأهداف النبيلة تملأ الأرض بمئات الألوف أو بالملايين أو حتى بالبلايين! تجد هذه الأفكار في بطون الكتب، و منشورات و توصيات المؤتمرات، و الحوارات المتلفزة و المسموعة، و رسائل البريد الإلكتروني، و مدونات أصحاب الرأي، و شبكات التواصل الاجتماعي، و المرئيات أو المسموعات المدرجة على مواقع الإعلام الجديد، و في كل مكان ... 

أزعم أننا لسنا بحاجة إلى توليد المزيد من الأفكار بقدر ما نحن بحاجة إلى إنزال ما هو هنالك من أفكار نبيلة إلى حيز التنفيذ ...

و لكن الفكرة مهما بلغت عبقريتها، أو اشتدت حاجة الناس إليها، أو تعاظم إيمان حامليها بها، أو تكاثرت أعداد المتحمسين لها ... لا يمكن لها أن تتحول إلى واقع إلا إذا تواجد كيان إداري منظم يتولى بلورة الفكرة و ترجمتها إلى حقيقة ماثلة على الأرض .... قد يكون هذا الكيان مؤسسة أو لجنة أو شركة أو مجموعة ضغط أو فريق إلكتروني أو أي وعاء إداري "مناسب".

ليس بالضرورة أن ينشأ هذا الكيان منذ اللحظة الأولى لبزوغ شمس الفكرة في قلب من يحملها، و لكن إذا لم ينته أصحاب الفكرة إلى إيجاد هذا الكيان تتحول الفكرة إلى حلم أو أمنيات أو وهم.

تجارب متعددة مررت بها: كانت الفكرة رائعة، و الحاجة لها ماسة، و البيئة مهيأة، و الجميع متحمس، و الكل مستعد ... غابت الإدارة ... ضعفت الهمة ... دُفنت الفكرة!

علمتني الحياة 9: أكبر خدعة!

علمتني الحياة أن أسهل عمليات الخداع و أكثرها انتشاراً و رواجاً و تكراراً و نجاحاً في هذا العالم هي خداع النفس!

فما أكثر أولئك الخبراء في اختراع حيل نفسية بارعة يحتالون بها على أنفسهم لتبرير فشلهم، أو تسويغ انحرافاتهم، أو شرعنة جرائمهم!

ما أكثر أولئك الخبراء في إقناع أنفسهم بـأن أخطاءهم و سقطاتهم معلقة هناك على شماعات الآخرين، و هم منها أبرياء براءة الذئب من دم يوسف! 

ما أكثر أصابع الاتهام الموجهة بثقة عالية نحو "الظروف القاهرة"! و ما أكثر و ما أطول و ما أفصح لوائح الإدانة التي كتبت في حق "الأسباب الخارجة عن الإرادة"!

ما أكثر أولئك الذين أصبحوا أكاذيب حية تمشي على الأرض ... لا يملون من سرد حكايات مبهرة عن بطولاتهم الزائفة، و إنجازاتهم الوهمية، و خصائصهم الخرافية ... يكررونها ثم يكررونها ثم يكررونها على طريقة اكذب اكذب اكذب حتى تصدق نفسك!

ما أكثر أولئك الذين تغرهم أعداد الأصدقاء، أو المتابعين، أو المشتركين، أو المعجبين، أو المعلقين الذين يتفاعلون معهم و يثنون عليهم في فضاءات العالم الاجتماعي الافتراضي و الواقعي ... و يصل بهم العُجب إلى أن يروا في هذه الأعداد شهادات نجاح تؤهلهم لتصدر مقاعد الريادة في الدنيا، و احتكار نمارق الجنة المصفوفة في الآخرة!

ما أكثر أولئك الذين يظنون أن الثناء و المديح الذي يتهاطل عليهم من المخدوعين أو المنتفعين المحيطين بهم هو صك غفران مفتوح يقول لهم: ما ضركم ما فعلتم بعد اليوم!

ما أكثر أولئك "الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً"!

اللهم عافنا و اعف عنا.

علمتني الحياة 8: فهم الدين

علمتني الحياة أن إساءة فهم الدين أخطر في الغالب على المتورط فيها و على المجتمع من الوقوع في المعاصي ... مع أن كلاهما خطير.

فكثير من العصاة الذين رأيتهم أو سمعت أخبارهم كانوا يعرفون و يقرون أنهم على معصية، و كانوا كلما نصحهم ناصح أو ذكَّرهم بالحق مُذكِّر أصابتهم مقادير من التأثر و الاتعاظ و لو في الباطن، و انتهى الحال بالكثير منهم إما إلى توبة، أو إلى مغادرة الحياة و قد انحصر أذاهم في حدود أنفسهم و ربما دوائر صغيرة محيطة بهم.

أما من يسيء فهم الدين فهو لا يرى نفسه على خطأ، بل يعتقد في قرارة نفسه أن ما هو عليه هو الصواب بعينه، و أن من يسدون إليه النصائح إنما يريدون أن يجروا قدمه إلى طريق الضلال و الانحراف عن الحق! و أخطر من هذا أنه يعتقد أن توغله و تعمقه في فهمه السيء ممارسة إيمانية و ارتقاء في درجات التدين و الالتزام!

و يستوي في هذا من يسيء فهم الإسلام بالتشدد فيه مع من يسيء فهمه بالتساهل و التفريط فيه و تمييعه. فالمتشدد يبتدع و يدخل في الإسلام ما ليس فيه، و المتساهل يفرغ الإسلام من مضمونه!

أما السؤال الذي علمتني الحياة أن إجابته في غاية الصعوبة فهو: ما هو الفهم الصحيح للإسلام على وجه الدقة؟ و ما هو حد الوسط في هذا الفهم الذي يمكن التفريق فيه بين التشدد و التساهل؟

علمتني الحياة 7: أعقد مهمة في الحياة

علمتني الحياة أن أعقد و أدق و أصعب مهمة في الحياة هي مهمة التعامل مع البشر! 

يستوي عندي في هذا تعاملي مع أدنى قريب أو أنأى بعيد، سواءً في دوائر علاقاتي الاجتماعية، أو المهنية، أو الإنسانية.

فتنوع طبائع الناس، و تعدد خلفياتهم الثقافية، و تفاوت حظوظهم من العلم و الأخلاق و مراتب الإيمان، و اختلاف عاداتهم و أفكارهم و اهتماماتهم و أولوياتهم و حساسياتهم و ما مروا به من تجارب، و تقلب أمزجتهم، و تباين ما يسعدهم أو يحزنهم أو يغضبهم أو يحفزهم أو يثبطهم من صور التعامل .... كل هذه العوامل و غيرها تجعل مهمة التعامل مع البشر من أعقد ما يمكن بالنسبة لي ... هذا إذا ما أردت أن أؤديها بحدها الأدنى الذي أسلم به من المشاكل، أو أنجو من خسارة قريب أو صديق أو زميل عمل ... فكيف إذا أردت أن أتقنها، و أن أجعل من علاقاتي الناجحة سلماً أبلغ به مراتب عالية من التفوق المادي والسعادة النفسية؟

علمتني الحياة أنني أقترب من النجاح في علاقاتي مع الآخرين بقدر ما أمتلك من حسن الخلق، و لين الجانب، و شجاعة الاعتذار، و سلامة الصدر، و إحسان الظن بالآخرين، وإعطائهم حق الخطأ، و التماس الأعذار لهم، و العفو عن زلاتهم، و حفظ ماء وجووههم، و تفهم طبيعتهم الإنسانية، و استيعاب حاجاتهم النفسية، و إدارك حقيقة أنهم ليسوا أنا و لن يكونوا أنا!

علمتني الحياة 6: وصفة العلاقات الناجحة

علمتني الحياة أن أفكاري و معتقداتي و تصوراتي للحياة لم تكن في يومٍ من الأيام، و ليست هي الآن، و لن تكون أبداً في المستقبل محل إجماع البشر مهما بذلت في سبيل ذلك من جهدٍ ووقتٍ و مال!

فما من عقيدةٍ أعتنقها، أو رأيٍ فقهي أتبعه، أو قيمةٍ اجتماعية ألتزم بها، أو توجهٍ فكريٍ أتبناه، أو رأيٍ سياسيٍ أقتنع به إلا و في الناس من يخالفني فيه!

و ما طرحت رأياً في أيٍ من هذه المجالات إلا انقسم من يسمعني إزاء ما أطرح إلى ثلاثة أقسام: مؤيدٌ و مخالفٌ و محايد.

و قد ثبت لي بالتجارب المتكررة أنني إن تعصبت، و ظهرت مني حدة و غلظة و نبرة جافة في مجادلة من يخالفني: ارتاب مني المحايد، و ازداد المخالف مني نفوراً و بعداً ... و أسوأ من هذا أن قلدني في تعصبي و غلظتي مؤيدٌ فزاد عدد المرتابين و عدد النافرين ... و خسر الجميع!

أما إن لنت، و ترفقت، و تجردت للحق، و أنصفت مخالفي، و حفظت له فضله، و قلدت الشافعي الذي ما ناظر أحداً إلا و تمنى أن يظهر الله الحق على لسان من يناظره ... كلما فعلت هذا اقترب مني المخالف، و مال إلى جهتي المحايد، و قلدني المؤيد ... و ربح الجميع!

علمتني الحياة 5: قوة المجموع!

علمتني الحياة أن الفرد الواحد مهما كان ألمعياً و عبقرياً و موسوعياً و صاحب خبرات زاخرة يبقى فرداً محدود الامكانيات، من السهل أن يقع في الارتجال، أو الاستعجال، أو سوء التقدير، أو الانحصار في زاوية واحدة من زوايا التفكير، أو أن يتورط في اتخاذ قرارات مبنية على معلومات غير دقيقة أو ناقصة، أو أن يخضع لتقلبات الأمزجة و الهمم التي لا ينجو منها بشر فيتقلب أداؤه معها بين صعود و هبوط.

العمل المؤسسي الجماعي المتناغم الذي يدار بروح الفريق و بآليات إدارية سليمة هو وحده القادر على معالجة تلك المثالب و جبر تلك النواقص و التقليل من أخطارها ...

و لهذا الكلام قرينة في عالم الكمبيوتر يفهمها أهل التخصص إذ أن فكرة بناء سوبر كمبيوتر بمعالج مركزي واحد فكرة متروكة هجرها العلماء منذ زمن بعيد و لم تعد مستخدمة، و حلت محلها شبكات الحوسبة التي تتكون من كمبيوترات كثيرة مترابطة تعمل معاً و تتعاون في تنفيذ المهام، و تتقاسم تخزين المعلومات و معالجتها.

و هذا تماماً ما يحصل في البشر إذا ترابطوا و اشتبكوا في صورة مؤسسية منظمة راسخة الأركان متناغمة ... بحيث تصبح مجاميع الذكاء و الشجاعة و الخبرة و الإخلاص التي يتحلى بها الأفراد تشكل كتلة واحدة تمتلك سوبر ذكاء، و سوبر شجاعة، و سوبر خبرة، و سوبر إخلاص.

لهذا فإنني أثق بقدرة فريق عمل منظم من عشرة أشخاص متوسطي الذكاء و الخبرة يفكرون معاً و يعملون معاً أكثر بمائة ضعف من مقدار ثقتي بقدرة فرد مهما بلغ ذكاؤه و مهما بلغت خبرته!

علمتني الحياة 4: منهجية اتخاذ القرار

علمتني الحياة أن أتخذ قراراتي ليس فقط بعد دراسة منطلقاتي و التأكد من صفائها و صدقها، و ليس فقط بعد دراسة الخطوة التي انا مقدمٌ عليها و التأكد من صحتها و مشروعيتها ... و إنما كذلك بعد دراسة المآلات التي سيؤول فعلي إليها و النتائج التي ستترتب عليه ... 

ففي كثير من الأحيان كنت أجد نفسي أقدم على خطوات مشروعة، منطلقاً من نوايا صافية، و إذا بي أجد فعلي قد أفضى إلى مفسدة لم ينفع معها لا سلامة نيتي و لا صوابية فعلي ... 

و مثال هذا عندما حركتني ذات مرة نية صافية (منطلق سليم) لقول كلمة حق (فعل صائب) فإذا بها تؤدي إلى فتنة و مفسدة! و ذلك لأنني قلتها بدون مراعاة لمقتضى حال السامع و لا إلى المآل المؤسف الذي سيؤدي إليه قولي حتماً ...

سلامة المنطلق ... مشروعية الفعل ... إيجابية المآل

علمتني الحياة 3: التعامل مع الأخطاء

علمتني الحياة أن أبحث لكل خطأ عن تفسير ... ليس محاولةً لتبريره أو نفيه أو التقليل من خطره و إنما لترشيد ردة فعلي تجاهه و ضبط تقيمي له و حكمي على مرتكبه ...

فالخطأ الصغير ليس كالخطيئة الكبيرة ... 
و الخطأ العفوي ليس كالخطأ المتعمد ... 
و الخطأ بعد اجتهاد ليس كالخطأ الناتج عن إهمال ... 
و الخطأ الناشئ من محض الممارسة الاختيارية الحرة ليس كالخطأ الذي تفرزه ضغوط الواقع ... 
و الخطأ الذي يتراجع صاحبه عنه ليس كالخطأ الذي يصر فاعله عليه ... 
و الخطأ الذي يمكن معالجة آثاره ليس كالخطأ القاتل ... 
و الخطأ في الممارسة و التطبيق ليس كالخطأ في الفكر و التوجه ... 
و الخطأ الذي ينحصر ضرره في النفس ليس كالخطأ الذي يتعدى ضرره إلى الآخرين ...

علمتني الحياة 2: منهجية اتخاذ المواقف

علمتني الحياة أن لا أطلق الأحكام القطعية أو أن أكون مواقفي النهائية تجاه الأحداث إلا عندما تتوفر لدي المعطايات الكافية الحاكمة لذلك الحدث.

ففي كثير من الأحيان كنت أستعجل إصدار الأحكام بناءً على انطباعات شخصية أو نتيجة التأثر بدعاية ما أو تقليداً لمن حولي ثم مع مرور الأيام و تكشف المعطيات و الملابسات و اتضاح الصورة أكتشف خطا حكمي الأول. 

أما الآن فإنني أجتهد في التروي .. تماماً مثل القاضي الذي من الممكن أن تظل القضية مطروحةً أمامه أشهر طويلة و لا يصدر حكمه إلا بعد أن تجتمع لديه أقوال الإدعاء و ردود المتهم و شهادات الشهود و دفوع المحامين.

علمتني الحياة 1: منهجية التعامل مع الآخرين

علمتني الحياة أن أعاشر كل طائفة على أفضل ما فيها، و أن أعامل الناس بمقتضى مجموع ما فيهم من خير و شر ... 

إذ أنني وجدت أن البشر على اختلاف مِلّاتهم و أخلاقهم و أعراقهم و أجناسهم و أفكارهم ليس منهم ملاكٌ و لا شيطان، بل كلهم بشر تتجاذبهم نوازع الخير و نوازع الشر، و فيهم مقادير مختلطة من أخلاقٍ صالحة و أخرى طالحة مع تفاوتٍ في النِسب ... 

فلا يخلو إنسان من خيرٍ يمكن أن أستفيدَ منه، و شرٍ يجوز لي أن أنكره و أن أتبرأ منه إن لم أستطع أن أغيره بطيب النصح، و حسن المعاشرة، و المجادلة بالتي هي أحسن.

و لم أكن بحاجة إلى أن أذهب بعيداً في تأملاتي حتى أصل إلى هذه النتيجة، فلقد وجدتها شاخصةً في نفسي التي بين جنبي .. فها أنا أتذكر تقلباتي بين ذنبٍ و توبة، و بين همةٍ و ضعف، و بين إقدامٍ و إحجام، و بين خطأ و صواب، و بين فكرةٍ مغلوطة تورطت فيها و عدولٍ عنها إلى فكرة أصوب و هكذا ....

فلو كان مستساغاً لي أن أقاطع شخصاً أو أن أقصيه من حياتي لما فيه من نوازع الشر، أو لأنه صدرت منه أخطاء لبدأت بنفسي فأنا أعلم الناس بما فيها من عيوب و أخطاء و كوارث.

و لكن كما علمتني الحياة أن أتعايش مع نفسي رغم أنها مفضوحة أمامي فقد علمتني كذلك أن أتعايش مع غيري: أوالي كل خير و أبرأ من كل شر ... و لا أبالي من أي إناءٍ خرج هذا أو ذاك.

الأحد، 14 أكتوبر 2012

الجدية الفردية لا تكفي!



تحلي أفراد تجمع بشري ما  بالجدية الفردية أمر ضروري و لكنه غير كافٍ لنهوض و تقدم ذلك التجمع، إذ لابد أن تقترن الجدية الفردية بنوع آخر من الجدية و هو "الجدية الجماعية".

و إذا اعتبرنا أن الجدية الفردية هي المدخل لنجاح الأشخاص منفردين كلٌ على حدة، فإن الجدية الجماعية هي أساس نجاح الفكرة التي تَجمَّع هؤلاء الأفراد من أجلها.  

فنجاح الأفراد منفصلين لا يعني بالضرورة أن الفكرة قد نجحت، و ذلك لأن نجاح الفرد يقاس بالانجازات و المكاسب الشخصية، أما نجاح الفكرة فيتجاوز ذلك و يقاس بمقدار القرب أو البعد من الأهداف الكلية المنبثقة من الفكرة ذاتها و الهمموم المشتركة للأفراد.

فما الفرق إذن بين الجدية الفردية و الجدية الجماعية؟ و هل يمكن أن يكون هناك تجمع من أفراد جادين و لكنهم لا يمتلكون "جدية جماعية" فيكون الفشل حليفهم؟  و لماذا الجدية الفردية للأفراد لا تكفي؟

الجدية الفردية تعني تحلي الفرد بحالة من التحفز، و الحماسة الذاتية، و الإيمان العميق بالفكرة و الإخلاص لها، و البذل الدائم للوقت و الجهد في سبيلها. توفر هذه الصفات لدى أفراد تجمع ما  كفيل بأن يجعل هذا التجمع يعمل و يبذل جهد ووقت و يستنفذ موارد، و لكنه لا يكفي لضمان أن هذا العمل يسير في الاتجاه الصحيح و بالأسلوب الأنجع، أو أنه ياتي بأكبر قدر يمكن تحصيله من الثمار و الانجازات. 

و لذلك يلزم لأي تجمع بشري صفات إضافية تسد هذه الثغرات و توفر الضمانات الإضافية اللازمة، و تلك الصفات هي ما تلخصه عبارة "الجدية الجماعية"، و من هذه الصفات:

*  القدرة على التخطيط الجماعي بشكل يضمن أن الخطة يشارك في صياغتها الجميع ثم يتبناها الجميع.

*  القدرة على التنظيم و ما يتطلبه هذا من تحديد المسؤوليات و توزيع المهام و هيكلة و مأسسة العمل.

*  ممارسة الشورى و الوفاء الكامل بمتطلباتها و الالتزام التام بنتائجها و مخرجاتها. و هذا يتطلب السماح لخطة واحدة بالعمل عند تعدد الآراء، و عدم السماح أبداً لخطط متعددة متضاربة أو غير منسجمة أن تعمل معاً، مع ضرورة إنكار الذات و مشاركة جميع الأفراد في تنفيذ الخطة التي أفرزتها الشورى حتى و إن كانت في بعض أو كل تفصيلاتها مخالفة لرأي بعضهم.

*  توفر آليات محددة يتوافق عليها المجموع للرقابة و المتابعة و التقييم، ثم تفعيل هذه الآليات و استعمالها على الدوام بمسؤولية و موضوعية و بلا إفراط أو تفريط.

*  توفر نظام داخلي أو قانون واضح  محدد  شامل يضبط العلاقات و يحدد الحقوق و الواجبات و ينظم العمليات المختلفة.  شريطة أن ينضوي الجميع تحت هذا النظام في كل الأوقات و تحت كل الظروف بلا استثناءات.

*  توفر قدر كبير من الواقعية و فهم طبيعة الحياة ليس فقط عند التعاطي مع المحيط الخارجي، و لكن كذلك عند التفاعل مع المحيط الداخلي و مع الذات، و من أمثلة ذلك إعطاء العاملين في مواقع المسؤولية حق الخطأ (في مواضع الاجتهاد)، و إدراك أن الصواب في كثير من الأحيان لا يمكن عملياً الوصول إليه إلا من خلال دورة التجربة و الخطأ.


و ما ينطبق على البشر ينطبق على التكتلات إذا ما جمعها وعاء أكبر،  فعلى سبيل المثال: كما أن كلاً من الجدية الفردية و الجدية الجماعية مطلوب تحققهما معاً في حزب سياسي لكي ينجح في تحقيق أهدافه السياسية و تطبيق أطروحاته الفكرية و برامجه الإصلاحية، فإن الجدية الفردية لآحاد تلك الاحزاب، و الجدية الجماعية لمجموع هذه الأحزاب كلاهما مطلوب و أساسي لنجاح الوطن.

على كل عنصر في مجموعة - سواءً كان هذا العنصر فرداً في مؤسسة أو قسماً في شركة أو حزباً سياسياً في وطن -  أن يدرك أنه مطالب ليس فقط بأن يكون جاداً في ذاته فحسب مهما بلغت جديته تلك من العمق و الصرامة، بل عليه أن يكون هو و أشباهه من العناصر متحلون جميعاً بجدية جماعية من ذلك النوع الذي شرحت بعض صفاته في الأعلى. 

بغير هذه الجدية ثنائية الأركان، تضيع البوصلة، و تغرق السفينة، و يتوه الجميع في دهاليز اللهو.

الجمعة، 7 سبتمبر 2012

حالة التململ الفلسطيني: مظاهر، أسباب، و مقدمات للحل



لا يستطيع أي مراقب للساحة الفلسطينية أن ينكر أن هذه الساحة تشهد مؤخراً حالة من التململ الشعبي. تتجلى معالم هذا التململ في عبارات التذمر و عدم الرضا التي ملأت الفضاء الإلكتروني و التي تناقلتها الألسن في التجمعات العائلية و دردشات الأصدقاء و أحاديث الحواري، هذا إلى جانب ما بدأ الشارع يشهده فعلاً من بعض صور الاحتجاج الميداني. 

هذه الحالة تستدعي من الجميع التحرك السريع و الفوري للتفاعل معها و استباق أي أضرار ممكن أن تنتج عن سوء تقدير للحالة أو سوء إدارة لها. 

و أول ما يلزمنا فعله هو إدراك أبعاد الموضوع إدراكاً تاماً حتى تكون ردات أفعالنا و طريقة تفاعلنا قائمة على بينة و بصيرة و وضوح رؤية، و حتى ننأى بأنفسنا عن العشوائية و التخبط في القرارات، أو الإقدام على أفعال أو ردات أفعال متهورة تضر أكثر مما تنفع.

و كمساهمة مني في إلقاء بعض الضوء على المشهد الفلسطيني الحالي سأحاول أن أطرح مجموعة من النقاط التي أرى أنها تمثل مظاهر أو أسباب للحالة أو خطوات تقربنا من الحل.

أما مظاهر حالة التململ  كما لمستها من خلال مراقبتي فهي:
  1. أنها حقيقية و تلقائية،  فالتجارب السابقة قد تدفع البعض إلى الاعتقاد بأن ما يجري هو تكرار لحراكات سابقة كانت مفتعلة أكثر منها صادقة، و ناتجة عن تعبئة و تحريض أكثر منها عن قناعة و تلقائية.  الحالة الحالية على خلاف أغلب ما سبق هي حالة تململ حقيقية شعبية صرفة، ليست مصطنعة و لا موجهة و لا معبأة.
  2. أنها تجاوزت الحدود الفصائيلة و تخطتها،  فعلى خلاف ما كنا نراه سابقاً من حالات تذمر فئوية أو حزبية كنوع من النكاية و الكيد بالفصيل المخالف الموجود في الحكم، فإن ما نشهده اليوم قد تجاوز هذه الحالة، و بدأنا نسمع التذمر من جميع الأطراف تجاه جميع الأطراف بما في ذلك من هم بعيدون عن التحزبات و العصبيات من عموم الناس.
  3. أنها تخطت حواجز الجغرافيا،  فهي ليست خاصة بغزة دون الضفة او الضفة دون غزة، أو بمحافظة دون أخرى، أو بمدينة دون أخرى. عبارات تذمر متشابهة و شكاوى متطابقة تسمعها في كل المدن، بل إن بعض أخبار هذا التذمر وصلت إلى التجمعات الفلسطينية في الشتات و بدأ البعض هناك يرددها و يتفاعل معها.
  4. أنها حالة تململ، و قد حاولت أن أكون دقيقاً في اختيار هذه الكلمة -تململ- للتعبير عن الحالة الشعبية الحالية، إذ أنني لا أريد أن أبالغ أو أهول أو أضخم الأمر أو أن أحمله فوق ما يحتمل،  فهي ليست حراكاً و لا انتفاضة و لا ثورة حتى الآن، و لكن التململ هو الخطوة الأولى التي تسبق الحراك الذي بدوره يتصاعد حتى يصل إلى ثورة أو انتفاضة إذا لم يستدرك.
  5. أنها متصاعدة، إذ أستطيع أن أقول من خلال مراقبتي أن أصوات النقد و الاعتراض ليست في معدل أو منحنى طبيعي كتلك التي تشهدها كل دول العالم من النوع الذي يأتي و يذهب و يتصاعد و ينخفض بحسب الظروف و التقلبات. هي حالة متصاعدة مثل كرة الثلج،  قد تختلف سرعة دوران هذه الكرة فتسرع أحياناً و تبطئ أحياناً أخرى و لكنها مستمرة في حركتها التصاعدية التراكمية بلا توقف.

هذه المظاهر يجب أن تدق نواقيس خطر، و يجب أن يستوعبها من هم في مواقع المسؤولية، و أن يناقشوها في اجتماعاتهم بجدية و اهتمام و من خلال دراسة متأنية مستفيضة، و أن لا يقعوا في خطأ التقليل من شأنها أو التعامل معها بنوع من المكابرة أو العناد أو العشوائية.

و أهم ما يجب أن يكون مطروحاً على طاولة النقاش هو بحث الأسباب الرئيسية التي وصلت بنا إلى هذا الوضع. 

قد يقول قائل أن تردي الأوضاع الاقتصادية، و زيادة معدلات البطالة، و نقص الموارد، و الغلاء، و حالة الحصار و ما شابه ذلك من قضايا  هي الدافع الأساسي للتذمر.

لا أستطيع أن أنكر أن هذه الأمور كلها هي من العوامل المساعدة على التذمر، و لكنها ليست الأسباب الرئيسية من وجهة نظري، و دليلي في ذلك أن الشعب الفلسطيني طوال تاريخه الحديث يعيش في حالة شبيهة بما نحن عليه الآن من شظف عيش بل ربما أصعب و أقسى تخللتها نكبة و نكسة و هجرتين و أربعة حروب و انتفاضتين، و مع ذلك لم يتذمر الناس و لم يضيقوا بأنفسهم و بمن يقودونهم ذرعاً، بل على العكس لم تزدهم المعاناة إلا صموداً و إصراراً و ثباتاً و تماسكاً.

و عليه فلا أظن أن هذه العوامل الاقتصادية هي الباعث الأساسي على التذمر. أعتقد أن المحركات الأساسية لحالة التململ يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  1. انسداد الأفق،  بل انسداد الآفاق كلها، و أعني هنا آفاق الحل للقضية الفلسطينية، فطريق العمل السياسي المتمثل في المفاوضات و العمل الدبلوماسي وصل إلى طريق مسدود و موت نهائي و يأس تام من العودة إلى الحياة، و طريق المقاومة كذلك وصل هو الآخر إلى طريق مسدود  أو على الأقل دخل في حالة من ضبابية الأفق.  و بالتالي أصبح المواطن يعاني و يضحي و يدفع الأثمان الغالية في كلا شقي الوطن دون أن يعرف بالضبط إلى أين هو ذاهب،   و لا يعرف مقابل ماذا بالتحديد هو يدفع الثمن الغالي، و أي أفق بالضبط عليه ان يستطلع و يراقب ليعرف مدى قربه أو بعده من أهدافه و طموحاته.  هذه الحالة من ضبابية الرؤية و انسداد الأفق غير مسبوقة في التاريخ الفلسطيني، و لا شك عندي  أن لها انعكاسات نفسية ضخمة على الناس قللت من قدرتهم على التحمل و الصبر و الاصطفاف خلف القيادات التي تدير القضية و توجه الدفة، و كما قيل (ليس للحياة قيمة إذا لم يكن فيها شيء نناضل من أجله)  و هذا هو الشعور الذي تسلل لنفوس الناس مع مرور الأيام للأسف. أقصد أن غياب آفاق النضال قلل قمية الحياة لدى الناس و من هنا كان التذمر.
  2. حالة الانقسام: فبغض النظر عن التفسيرات المختلفة لحالة الإنقسام و العوامل التي أدت إليها، و بغض النظر عن  من يتحمل المسؤولية عنها، و بغض النظر عن من المصيب و من المخطئ فيها، بغض النظر عن هذا كله  فإننا جميعاً و منذ وقوع الإنقسام و نحن نشعر أننا نمر في فترة استثنائية شاذة غير طبيعية مهما بدت جيدة لبعضنا و مهما حاولنا التعايش معها.  المعنى الذي أريد أن أقوله أن الحالة النفسية للمواطن الفلسطيني منذ وقع الانقسام في مساحتي الشعور و لا الشعور تسيطر عليها حالة من عدم الارتياح و عدم الاستقرار الداخلي. هذه النفسية تعاضدت مع ما وصفته في النقطة السابقة ووفرتا معاً أسباب أكبر للتذمر و الضيق و التململ.
  3. الفشل الجماعي في تحمل المسؤولية. قد يكون من الصعب تحميل المسؤولية لجهة بعينها او لفرد بعينه، إذ أنك ستجد عند كل طرف تفسيرات تبريرية تعفيه هو من المسؤولية و تلقى باللائمة على الآخرين، و ربما تجد كلامه مقنعاً أو فيه شيء من المنطلق على الأقل!  و لكني أعتقد أن المشكلة الرئيسية ليست في التيارات إذا ما تناولناها كلاً على حدة، و لكنها مشكلة في المجموع،  أي في التخطيط معاً و العمل معاً على تنوعنا و اختلافنا.  بمعنى آخر نحن فشلنا طوال سنوات كثيرة مضت في الاتفاق على خطة أو رؤية واحدة، و فشلنا كذلك في السماح لأي خطة أو رؤية مقترحة أن يتم تجريبها كاملة دون إحداث حالة من التضارب بين خطط متعددة متناقضة. هذه الحالة من  تعدد الخطط العاملة أدت إلى حالة تضارب و تخبط فشلت معها كل الخطط جملةً واحدة، و أدت في النهاية إلى شعور المواطن بالتيه و التخبط و الضياع.

هذه بعض الأسباب الجذرية لحالة التذمر الحالية باعتقادي، و القضايا الأخرى ما هي إلا أسباب فرعية أو ظاهرية من وجهة نظري.

و الآن ما هو الحل؟  لن أستطيع بمفردي أن أضع حلاً لهذه المشكلة المركبة المعقدة، و حتى لو تمكنت من وضع تصور مقترح فلن تكفي هذه التدوينة لعرضه، و لذلك سأكتفي بعرض مقدمات للحل. هذه المقدمات تمثل شروطاً لازمة لابد أن نحققها و نحن نخطو في طريقنا نحو الحل:

  1. الإعتراف بالفشل الجماعي: لابد أن نخرج من مربع المكابرة و من دائرة التبرير و من دوامة تبرئة الذات و اتهام الآخر، لابد أن نعترف أننا فشلنا في أن نعمل معاً، قد يكون كل فصيل نجح في أن يضع تصور مقنع له و لأفراده، و ربما يكون قد نجح في اتخاذ خطوات عملية إلى الأمام في ضوء هذا التصور، و قد يكون تصور كل فصيل صحيح و سليم -ولو نسبياً- بمفرده، و لكننا مع ذلك فشلنا في العمل معاً فكان الإخفاق من نصيب الجميع كما سبق و شرحت في الأسباب في الأعلى.  و عندما أقول الفشل الجماعي فإنني أجمع الجميع و نفسي و كل فرد فلسطيني،  و ذلك لأن كل واحد منا ساهم بشكل أو بآخر في هذا الفشل سواءً من خلال القيام بأعمال سلبية ساهمت في تسميم الأجواء و التمهيد للفشل، أو من خلال السكوت و التقاعس عن معاكسة السلب بإيجاب، و مواجهة الخطأ بنصيحة صريحة.
  2. إعادة تعريف المشكلة: إذ لا يمكن إيجاد علاج ناجع بدون تشخيص المشكلة تشخصياً سليماً.  فمن الخطأ مثلاً أن نسطح المشكلة بحيث نعتقد أنها بدأت مع هذه الحكومة أو تلك ، أو تقزيمها و حصرها في سوء إدارة الوزير الفلاني أو المدير العلاني. ما أراه من وجهة نظري أن ما نشهده حالياً ما هو إلا خطوات متقدمة في مسارات خاطئة سرنا بها منذ وقت طويل فوصلت بنا إلى حقل أشواك أو نهايات مسدودة. ما هو مطلوب منا كمقدمة للحل هو أن نمارس عملية عصف ذهني موسعة نقوم من خلالها بإعادة تعريف المشكلة بحيث نعود إلى بداياتها الأولى و جذورها العميقة و نتراجع إلى ما قبل الخطوة الأولى في المسار الخاطئ الذي سلكناه. هذا العصف الذهني هو واجب جماعي يحتاج إلى نقاش موسع و تناقح أفكار و آراء.
  3. تحديد المطالب: علينا أن نحول عبارات التذمر العامة الفضفاضة إلى مطالب واضحة عملية واقعية قابلة للتنفيذ. و الواقعية  هنا مطلوبة بشدة،   فعلينا أن ندرك مثلاً أن كثير من الظروف الاقتصادية و الأمنية و السياسية لن تتغير كثيراً بتغير حكومة و حلول حكومة جديدة، فالعوامل المسببة لهذا التردي الاقتصادي لها خلفيات و أسباب أبعد من ذلك. مطالبنا يجب أن تتمحور بالأساس حول أسباب الفشل كالمطالبة بصياغة استراتيجية وطنية موحدة للتعامل مع القضية الفلسطينية و إيجاد آليات عملية جامعة متفق عليها لتنفيذ هذه الاستراتيجية، و يتضمن هذا بشكل تلقائي إنهاء كل الأوضاع الشاذة كالانقسام السياسي و ما نتج عنه.
  4. رفض الحلول الترقيعية و السعي نحو خلق أجواء جديدة: فالأمر لم يعد يحتمل الترقيع مهما كانت الرقعة جميلة و براقة. لا يمكن إنهاء حالة التذمر إلا بخلق أجواء جديدة يشعر المواطن معها بتحول مفصلي كبير و تغير في المسارات و ليس مجرد تغيير من يتولى عجلة القيادة.
  5. استرداد الثقة بالنفس وعدم اليأس : كلامي هذا يجب أن لا يدفعنا إلى الشعور بخيبة الأمل، أو أن الفشل في جزئية العمل معاً  يعني أننا فشلنا فشلاً مطلقاً في كل شيء فهذا غير صحيح، فعلى الرغم من تضارب مسارات تحركنا إلا أننا و بفضل الله تمكنا من تناوش إنجازات من على جانبي الطريق تستحق أن نفتخر بها و أن نستعملها كزاد للتصحيح. 

هذه هي مساهمتي في محاولة فهم أبعاد الوضع الحالي، و قراءة المشهد المعقد، و التنبيه شبه المبكر على ما سيؤول إليه من نهايات إذا لم يسارع العقلاء بخطوات استدراكية واعية تعالج الجذور و تخلق بيئة جديدة.

الخميس، 23 أغسطس 2012

هل يجيز الإسلام المعارضة السياسية للحاكم في ظل المرجعية الإسلامية؟



صعود التيارات السياسية ذات المرجعية الإسلامية إلى سدة الحكم في دول الثورات العربية يستلزم منا أن نفحص ما تمليه المرجعية الفكرية لهذه التيارات على أصحابها من توجهات سياسية ستنعكس حتماً على ممارستهم السياسية و من ثم على واقع المجتمعات التي يحكموها، و سأتوقف اليوم عند حق المعارضة السياسية  للحاكم في ظل المرجعية الإسلامية.

هناك عاملان أساسيان يجعلان هذا الموضوع غايةً في الأهمية في هذه المرحلة، و هما اللذان دفعاني للكتابة حول هذه المسألة:

* العامل الأول يتمثل في حقيقة أن قمع المعارضة السياسية، و إغلاق كل الأبواب في وجهها، و ملاحقتها و التنكيل بها من قبل الحكام المستبدين كان أحد أهم الأسباب التي حركت الشعوب و دفعتها إلى الميادين و أثارتها على الحكام. و هذا يجعلنا في حاجة إلى أن نطمئن أن الواقع الجديد الذي أنشأته الثورات و أتى بالتيارات الإسلامية إلى الحكم لن يكرر آلام الماضي. و تتضاعف الحاجة إلى هذه الطمأنة في ظل شيوع الكثير من الشبهات و التشويهات و التشنيعات التي خلقت هواجس لدى شريحة غير قليلة من الناس جعلتهم يتخوفون على الحريات بشكل عام و على الحريات السياسية منها بالأخص في ظل حكم يستند إلى مرجعية إسلامية.

* العامل الثاني هو ما نشهده من حالة التباس أو خلط بين العديد من المفاهيم المتناثرة كطاعة و لي الأمر في المنشط و المكره و تحريم الخروج على الحاكم و أشباهها من المسائل التي يتم تناولها عادةً تناولاً مجتزءاً ينتج عنه فهماً قاصراً أو خاطئاً بالكلية للحقوق السياسية للأفراد و الجماعات التي أقرها الإسلام و مارسها المسلمون على تعاقب أجيالهم و دولهم. هذا الفهم الخاطئ ليس مقصوراً على الفئات الغير مؤدلجة في الشعوب العربية و لا على التيارات التي تتبنى مرجعيات أخرى، و إنما قد تجده كذلك في داخل التيارات الإسلامية نفسها!

خلاصة ما وصلت إليه من بحث و مطالعة في المسألة هي أن الإسلام ينظر إلى المعارضة السياسية للحاكم على أنها ضرورة لازمة، بل واجب شرعي على المستويين الجماعي (فرض الكفاية) و على المستوى الفردي (فرض العين). و قد وجدت أن هذه الضرورة و هذا الإيجاب راسخان و جليان في الطرح النظري (النصوص الشرعية و شروحها) و في الممارسة العملية للمسلمين في دولهم المتعاقبة، بل و في أفكار الكثير من المجددين الإسلاميين المعاصرين من أفراد و جماعات.

* المعارضة السياسية في نصوص الشريعة الإسلامية

أما نظرياً: فهذا قول الله عز و جل في سورة البقرة (آية 251):"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" و قوله جل في علاه في سورة الحج (آية 40): "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز".  انظر كيف جعل الله تدافع الناس حماية للأرض من الفساد و حماية للدين نفسه مرموزاً لذلك بأماكن العبادة، بل جعله من موجبات نصرة الله القوي العزيز! و المعارضة السياسية ما هي إلا شكل من أشكال التدافع الذي ذهبت إليه الآية.

و رغم أن التفسير الدارج لهذه الآية هو أن الله يدفع أذى المشركين بجهاد المسلمين لهم، إلا أنني وجدت في تفسير الطبري ما يؤيد ما ذهبت إليه من اتساع المعنى المقصود في الآية ليشمل معارضة الناس لبعضهم البعض في شئون الدين و الدنيا، إذ يقول بعد أن استعرض الأقوال المختلفة في تفسير الآية: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله -تعالى ذِكرُه- أخبر أنه لولا دفاعه الناس بعضهم ببعض، لهُدِم ما ذَكر (...) ومنه كفه ببعضهم التظالم، كالسلطان الذي كف به رعيته عن التظالم بينهم، ومنه كفه لمن أجاز شهادته بينهم ببعضهم عن الذهاب بحق من له قبله حق، ونحو ذلك. وكل ذلك دفع منه الناس بعضهم عن بعض ، لولا ذلك لتظالموا ، فهدم القاهرون صوامع المقهورين وبيعهم وما سمى جل ثناؤه. ولم يضع الله تعالى دلالة في عقل على أنه عنى من ذلك بعضا دون بعض، ولا جاء بأن ذلك كذلك خبر يجب التسليم له، فذلك على الظاهر والعموم على ما قد بينته قبل لعموم ظاهر ذلك جميع ما ذكرنا."  

و في السنة النبوية أحاديث كثيرة لا تجيز معارضة الحاكم فحسب بل تجعلها ممارسة مندوبة بل واجبة كلما دعت الحاجة. و من هذه الأحاديث ما رواه مسلم من حديث تميم الداري أنه صلى الله عليه و سلم قال: ((الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم))  و النصيحة في اللغة معناها: تخليص الشيء من شوائبه، و عليه فقد جعل الرسول صلى الله عليه و سلم سعي المسلمين إلى تنزيه الحاكم بتخليصه مما يشوبه و ما يرتكبه من أخطاء من أساسات الدين و ليس فقط من مصلحات الدنيا!

و من الأحاديث كذلك ما رواه أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو: ((إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تودع منهم))، و منها كذلك ما رواه أبو داوود من حديث أبي بكر: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)) .

المعارضة السياسية في الممارسة العملية للمسلمين:

أما عملياً فالأمثلة التي مررت بها خلال مطالعتي لا مجال لحصرها هنا و إلا لطال بنا المقام، و لكن على عجالة:

  • فإنك تجد نموذج للمعارضة السياسية في إقرار الني صلى الله عليه و سلم مراجعة الصحابة له في اختياراته السياسية و نزوله عند آرائهم فيما لم ينزل به وحي، كتغيير موقع نزول الجيش يوم البدر نزولاً عند رأي الحباب الذي اعترض على الموقع الأول الذي اختاره صلى الله عليه و سلم.
  • و تجدها في خروج النبي صلى الله عليه و سلم لملاقاة المشركين خارج المدينة نزولاً عند رأي الشباب خلافاً لما كان يفضله رسول الله صلى الله عليه و سلم.
  • و تجدها في إقرار النبي صلى الله عليه و سلم لمعارضة الصحابة لخالد بن الوليد الذي كان أميراً عليهم في إحدى السرايا و خالفوه في اجتهاده بعد المعركة.
  • و تجدها صريحة في خطبة أبي بكر التي افتتح بها حكمه و جعل فيها المعارضة السياسية ليس فقط حق متاح للرعية بل واجب تقوم به خيرية الرعية على سبيل القصر و الحصر: "لا خير فيكم إن لم تقولوها، و لا خير فينا إن لم نسمعها" ... "إن أحسنت فأعينوني، و إن أسأت فقوموني".
  • و تجدها في قول عمر: "أيها الناس، من رأى منكم في اعوجاجاً فليقومني" فقال له رجل: "والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا"  فقال عمر: "الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقوم اعوجاج عمر بحد سيفه"!
  • و تجدها في معارضة عمر لموقف أبي بكر من مانعي الزكاة أول الأمر.
  • و تجدها في موقف عمر من جمهرة من الصحابة اعترضوا على قراره بجعل البلاد المفتوحة أرض وقف و عدم تقسيمها غنائم و كان بينهم بلال و معاذ، فظل عاماً كاملاً يناقشهم في المسألة و لم يفرض عليهم رأيه و لم يزد على أن قال:  "اللهم اكفني بلالا وأصحاب بلال"!
  • و تجدها في عدم انكار الخليفة عثمان لفعل أبي ذر على الرغم من اختلافه معه في اجتهاده، عندما نزل أبو ذر معتصماً في شوارع دمشق محتجاً على رأي معاوية والي الشام في مسألة و مخالفاً له في منهجه فيها.
  • و تجدها في موقف أبي سعيد الخدري الصحابي الجليل لما وقف للخليفة مروان ابن الحكم و قاطعه عن خطبة العيد و أنكر عليه تقديمه الخطبة على الصلاة لأهداف سياسية خلافاً لسنة النبي صلى الله عليه و سلم.
  • و تجدها في معارضة الحسين و من معه ليزيد بن معاوية.
  • و تجدها في معارضة الإمام أحمد بن حنبل و أحمد بن نصر الخزاعي لثلاثة خلفاء متعاقبين: المأمون و المعتصم و الواثق.
  • و غيرها العشرات بل المئات من الأمثلة.

المعارضة السياسية في الفكر و الممارسة الإسلامية المعاصرين:

كذلك تجد فيما كتبه مجتهدون إسلاميون معاصرون ما يبني على المعنى السلفي الأصيل القديم و يؤكد على ضرورة مزاولة ما دأب عليه أجيال الصحابة من معارضة للحاكم و تقويمه حين يخطئ. و المؤلفات الفكرية الإسلامية الحديثة التي تناولت مسألة المعارضة السياسية  كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر: "من فقه الدولة في الإسلام" للقرضاوي في فصل تعدد الأحزاب في الدولة الإسلامية، و "أصول المعارضة السياسية في الإسلام" لعبود العسكري، و "السياسية الشرعية: مدخل إلى تجديد الخطاب الإسلامي" لعبد الله الكيلاني الصادر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي،  و "الفكر السياسي عند ابن تيمية" لبسام فرج  في الباب الثالث من الكتاب المتعلق بالعقد السياسي، و غيرها الكثير.

و كإطلالة سريعة على ما ورد في هذه الانتاجات الفكرية دعونا نتوقف مع ما كتبه القرضاوي الذي بنى على فقه الأوائل ما يناسب روح العصر فجعل التعددية السياسية في صورة أحزاب سياسية في ظل الحكم الإسلامي مسألة واجبة شرعاً من باب أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، يقول:  

"و قد استطاعت البشرية في عصرنا بعد صراع مرير و كفاح طويل أن تصل إلى صيغة للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و تقويم عوج السلطان، دون إراقة للدماء، و تلك هي وجود "قوى سياسية" لا تقدر السلطة الحاكمة على القضاء عليها بسهولة، وهي ما يطلق عليها: "الأحزاب". 
(...)
فإذا أردنا أن يكون لفريضة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر معناها و قوتها و أثرها في عصرنا فلا يكفي أن تظل فريضة فردية محدودة الأثر (...)

إن تكوين هذه الأحزاب أو الجماعات السياسية، أصبحت وسيلة لازمة (...) و هي التي يمكن بها الاحتساب على الحكومة و القيام بواجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" 

و كلامه في كتاب "من فقه الدولة في الإسلام" حول هذه المسألة رائع و عميق وودت لو تمكنت من نقله كله هنا لولا ضيق المقام.

أما في الممارسة فالراصد لحركة المعارضة في العالم العربي سيجد أن التيارات الإسلامية قد تقدمت صفوفها و ثبتت في مواجهة امتحانات المستبدين لهم، و لا يوجد سبب يجعل هذه التيارات التي مارست المعارضة عشرات السنوات تنقلب على ما مارسته و ترفضه عند وصولها للسلطة، كما أننا لم نر أي مؤشر يجعلنا نقلق أو نضطرب بل إن الغالبية العظمى من المؤشرات السابقة و الراهنة تسير في اتجاه الطمأنة التي لا تغنى عن ضرورة الحذر و أداء واجب التدافع الذي يدفع الفساد دفعاً.

هل المعارضة السياسية الحزبية المنظمة المتعددة تتعارض مع وجوب وحدة صف المسلمين؟

لا تعارض إذا كانت التعددية السياسية هي تعددية تنوع في البرامج و السياسيات و آليات العمل أو حتى الأولويات، و هذا هو مفهوم المعارضة الذي يقبله الإسلام، أما ما يتجاوز ذلك فهو أساساً يخرج عن حدود المعارضة البناءة إلى التناحر على السلطة على حساب المبادئ و هو سلوك منبوذ ترفضه النفوس السوية و المنطق المعتدل.

هل المعارضة السياسية تتنافى مع طاعة ولي الأمر الواجبة بنصوص الشرع؟

لا تعارض، فالله عز و جل الذي أوجب الطاعة للحاكم جعلها طاعة مشروطة لا مطلقة، و لم يطالب الله المسلمين بطاعة أميرهم بدون مناقشته، بل على العكس أوجب عليهم نصحه و أمره بالمعروف و نهيه عن المنكر، و فرض على الحاكم في المقابل واجب الشورى. فإن أهمل الحاكم واجب الشورى فقد ارتكب معصية قد تسوغ عدم الطاعة عند احتمال وقوع أي مفسدة.

هذا بالإضافة إلى الأدلة النقلية و العملية التي أوردتها من نصوص الوحيين و فعل السلف الصالح التي مارسوا فيها المعارضة و الطاعة معاً دون تعارض.

استدراك لازم

الممارسة السياسية الغربية الحديثة على الرغم مما فيها من فوائد وجب علينا الاستفادة منها و اقتباسها و الترحيب بها، إلا أنها لا يجب أن تكون بكليتها بحلوها و مرها مرجعية لممارساتنا السياسية، فعلى سبيل المثال إذا كان مقبولاً في الغرب ممارسة التتنابز و التلامز بين الأحزاب السياسية و استعمال النميمة السياسية و التجريح و الإهانات للأشخاص و الهيئات كأحد معالم الحرية السياسية و أدوات المعارضة السياسية و التعبير عن الرأي المخالف، فليس بالضرورة أن ننقل هذا السلوك المتخاصم مع الأخلاق في كثير من أشكاله إلى مجتمعاتنا و نمارسه و كأنه ظاهرة صحية فقط لأن الغرب يفعله.

المعارضة السياسية في الإسلام هي معارضة "النصيحة" و "بالتي هي أحسن" و "بالموعظة الحسنة"، و لا تعارض بين القوة و الصلابة في الحق و بين التزام الأخلاق، و التأثير الإيجابي للمعارضة ذات النوايا السليمة لا يتناسب طردياً مع ارتفاع الصوت و لا مع نسبة الشتائم أو التجريحات في الكلام.

و بالله التوفيق

الأربعاء، 15 أغسطس 2012

لماذا يفوز الإسلاميون في الانتخابات؟



عكفت في اليومين الماضيين على مطالعة مجموعة من المقالات و الدراسات و التحليلات و اللقاءات التلفزيونية لعدد من النخب الليبرالية و اليسارية و العلمانية  التي تحدثوا فيها عن رؤيتهم لصعود التيارات الإسلامية في الانتخابات البرلمانية و الرئاسية في دول الربيع العربي، و تفسيرهم لهذا الصعود و الأسباب التي تقف وراءه.

اهتمامي بالموضوع نابع أساساً من أنه على الرغم من سعادتي بصعود التيارات الإسلامية و تصدرها لساحات العمل السياسي في العالم العربي، إلا أنني أؤمن إيماناً تامًا بأن أحد أهم المقومات التي يلزم توفرها لنجاح  أي تيار يصل إلى الحكم هو وجود معارضة سياسية حقيقية قوية فاعلة  قادرة على إحداث حالة توازن سياسي و خلق بيئة تنافسية محفزة على الإبداع، و تحقيق سنة التدافع بين الناس التي جعلها الله عز و جل وقاية للأرض من الفساد: ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ ) (البقرة: الآية 251 ) 

أردت من خلال مطالعتي أن أعرف كيف تقرأ هذه النخب صعود الإسلاميين في مقابل فشلهم هم في نيل ثقة الشارع و في تحقيق نتائج مؤثرة في الانتخابات،  هل هم يعرفون حقاً الأسباب الحقيقية و الكاملة  وراء ذلك، و هل هم يحاولون إعادة ترتيب أوراقهم و تصويب خططهم و برامجهم في ضوء هذه المعرفة، أم أنهم أخطأوا التفسير و التقدير بطريقة ستؤدي بهم حتماً إلى فشل جديد؟

نتيجة اطلاعي جاءت مخيبة للآمال، إذ يبدو أن النخب الليبرالية و اليسارية في معظمها تسيطر عليها إحدى حالتين: إما أنها لا تعرف الحقيقة و غارقة في أوهام تفسيرات خاطئة، و إما أنها تعرف الحقيقة و لكنها لم تمتلك بعد الجرأة الأدبية الكافية لتعترف بها و لتتصرف في ضوء هذا الإعتراف فتصوب مسارها.

مازالت الكثير من النخب تعزو تفوق الإسلاميين إلى حالة المجتمع التي يفترضون أنها تشهد تفشي الجهل و الفقر بين الناس،  و نجاح الإسلاميين في استغلال هذه الظروف لتسويق شعارات رنانة فارغة من المضمون و الفكر، و في اللعب على أوتار العواطف الدينية للمجتمع و استغلال تدين الناس لتمرير أفكار رجعية و تحقيق مكاسب سياسية، و في استغلال فقر الناس و عوزهم من خلال تقديم رشاوى انتخابية في صورة معونات غذائية و زيت و سكر و طحين. هذا هو التفسير الذي تقدمه هذه النخب.

يقول أحدهم في مقال بعنوان "لماذا يفوز الإسلاميون؟" : "من بين الأسباب المهمة التى قادت إلى تسيد الإسلاميين المشهد الانتخابى العربى الراهن ، استغلالهم السيئ للعاطفة الدينية لدى شعوب المنطقة".

ويقول آخر: "هؤلاء هم من يصوتون للإسلاميين: البواب ..... و المُهرب."

أما  الكاتب الساخر جلال عامر -رحمه الله-  فيري  (كما عبر في أحد اللقاءات التلفزيونية) بأن الناس أقبلت على التيار الإسلامي و عزفت عن التيارات الليبرالية لأن الإنسان حتى يصبح ليبرالياً يحتاج إلى قراءة ألف كتاب!  و لكن حتى يصبح إسلامياً فلا يحتاج أكثر من مقاطعة الحلاق لمدة أسبوع (أي ليطلق لحيته)!

و هناك العشرات من الاقتباسات التي يمكن إيرادها تدور كلها حول معاني تزدري المجتمع و تصمه بالجهل من جهة، و تتهم التيارات الإسلامية بخداع الناس بشعارات فارغة من جهة أخرى.

و أريد من خلال هذا المقال أن أعرض ما أعتقد أنها الأسباب الحقيقية لصعود التيار الإسلامي علها تساعد التيارات المنافسة على معرفة السر و إدراك الحقيقة بعيداً عن خداع النفس أو التفكير التبريري.

لو نظرت إلى الثلاثين سنة الماضية ستجد أن الإسلاميين قد قدموا إسهامات حقيقية عملية في الكثير من الميادين و ليس مجرد شعارات كما يظن الليبرالييون:

  1. في مجال مقاومة الاحتلال و السعي نحو التحرر من الاستعمار ستجد أن الإسلامين قد تصدروا قوى المقاومة في كل بقعة عربية أو إسلامية تعرضت  للاحتلال او الاغتصاب، و قدموا نماذج بطولية مشهود لها بالبسالة و التضحية و الفداء، و الأمثلة على ذلك معروفة و أشهر من أن أذكر القارئ بها.
  2. و في مجال المعارضة السياسية، ستجد أن أقوى الأحزاب السياسية المعارضة طيلة السنوات الماضية التي عاشتها المنطقة في ظل الحكام المستبدين هي أحزاب إسلامية و ذلك في كل الدول العربية بلا استثناء بما في ذلك دول الخليج الغنية (و ما أخبار تيار الإصلاح في الإمارات و ما يتعرض له من تنكيل هذه الايام عنا ببعيد)،   و قد دفع الإسلاميون ثمن هذه المعارضة السياسية من أرواحهم و أموالهم و سني عمرهم في المعتقلات و غرف التحقيق و زنازين العزل الانفرادي.
  3. و في مجال العمل الخيري و الإغاثي تجد أن المؤسسات الإغاثية و الخيرية الإسلامية هي أكبر من يعمل بجد و دأب و تفاني لتقديم الخدمات الإغاثية و الإنسانية للمحتاجين في كل مناطق العالم العربي و الإسلامي، سواءً كان ذلك في صورة مساعدات غذائية أو حفر آبار مياه أو كفالة أيتام أو التكفل بعلاج مرضى أو تنفيذ مشاريع تشغيلية أو بناء مستوصفات خيرية أو توزيع أدوية مجانية، و يكفي أن أذكر أسماء مؤسسات مثل "الإغاثة الإسلامية" و "الندوة العالمية للشباب الإسلامي" و "حملة ائتلاف الخير"  كأمثلة  من بين مئات المؤسسات الإسلامية الأخرى العاملة في المجال الإغاثي و الخيري و التي تعدى عملها ليصل إلى غير العرب و غير المسلمين في مجاعات أفريقيا و كوارث هايتي و غيرها من المناطق في العالم. و أدعو القارئ إلى زيارة مواقع هذه المؤسسات و مطالعة تقاريرها التي تحتوي على ألوف بل عشرات ألوف المشاريع التي انجزتها حول العالم خلال السنوات الماضية.
  4. و في مجال العمل التربوي و الوعظي ستجد أن الوعاظ و المربيين و الدعاة الإسلاميين قد تفوقوا على من سواهم في هذا المضمار من حيث الكم و الكيف، و يكفي للدلالة على ذلك أن أضرب مثالاً بموقع "طريق الإسلام" الذي يحتوي قرابة 100,000 مادة صوتية سجلت إما في محاضرة أو ندوة أو دورة  في 28 موضوع رئيسي و قرابة 100 موضوع فرعي تناولت كافة شئون الدين و الدنيا من علوم شرعية و قضايا اجتماعية و موضوعات ثقافية و مستجدات سياسية و أفكار إدارية و مقترحات تنموية و غيرها، و قد تم تحميل  هذه المواد و الاستماع إليها عبر هذا الموقع أكثر من نصف مليار مرة!  و هذا مجرد مثال لموقع الكتروني واحد من بين مئات المواقع الشبيهة.  أمثلة أخرى ممكن مشاهدتها في نجاح مبادرات إعلامية إسلامية تربوية كقناة إقرأ و الرسالة و مجموعة قنوات المجد و طيور الجنة و كراميش و القدس و الحوار و فور شباب و غيرها من القنوات الإعلامية التي نجحت في استقطاب كم كبير من المشاهدين من مختلف الأعمار و المستويات و ساهمت في تثقيفهم و تربيتهم و التأثير الإيجابي فيهم.
  5. و في مجال الفكر تجد أن المكتبة العربية تزخر بكم ضخم من المؤلفات الإسلامية المعاصرة تقدر بعشرات الآلاف ليس فقط في مجال العلوم الشرعية بل حتى في علوم التربية و الأدب و الإدارة و التنمية و أنظمة الحكم و العلوم السياسية و حتى العلوم التطبيقية!  انظر مثلاً إلى المعهد العالمي للفكر الإسلامي الذي صدر عنه أكثر من 300 كتاب فكري رصين باللغة العربية خلال ال 30 سنة الماضية أي بمعدل 10 كتب في السنة، هذا بالإضافة إلى أكثر من 400 كتاب أخرى أصدرها المعهد  ب 22 لغة أخرى غير العربية، يضاف إلى هذا  مئات الأبحاث و المقالات و الدوريات الصادرة عن المعهد. و انظر مثلاً إلى مركز الإبداع التربوي الذي أسسه علي الحمادي من رموز الإسلاميين الإصلاحيين في الإمارات، و الذي صدر عنه ما يقارب ال 200 كتاب في مجالات إدارية و تنموية و مهارية موزعة على قرابة 35 سلسلة كلها تتناول الموضوعات الإدارية و التنموية بروح إسلامية واضحة، و انظر مثلاً إلى المفكر الإسلامي عبد الكريم بكار الذي كتب ما يقارب ال 40 كتاباً حول فكر النهضة و التغيير و التنمية، و غيره الكثير أمثال الدكتور يوسف القرضاوي صاحب سلسلة ترشيد الصحوة، و محمد الراشد صاحب سلسلة استراتيجيات الحركة الحيوية، و جاسم سلطان و رسائله التي وصلت 250 رسالة حول مشروعه الفكري مشروع النهضة، و سلمان العودة مشرف موقع مفكرة الإسلام، و طارق سويدان و كتاباته و حلقاته التلفزيونية في الإدارة و القيادة و فنون التغيير، و أحمد الشقيري و سلسلة برامجه التلفزيونية (خواطر و لو كان بيننا و غيرها)  التي وصلت إلى 300 حلقة هادفة في 10 مواسم، و غيرهم الكثير!
  6. و في مجال التنمية تجد أن الإسلاميين قدموا الكثير من المبادرات التنموية العملية الناجحة، منها على سبيل المثال مبادرة عمرو خالد و مشروع صناع الحياة القائم على فلسفة التنمية بالإيمان، و "مشروع النهضة" الخليجي الذي قاده جاسم سلطان من قطر و تحول إلى تيار تنموي قوي صادح، و مبادرة طارق سويدان و مشروع اكاديمية إعداد القادة التي خرجت مئات الشباب القيادي في العالم العربي، و غيرها الكثير من المبادرات.
  7. في مجال رعاية شئون الجاليات العربية و الإسلامية في الغرب تجد المؤسسات الإسلامية و المراكز الإسلامية تتصدر العمل الدعوي و العمل الاجتماعي و العمل التربوي و التعليمي و الثقافي و العمل الحقوقي و العمل التنموي المتخصص بشئون الجاليات في الغرب، و في التفاعل مع هموم العرب و المسلمين في كل مكان،  و هذا أمر يلحظه بوضوح و جلاء كل من يعيش في الغرب.

 هذه مجرد أمثلة من بين مجالات كثيرة اقتحمها الإسلاميون و عملوا فيها  بتجرد و إخلاص و فناء لسنوات طويلة دون كلل أو ملل، ووفق منهجية محكمة و خطط مدروسة و عمل جماعي منظم، و لم يكن يحركهم طوال ذلك الوقت سوى الإيمان التام و الراسخ بأفكارهم و ليس بنية الاستعراض الهادف إلى تحقيق مكاسب سياسية تلوح في الأفق، بدليل أنهم عملوا لعشرات السنوات في ظل أفق سياسي مسدود و ظروف ضاغطة و تحت التهديد و الملاحقة الأمنية.

و كل هذا العطاء كان يجري أمام الناس و على مرأى منهم و مسمع، و يعرفون القائمين عليه، و يتأثرون بهم،  و يتفاعلون معهم،  و يثقون بهم لما رأوا من تفانيهم و بذلهم.

من أراد أن يخدع نفسه و أن يختزل كل هذه التضحيات و العطاءات التي قدمها الإسلامييون  في فرية الزيت و السكرو الطحين  أو في أوهام دغدغة عواطف الناس بشعارات رنانة فله ذلك، و له كذلك أن يجرب أن يعرض على الناس زيت و سكر و يخطب فيهم بالخطب النارية العصماء ثم يرى النتيجة! و ليكتشف حينها حقيقة الأوهام التي أغرق نفسه و من حوله فيها!

و عليه أن لا ينسى أن الناس كما يرون نجاحات الإسلامين و بذلهم فهم يرون كذلك فشل  من تحدث باسم الاشتراكية و العدالة الاجتماعية و يعرفون أخبار استبدادهم في عراق صدام و ليبيا القذافي و سوريا الأسد الأب و الابن.   و يشهدون فشل و فساد و استبداد من لبسوا عباءة الليبرالية كهارب تونس و طاغية مصر و غيرهم.

نحن نطالب كل من يريد أن ينافس الإسلاميين أن يكون على قدر المسؤولية و أن يعرف أنه مطالب ليس فقط بإثبات أنه لن يكرر آلام العراق و سوريا و ليبيا إن كان اشتراكياً، ولا آلام مصر و تونس إن كان ليبرالياً، بل عليه كذلك أن يقتحم ميادين البذل و العطاء بتجرد  و إخلاص و تفاني و صدق. و عليه قبل ذلك و بعده أن يتواضع و أن يتهم نفسه بالفشل بدلاً من الغرق في بحور الأوهام و اتهام الناس بالجهل.

الثلاثاء، 17 يوليو 2012

لو كان أمر كهرباء غزة بيدي!


-  لو كان الأمر بيدي لاتخذت قراراً فوريا بتشكيل لجنة طوارئ تضم ممثلين عن سلطة الطاقة و شركة الكهرباء و الحكومة و المجلس التشريعي و مؤسسات المجتمع المدني (نقابات، مؤسسات أكاديمية ،...إلخ)، و لأمرت هذه اللجنة بأن تظل دائمة الانعقاد و تلتقي يومياً لتتابع الأزمة، و لفرضت عليها أن تخرج ببيان أسبوعي للرأي العام تنشره عبر وسائل الإعلام توضح فيه تطورات الأزمة بكامل الشفافية و الوضوح.

- لو كان الأمر بيدي لوضعت خطة مفصلة واضحة، تتضمن كل أسباب الأزمة و الخطوات العملية المفصلة لمعالجة كل سبب، و تقدير التكلفة المتوقعة لتنفيذ كل مشروع، و مصادر التمويل الممكنة لكل منها، و لقمت بإرسال هذه الخطة إلى الإعلام، و لنشرتها على صفحة خاصة على الإنترنت ليراها كل الناس و يتابعوها معي.

شكل توضيحي يفرب صورة الخطة التي أفكر بها و أتمنى أن أراها .. لو كان الأمر بيدي!


- لو كان الأمر بيدي لأنشأت موقعاً على الإنترنت مخصصاً لأزمة الكهرباء، و لوضعت عليه كل المعلومات المتعلقة بالأزمة بالتفصيل الممل و بأسلوب واضح و تفاعلي و بالأرقام و الأشكال البيانية و الخرائط، و لأمرت بتحديث هذا الموقع يومياً ليتم إطلاع المواطنين على الأزمة و تطوراتها أولاً بأول، و لوضعت مواداً تثقيفية على الموقع تشرح للناس كل الخلفيات الفنية و التاريخية و السياسية للأزمة، و لوضعت مواد تفصيلية تثقف المواطنين حول وسائل خفض و ترشيد استهلاك الطاقة.

- لو كان الأمر بيدي لشكلت فريقاً للتواصل مع الجمهور من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، يزودهم بالأخبار أولاً بأول و يستمع لآرائهم و شكاواهم و اقتراحاتهم.

- لو كان الأمر بيدي لأصدرت قراراً فورياً بمنع بيع مصابيح الإنارة عالية السحب كما هو معمول به في مناطق متعددة من العالم، و لأمرت بسحب ما هو موجود منها في الأسواق على حساب الحكومة، و لسمحت للمحلات التجارية ببيع فقط مصابيح الإنارة التي لا يزيد سحبها عن 40 وات كحد أقصى، و لا استثناء إلا بمعاملة رسمية و أسباب مقنعة و موافقة خطية، على أن يتم الشراء من مخازن خاصة بسلطة الطاقة أو محلات مراقبة منها لحالات الاستثناء هذه.

- لو كان الأمر بيدي لأعددت مقترحاً مفصلاً لمشروع ممول لاستبدال كل وسائل الإنارة عالية السحب في المؤسسات الحكومية و المدارس و الجامعات و المستشفيات بوسائل إنارة منخفضة السحب، و ربما من ذلك النوع المصحوب بمجسات حركة، و لأرسلت هذا المقترح إلى 10 مؤسسات مانحة، و لثابرت و لما توقفت حتى أجد لهذا المشروع تمويلاً و لو من تبرعات المواطنين.

- لو كان الأمر بيدي لأجريت دراسة مفصلة لمشروع يتم بموجبه استقلال المؤسسات الكبرى في قطاع غزة كالجامعات و الوزارات و الشركات الكبيرة و المصانع عالية السحب و الأبراج السكنية المرتفعة (حوالي 400 منشأة مثلاً) بمولدات مستقلة و فصلهم عن الشبكة الرئيسية، و لفاوضتهم على تعويضهم عن ما سيلحقهم من خسائر نتيجة شراء الوقود و صيانة المولدات بدلاً من سحب الكهرباء من الشبكة الرئيسية..... و لو كان الأمر بيدي لفعلت ما تفعله بعض المناطق في العالم و لطلبت من هذه المنشآت المستقلة بمولداتها أن تغذي فائض استهلاكها من الكهرباء للشبكة الرئيسية، و لدفعت لهم ثمن هذه الكهرباء.

- لو كان الأمر بيدي لأجريت دراسة مفصلة لمشروع يتم بموجبه فرض حد أقصى على استهلاك الطاقة لكل منشأة، على أن يتناسب هذا الحد مع مساحة المنشأة و ارتفاعها، و لأعلنت أن أي استهلاك في حدود الحد المسموح سيكون بنفس التكلفة العادية لكيلو الكهرباء، و كل كيلو زيادة على ذلك يتم دفع ثمنه ثلاثة أو خمسة أضعاف. 

- و لو كان الأمر بيدي لأتبعت هذا القرار بتعليم الناس كيف يمكنهم أن يقرأوا عدداتهم و يحسبوا مقدار استهلاكهم ليتأكدوا من مقادير سحبهم، و لأنشأت موقعاً خاصاً على الإنترنت يمكن للمواطن من خلاله أن يرى آخر قراءة لعداده، و الحد الأقصى الذي يجب عليه أن لا يتجاوزه قبل تاريخ القراءة القادمة.

شكل توضحي يقرب فكرة الصفحة التي تعرض معلومات الاستهلاك و التي أتمنى أن أنفذها ... لو كان الأمر بيدي!

- لو كان الأمر بيدي لاتخذت قراراً فورياً بسحب (أو تعطيل مؤقت لعمل) كل أجزة التكييف في المؤسسات الحكومية و المساجد، و لأمرت الجميع بالاكتفاء بالمراوح العادية في الحدود الدنيا.

- لو كان الأمر بيدي لترأست فريقاً يفاوض أصحاب مشاغل الخياطة و أصحاب المصانع و ما شابهها من المنشآت و لاقترحت عليهم العمل خلال الليل لتجنب سحب مقادير عالية من الطاقة في أوقات الذورة في النهار مقابل خصومات مغرية في فواتير الكهرباء.

- لو كان الأمر بيدي لأمرت الجهات المعنية بفصل الإنارة عن كل امتدادات الشوارع، و الاكتفاء فقط بإنارة المفترقات كما هو معمول به في الكثير من دول العالم.

- لو كان الأمر بيدي لما جلست واضعاً يدي على خدى منتظراً شفقة الجلاد، و لا منتظراً شفقة من ماتت في نفوسهم الرحمة و الشفقة من مجرمي الساسة الذين يحاصرون الشعب و يريدون ابتزازه و كسر إرادته و صموده.

- لو كان الأمر بيدي لما جعلت استراتيجيتي الوحيدة لمعالجة المشكلة هو السعي إلى الحل الجذري السحري الذي مازلت أنتظره منذ 6 سنوات و تحول دونه معوقات مهولة تفوق طاقتي.

- لو كان الأمر بيدي لعددت استراتيجياتي و نوعت أساليبي، و لما جعلت العجز عن إيجاد حل جذري يحول بيني و بين التفكير في حلول جزئية استدراكية طارئة.

- لو كان الأمر بيدي لتوقفت عن كثير مما أقوم به من جهد للتبرير و لوم الظروف و مطالبة الناس بالصمود... و لوفرت الوقت المستهلك في هذا كله  لإعمال العقل، و تحفيز التفكير، و السعي لإيجاد حلول إبداعية عملية تتحدى الحصار و تتحدى كل من يحاول كسر إرادة الشعب الفلسطيني لأهداف سياسية .... 

- لو كان الأمر بيدي و جاءني مقال كهذا المقال لتلقفته بكل سرور، و لقرأته ثلاث مرات، و لدرست محتواه بجدية، و لصوبت ما فيه من أخطاء و أنضجت ما فيه من أفكار، و لأضفت إليه أفكاراً جديدة،  و لطالبت كل صاحب رأي أو فكرة أو تخصص بإمدادي بما لديه من نصائح و أفكار و آراء مهما كانت بسيطة.

و على الله وحده التكلان.

الخميس، 12 يوليو 2012

سر فيتامين "واو"



احتاج أحد أصدقائي إلى استصدار جواز سفر لاستعماله في سفر طارئ عاجل فذهب إلى شباك تقديم الطلبات فقيل له ليس أمامك سوى الانتظار أسبوعين كما يقتضي النظام المعمول به، فأصابه الإحباط و عاد أدراجه مطرقاً حسيراً و سار هائماً على وجهه حتى لقيه قريب له و قال له بعد أن سمع شكواه: يا عزيزي (شغلتك بسيطة)  خذ هذا الرقم و كلم معالي سيادته و قل له (بيسلم عليك أبو فلان)....  جرب صاحبي الوصفة فوراً ... فكان على متن الطائرة في اليوم التالي!

أما صديقي الآخر فقد طلب منه موظف في إحدى الوزارات أن يرفق شهادة صحية تثبت حالته الخاصة مع طلب الوظيفة التي يريد التقدم إليها، فلما ذهب إلى الطبيب طالباً الشهادة رفض الطبيب و تعذر بخوفه لأن وزارة الصحة قد فرضت رقابة صارمة و تدقيق شديد على إصدار مثل هذه الشهادات، فتنقل بين ثلاثة أطباء آخرين سعياً وراء الشهادة فجاءه نفس الرد من جميعهم، فلما أصابه اليأس، شكى همه لجاره، فناوله عنوان منزل سكرتير معاليه...  فذهب إليه صاحبي و بلَّغه "سلامات" الجار .... فصدرت الشهادة في أول ساعة من نهار اليوم التالي!

و لي صديق ثالث، و رابع، و خامس، و سادس ... كلهم وقعوا في حرج مشابه فلم ينقذهم إلا فيتامين "واو":  الواسطة!

لست مختلفاً مع من يقول أن الواسطة هي مرض ثقافي اجتماعي، و لست مختلفاً مع الرأي بأن غياب الضمير و ندرة الأمانة عامل مساعد على انتشار هذه الآفة، و لكني اليوم بصدد تسليط الضوء على سبب آخر أعتقد أنه يغيب كثيراً عن الأذهان عند تناول ظاهرة الواسطة.

الفكرة باختصار هي أن الناس لا يلجأون إلى الواسطة في الغالب من باب الترف، و إنما يلجأون إليها لأن هناك حوائج ملحة لديهم تقف الأنظمة الإدارية و اللوائح حائلاً دون تحقيقها فلا يجد المواطن أمامه إلا البحث عن أي وسيلة لتحقيق حاجته.

إذا رأيت أن هناك حاجة ملحة متكررة لدى المواطنين لا يجدون لتصريفها و قضائها إلا الواسطة فاعلم أن المشكلة هي في النظام الإداري إذ أنه قد فشل في توفير وسيلة إدارية قانونية مباشرة تلبي حاجة الناس المتكررة.

آتي بمثال: الحاجة إلى السفر بشكل طارئ و عاجل أمر يتكرر كثيراً في حياة الناس، و تفرضه عليهم ظروف قهرية في العادة، فلو كان النظام الإداري يسمح ضمن لوائحه باستصدار جواز سفر مستعجل عن طريق تقديم طلب خاص برسوم أعلى عن رسوم الطلب العادي ربما مع الحاجة إلى تبرير سبب الاستعجال لوجد المستعجل في هذا الباب الإداري مدخلاً قانونياً مريحاً يمكنه أن ينفذ منه إلى تحقيق حاجته بشكل منظم و قانوني و شفاف دون الحاجة إلى اللف و الدوران. 

و قد يقول قائل: رسوم إضافية للطلب المستعجل أو المتأخر؟ لن يرضى بذلك أحد!  و ردي على ذلك أن اقفال الباب الرسمي في وجوه الناس ثم ترك الأبواب الخلفية مشرعة يفتح المجال واسعاً أمام الرشوى، و لا تعجب إن وجدت حينها المواطن الذي تخاف عليه من دفع رسوم إضافية مستعداً لدفع رشوى بل رشاوي ليصل إلى حاجته عند الاضطرار!

أقول هذه الكلمات لأنني وقفت على حالات متكررة وأمثلة متعددة أجد الناس فيها يقعون في حرج تحت ضغط حاجات ملحة فيصطدمون بنظام إداري يتشدد و يبالغ في التشدد في القنوات الرسمية ثم يستاهل و يفتح الباب على الغارب - كما يقولون - للقنوات الخلفية.

الخلاصة إذن: كلما وجدت حاجة ملحة يتكرر احتياج الناس إليها ولا يكون هناك منفذ إداري قانوني ينظمها فاعلم أن النظام الإداري فيه ثغرة أو خلل، إما على شكل بيروقراطية ممجوجة أو تشدد مبالغ فيه لا يوجد معه قانون يضبط الاستثناءات و يلبيها.


خواطر على طريق النهضة: 3- هل يقف؟

هذه الخاطرة الثالثة من مجموعة خواطر نثرية أدبية كتبتها منذ 6 أعوام تحكي قصة رمزية لأحد صناع الحياة جلس دهراً طويلاً في بيت السلبية و النكوص، و بعد أن التذع قلبه لحال وطنه و أمته قرر أن ينهض و ينتفض و يخرج من سلبيته إلى طريق الإيجابية و صناعة الحياة و النهضة. 

الخاطرة الأولى كانت بعنوان "المفتاح"  و رسالتها الأساسية أن أول خطوة في طريق العمل لأجل نهضة الأوطان هي عقد نية خالصة لا تخالطها مصالح شخصية أو مطامع دنيوية أو حظوظ نفس.

الخاطرة الثانية كانت بعنوان "غذ روحك .. و اكتمل" و رسالتها أن العمل لأجل النهضة يحتاج إلى زاد و تكوين إيماني و علمي و مهاري و جسماني متكامل.

الحلقة الثالثة: هل يقف؟




المفتاح رهن القبضة... الزاد يملاً الجراب... قدم صانع الحياة الواثق على أول الطريق... نفسه تلتهب شوقاً للنهضة.... و روحه تتوق إلى طريق المعالي...  

هاهو يسرج خيل همته ... و يمتطى صهوة عزيمته ... و يأخذ بزمام إرادته ... ينبؤنا عن حاله المشبوب صانع نيسابور "مسلم" صاحب الصحيح ... فيما يرويه عن إمام الصانعين -صلى الله عليه و سلم- : 

( من خير معاش الناس رجلٌ : آخذٌ بعنان فرسه ، يطير على متنه ، كلما سمع هيعة أو فزعة طار إليها)


صيحات الأوطان تئن... صرخات المستضعفين يستغيثون... نداءات المخلصين يستصرخون ... أصواتٌ ملأت سمع الصانع و قلبه ... فطار و روحه على كفه .. طار و قد وهب لله نفسه... طار و هو يستذكر تلك الكلمات الخالدة التي سطرها ابن الجوزي في "المدهش" يوم أن قال :  ( أول قدم في الطريق : بذل الروح ... هذه الجادة ، فأين السالك ؟ )  أجاب صانع الحياة: أنا لها ...أنا السالك!

إذا القوم قالوا مَن فتًى خِلت أني  *** عُنيتُ فلم أكسل و لم أتبلد

إنها معادلة العطاء و الفناء... يفهمها الصانع و يحفظها عن ظهر قلب ... فطريق النهضة طريق البذل ... طريق عطاءٍ بلا أخذ .... طريق إنفاق النفس ...و انفاق ما بعد النفس ! ... ( طريق نصب فيه آدم ، و ناح لأجله نوح ، و ألقي في النار إبراهيم ، و بيع يوسف بثمن بخس ، و نشر بالمناشير زكريا، و ذبح الحصور يحيي ، و ضني بالبلاء أيوب ، و عالج الفقر محمد ...) 
إنها معادلة الفناء و التلف في الدنيا ... ثم الكرامة و الشرف في الآخرة ... معادلة :

أجدر الناس بالكرامة عبدٌ *** تلفت نفسه ليسلم دينه 

حياة صانع الحياة باتت وقفاً على أمته... و أيامه غدت نذراً لنهضتها و رفعتها و تقدمها... فلأمته ترخص الروح ... و تهون النفس ...و تقدم ثواني العمر قرابين ... 

بهذا الإقدام الهاجم ... و بهذه الهمة العلية ... و بتلك النفس الأبية ... انطلق الصانع ... و خطا خطواته نحو النهضة ...
و قبل أن يجاوز صانعنا الباب، و يوغل في الطريق، ترك لمن بعده من أجيال الصانعين اللاحقين وصيتان و إعلان خطهم بمداد من عرق على صحائف من نور و علقهم جميعاً على الباب:

الوصية الأولى: 

العـهد أولـه اتبــاعٌ صــــــــــــادقٌ *** و عليه بالإخلاص خير وشــــــــاح
هذا هو المفتاح فـــاعرف ســـــره *** و ابدأ دروب الشوق بالمفتــــــــــاح

الوصية الثانية: 

كن رابط الجأش و ارفع راية الأمل **** و سر إلى الله في جدٍ بلا هزل
و إن شعرت بنقصٍ فيك تعرفـــــــه **** فغـذ روحك بالقرآن و اكتمــل

أما الإعلان فمفاده: 

يعلن صانع الحياة لإخوانه من بعده أنه: 

بدأ المسير إلى الهدف *** و الحر في عزمٍ زحف 

و الحر إن بدأ المسير *** فلــن يكـل و لـن يقـــف 


لا .. لن يقف 



و إلى لقاء قادم مع الحلقة الرابعة بعنوان: ارفع راية