الأربعاء، 19 مارس، 2014

خواطر على طريق النهضة: 6- همة الملوك

هذه الخاطرة السادسة من مجموعة خواطر نثرية أدبية كتبتها منذ 6 أعوام تحكي قصة رمزية لأحد صناع الحياة جلس دهراً طويلاً في بيت السلبية و النكوص، و بعد أن التذع قلبه لحال وطنه و أمته قرر أن ينهض و أن ينتفض و أن يخرج من سلبيته إلى طريق الإيجابية و صناعة الحياة و النهضة. 

الخاطرة الأولى كانت بعنوان "المفتاح و رسالتها الأساسية أن أول خطوة في طريق العمل من أجل نهضة الأوطان هي عقد نية خالصة لا تخالطها مصالح شخصية أو مطامع دنيوية أو حظوظ نفس.

الخاطرة الثانية كانت بعنوان "غذ روحك .. و اكتملو رسالتها أن مشوار النهضة يحتاج إلى زاد و تكوين إيماني و علمي و مهاري و جسماني متكامل.

الخاطرة الثالثة كانت بعنوان "هل يقف؟"  و رسالتها أن مساعي النهضة تحتاج إلى إيجابية عالية و استعداد للبذل و العطاء و الفناء،  و إقدام إلى الأمام ... بلا توقف! 

الخاطرة الرابعة كانت بعنوان "ارفع راية"  و رسالتها أن من واجب صانع الحياة أن يكون عنصر تحفيز و تحريك لمن حوله .. فيكون هو المبادر و حامل الراية ثم يجمع من حوله نفر كثير متنوعي المهارات و القابليات ليكونوا هم نواة النهضة و مشروعها الأول.

الخاطرة الخامسة كانت بعنوان "لا تتأخر!"  و هي دعوة مفتوحة بصوت عالٍ لكل صاحب عطاء أياً كان تخصصه أن يلتحق بقوافل العاملين و أن يضع يده في أيديهم حتى تحصل البركة و يكون التوفيق حليف الجميع.


 الحلقة السادسة: همة الملوك




همتي همة الملوك ونفسي  ::::  نفسُ حرٍ ترى المذلة كفـراً

ما أصدق أبيات الشافعي في النطق بلسان حال صاحبنا صانع الحياة المتشوق للنهضة ... 

فالهمة العلية السامقة و النفس الحرة الأبية المحلقة هما أجذر نبتتين زُرعتا في قلبه، فأثمرتا ثمراً غضا طرياً  (استوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار) فـ( انظروا إلى ثمره إذا أثمر و ينعه) ... 

فصانع الحياة لا سقف لهمته:   قدمه في الثرى .. و هامة همته فوق الثريا!!


له همةٌ لا منتهى لغايتهــــــا  ::::  و همته الصغرى أجل من الدهر!!

لا يقنع بالمرتبة الدنيا، و لا بالمرتبة الوسطى من معالي الأمور ...  تجده دائماً يردد قول النابغة الجعدي :

بلغنا السما أجدادنا و جدودنا ::::  و إنا لنبغي فوق ذلك مظهرا!!


و مذهبه هذا في طلب المعالي ليس بالمبتدع ... بل هو عين الاتباع لمذهب مبدع بغداد - ابن الجوزي- حين قرر في كتابه "صيد الخاطر" أنه : 
(( ينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يتصور للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض، فلو كانت النبوة تأتي بكسب لم يجز له أن يقنع بالولاية، ولو كانت تحصل بالاجتهاد رأيت المقصر في تحصيلها في حضيض، غير أنه إذا لم يمكن ذلك فينبغي أن يطلب الممكن، أو تصور مثلا أن يكون خليفة لم يحسن به أن يقتنع بإمارة، ولو صح له أن يكون ملكا لم يرض أن يكون بشرا، والمقصود أن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن لها في العلم والعمل! ))

و على هذا الخطو الصاعد المحلق كان عرف السائرين من الصناع الأوائل ... فهذا عمر بن عبد العزيز صاحب النفس التواقة و الهمة المضيئة المشرقة يصف نفسه و يقول : 

(( إن لي نفسا تواقة، لقد رأيتني وأنا في المدينة غلاماً مع الغلمان، ثم تاقت نفسي إلى العلم وإلى العربية والشعر فأصبت منه حاجتي وما كنت أريد.. ثم تاقت نفسي وأنا في السلطان إلى اللبس والعيش والطيب فما علمت أن أحدا من أهل بيتي ولا غيرهم كان في مثل ما كنت فيه.. ثم تاقت نفسي إلى الآخرة والعمل بالعدل فأنا أرجو ما تاقت إليه نفسي من أمر آخرتي ))

صانع الحياة يطلب الإمامة و يسعى إليها! و لكنها إمامة العلم و إمامة التقوى  و إمامة البذل، شعاره: ( واجعلني للمتقين إماماً...) ... و لإبراهيم –عليه السلام- في طلب هذا و السعي إليه قدم سبق ... فيا فوز من اتبع!

صانع الحياة لا يتأخر عن ركاب الخير ... بل تراه قد أسرج له مع كل قافلةٍ سائرة إلى الله خيل ...و قد حجز له في كل ميدانٍ من ميادين العطاء محل ... تعجب لحاله كيف يتصدر السائرين في كل محفل .. و غفلت أن وصية وهيب بن الورد: (إذا استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحدٌ فافعل) قد حركت همته ، و أوقدت نار عزيمته فانطلق من بين الركبان إلى أعلى مكان !!!

بهذه الروح القممية الخفاقة، و تلك النفس المشرقة الوضاءة.. لما سمع صانع الحياة نداء ( لا تتأخر)  فإذا به يطير على متن همته، آخذاً بعنان عزيمته، متقلداً سيف إرادته، فلم يحط رحاله إلا في مقدمة الركب حيث الهمم العلية :همم الملوك ... 



هناك تعليق واحد:

  1. جزيت خيرااا علي بلاغة الوصف وروعة الكلام ونبل المقصد

    ردحذف