الأحد، 26 فبراير، 2012

المبادرات التطوعية ... و النسافات الثمان


من أهم و أبرز النتائج الإيجابية لأجواء الربيع العربي ذلك الأثر العاطفي العميق الذي زرعته في النفوس، و ذلك التحول الملموس الذي أحدثته في توجهات التفكير لدى الشعوب عامة و لدى فئة الشباب بشكل خاص.

لقد أسهمت هذه الأجواء في تفجير الكثير من الطاقات الكامنة، و الكشف عن العديد من الدرر المدفونة. كما ساهم بركان العواطف الإيجابية المتدفق في تفتق الكثير من العقول الشابة المبدعة عن مبادرات تنموية و تطويرية متعددة.  

و أضحت الساحة العربية الآن تشهد زخماً إبداعيًا كبيرًا، و احتشادًا زاخرًا للكثير من المشاريع و الأفكار و المبادرات التطوعية في مجالات تعليمية و تربوية و تنموية و إعلامية و تثقيفية و بحثية و صناعية و غيرها. و قد لاقت الكثير من هذه المبادرات إقبالاً كثيفاً عليها، و التفافاً شديداً حولها من مختلف الفئات العمرية و الثقافية و المجتمعية.

هذه الحالة الصحية الإيجابية الغير مسبوقة تحتاج إلى من يقدر أهميتها، و من يحسن استغلالها، و من يسهم في توجيهها في المسارات الصحيحة قبل أن تخفت شعلة الإبداع، و قبل أن يخبو بركان العواطف، و قبل أن يعود تيار الحياة يسحب الناس إلى دواماتها اللامتناهية.

جلست مع نفسي أتأمل و أتفكر في تلك الأخطاء المتكررة التي يقع فيها المبادرون المتطوعون، و التي ربما يؤدي التمادي في الخطأ الواحد منها إلى نسف الحلم و قتل الفكرة و إحباط المبادرة في مهدها.

و بعد تفكير و مدارسة لتجارب و خبرات قليلة ماضية خرجت بثمانية أخطاء نسَّافات (أي تنسف المبادرة) أسطرها هنا للتنبيه إليها و التحذير منها، و أكتفي هنا بطرح العناوين العريضة مع تعليق مختصر على كل نقطة.


أولاً: غياب الرؤية الاستراتيجية

كثير من المبادرات التطوعية تكون شرارتها الأولى و باعثها الأساسي عاطفي وجداني، فكثير من الناس قد يتأثر بمشهدٍ يراه أو بحالٍ محيطٍ يستشعره فيلتذع قلبه و يتحرق فؤاده فينبعث بدوافع عاطفية ليبادر للقيام بفعل يعاكس ذلك الشأن الذي ساءه. هذا الاندفاع العاطفي شيء إيجابي و مطلوب و ضروري و لكنه غير كافٍ للنجاح و الاستمرار، إذ لابد أن تقترن العواطف المحركة و الدافعة برؤية استراتيجية موجهة و محددة لمسارات التحرك و ضابطة لبوصلة العمل. في حال غياب هذه الرؤية تجد المبادر يتحرك في اتجاهات عشوائية، و يتقلب بين الأفكار و المشاريع على غير بصيرةٍ و على غير هدى.

أي مبادرة تطوعية لابد أن تمتك رؤية واضحة، و رسالة محددة، و غايات منسجمة مع الرسالة و محققة للرؤية، و أهداف دقيقة تخدم الغايات، و استراتيجيات مناسبة لتحقيق الأهداف، و برامج و مشاريع و أنشطة نائشة عن هذا كله و متسقة مع بعضها البعض.

ليس من الضروري أن تكون هذه الرؤية تامة الوضوح أو مكتملة عند الانطلاق، و لكن ما هو ضروري هو أن يتوفر الإدراك لأهمية الوصول إلى مرحلة الوضوح من خلال مراكمة الخبرة و هضم التجارب.

ثانياً: الإخفاق في فهم طبيعة العمل التطوعي

يخلط الكثير من المبادرين بين العمل التطوعي و العمل المهني مدفوع الأجر. الإخفاق في فهم طبيعة العمل التطوعي و خصوصياته تنجم عنه الكثير من التعثرات و الأخطاء في كل مرحلة من مراحل إدارة العمل ابتداءً من وضع الخطط،  مروراً بتوظيف المتطوعين و إدارة الموارد البشرية، و انتهاءً بآليات الرقابة و المتابعة و معايير التقييم.

فالعمل التطوعي يحتاج إلى عناية خاصة بطرق توظيف الأفراد، و استراتيجيات التوسع، و أدوات التحفيز، و عوامل الاستمرار. بعض النقاط التالية في المقال سوف تتناول بعضاً من هذه الخصائص.

ثالثاً: إغراء الأفكار

تتسم مرحلة اشتعال و اتقاد الشرارة الأولى لأي مبادرة تطوعية بأنها مرحلة طلاقة الأفكار، فكثير من الأفكار لمشاريع و برامج و أنشطة متميزة تتبادر إلى ذهن المبادر و تثير حماسته في تلك المرحلة.  و كثيراً ما يحدث أن يقع المبادر فريسةً لإغراء الأفكار فتراه إما أنه يبدأ بالعمل على عدد كبير من الأفكار تفوق ما يتوفر لديه من موارد،   أو أن يصبح كالذواقة يتنقل بين فكرة و فكرة و بين مشروع و مشروع يتذوقها فقط دون أن يُتِم أي منها أو أن ينجزه باتقان،  أو تجده ينشغل بمشاريع براقة و لكنها أقل أهمية و متأخرة في الأولوية عن مشاريع أخرى. كل هذه الإخفاقات في التركيز تؤدي إلى تسلل إحباط سريع في نفس المبادر، و خفوت عوامل الدفع الذاتي لديه، و نفاذ مخزون العاطفة المحركة له.

رابعاً: ارتفاع سقف التوقعات

الإنسان المبادر المتطوع تجده شديد الاقتناع بفكرته، شديد الحماسة لها، قوي العزيمة على المضي فيها، و تجد مبادرته تملأ عليه الكثير من تفكيره و عقله ووقته، و تنعكس على مجمل حياته في نهاره و ليله. هذه الحالة النفسية لمنشئ المبادرة تجعل سقف توقعاته عالياً جداً سواءً من حيث مستوى تفاعل الناس معه، أو إقبال المتطوعين على مشاريعه، أو سرعة إنجاز البرامج و الأنشطة، أو قوة عوائد و نتائج الجهد المبذول. هذا السقف العالي للتوقعات يصطدم دائماً بواقع يكون دون التوقعات بكثير في أغلب الأحيان. صحيح أن التفاؤل مطلوب و لكن الفجوة الكبيرة بين التوقعات و الواقع قد تؤدي إلى إحباطات متتالية، و قد تولد إفرازات نفسية سلبية على نفسية المبادر (انتبه هنا أن العامل النفسي من عوامل الاستمرار في العمل التطوعي و من هنا كان التركيز عليه ضرورياً).

لا بأس أن يطلق المبادر لطموحه العنان، و لكن عليه أن يجعل سقف توقعاته في مستوىً معقول، و أن يوطن نفسه على تقبل الواقع، و أن يتهيأ لكافة الاحتمالات، و أن يضع إمكانية الإخفاق في الحسبان و يستعد لها عند صياغة الخطة، و يرسم لكل إمكانية خطط بديلة و آليات استدراكية.

خامساً: شهوة التوسع و الانتشار

و هذه من الأخطاء المتكررة، فالمبادرة التطوعية تبدأ بشخص أو مجموعة صغيرة من الأشخاص، و غالباً ما تكون أول مهمة يجد قادة المبادرة أنفسهم بحاجة إلى البدء بها هي تجميع متطوعين للتفاعل مع المبادرة، و المشاركة في القيام على أنشطتها و برامجها.

الخطأ الذي يقع فيه الكثير من المبادرين هو أن شهوة التجميع و تكثير الأعداد تأخذهم بعيداً و تستنفذ الكثير من وقتهم و جهدهم، و تستنزف موارد كان من الممكن أن توجه في صميم العمل.

و المشكلة الكبرى هنا هي أن هذا التجميع و التكثير للأعداد لا يكون في أكثر الأحيان نابعاً من حاجة حقيقية أفرزتها الخطة أو الرؤية الاستراتيجية، و لا يكون مرهوناً بطاقات الاستيعاب، و لا منضبطاً بمعايير انتقاء و اختيار واضحة للأفراد.

القاعدة الأساسية هي أن: سعة الانتشار لابد أن تتناسب مع طاقة الاستيعاب.  و طاقة الاستيعاب تشمل القدرة على توظيف المتطوعين، و القدرة على متابعتهم و تقييمهم، و القدرة على تحفيزهم.

سادساً: أسلوب الإدارة الأخوية

كون العمل التطوعي قائم على المبادرة الشخصية و لا تتوفر فيه أجور أو حوافز مادية عاجلة، لا يعني هذا أنه غير ملزم أو غير منضبط. من الأخطاء الكبيرة التي تقع فيها المجموعات التطوعية (التي غالباً ما تتشكل نواتها من أصدقاء أو زملاء أو أفراد تجمعهم خصائص مشتركة متعددة)  ... الخطأ هو أنها تجعل قيمة الأخوة (و هي قيمة مهمة بلا شك) تعلو و تطغى و تحل محل متطلبات الإدارة السليمة الضرورية لنجاح أي عمل.

فعلى سبيل المثال تعزف الكثير من المجموعات التطوعية عن هيكلة نفسها إدراياً، أو وضع آليات للمتابعة و المحاسبة، أو مثلاً تقييد المصروفات المالية بشفافية و وفق الأصول، و غيرها الكثير.  لاشك أن حضور معاني الأخوة و المحبة و التآلف مطلوبة لاستمرارية العمل، و لكن لابد أن تأخذ متطلبات العمل الإداري حقها الكامل من الاحترام و الاتباع، و هذا لابد أن يكون واضحاً لكل الأعضاء و متفاهم عليه.

سابعاً: التقصير في التحفيز

صحيح أن الحافز الذاتي و الدافع النفسي الداخلي هو في الغالب العامل الأساس الذي يجعل المتطوع المبادر يلتحق بالعمل التطوعي ابتداءً، إلا أن مساهمة هذا الحافز في استمرارية عطاء المتطوع في المستقبل لا تتعدى النذر اليسير. كثير من قادة العمل التطوعي يفشلون في إدارك هذه الحقيقة فيقعون في خطأ التقصير في توفير قدرٍ كافٍ من الحوافز المعنوية للمتطوعين التابعين.

و الحوافز تأخذ أشكال كثيرة مثل شهادات الشكر أو هدايا التكريم أو حتى مجرد ذكر الاسم و الإشادة بالعطاء أو الترقية في الهيكلية الإدارية للعمل، و غيرها الكثير من أشكال التحفيز. غياب الحوافز المعنوية عن قاموس قادة العمل التطوعي معناه أنهم سيجدون أنفسهم قريباً جداً يعملون لوحدهم!

ثامناً: الفشل في توفير عوامل الاستمرار


ما أسهل طرح المبادرات، و ما أسهل البدء بها. التحدي الأكبر و الأصعب دائماً هو الاستمرارية. مئات ألوف المبادرات تنطلق و في نفوس أصحابها براكين ثائرة من الحماسة و الحيوية، و لكنها سرعان ما تنقطع و تتوقف. السبب الأساسي في هذا هو الإخفاق في إدراك عناصر و عوامل استمرار الفكرة و الفشل في توفيرها.

فعلى سبيل المثال، العمل التطوعي الذي يستنزف مالاً لا يمكن أن يستمر بطرق صرف عشوائية من جيوب بعض أعضاء الفريق أو من جيوب قادة المبادرة، إذ لابد من توفير مصدر تمويل مستقر كاشتراكات دورية محددة للأعضاء، أو تبرعات خارجية، أو مشاريع ربحية و خلافه.

و من أمثلة عناصر الاستمرارية التي تكاد تحتاجها أغلب المبادرات التطوعية: التمويل، التحفيز، الشراكات الفعالة، القدرة على استقطاب متطوعين كلما دعت الحاجة، اكتساب صفة قانونية، و غيرها الكثير.

دمتم بخير.

الأحد، 12 فبراير، 2012

عشرة عوامل تعيق استيعابنا السياسي



التغيرات الدراماتيكية التي شهدتها الساحة العربية مؤخراً لم تقف عند حدود إسقاط أنظمة حكم  أو زلزلة عروش بعض الطغاة، بل رافقها و تبعها هزة في العقول، و انتفاضة في الوعي العربي العام، و ظهور اهتمام شعبي غير مسبوق بمجريات الساعة على كافة المستويات السياسية و الاقتصادية و الفكرية.

المراقب لمواقع التواصل الاجتماعي و منتديات الحوار و ساحات الدردشة يلمس انخراط أعداد كبيرة من عوام الناس و خواصهم من شتى الأعمار، و كافة الطبقات، و مختلف التوجهات و الخلفيات في متابعة الشأن السياسي، و التفاعل مع الأحداث و التعليق عليها لحظة بلحظة، و التعبير عن الرأي تجاه كل مستجد و تجاه كل واقعة.

و الذي لاحظته من خلال متابعتي لهذا السيل الدافق من الآراء و التعليقات و التصورات التي امتلأ بها الفضاء الالكتروني هو أن الكثير منا - و لا أستثني نفسي إطلاقاً - نخفق في كثير من الأحيان في استيعاب حقيقة الواقع و نفشل في إدراك الصورة الكلية للمشهد السياسي بكل تفاصيله الفسيفسائية.

و بعد تأمل و تدبر و تفكير في أسباب و أبعاد هذا الإخفاق خرجت بعشارية أظنها تلخص معظم معوقات استيعابنا لمجريات الحدث السياسي و ما يترتب على هذا الإخفاق من تبني لآراءٍ خاطئة، أو التأثر السريع بتزييفات الإعلام و تلفيقاته، أو التحمس المبالغ فيه لبعض الخطب الرنانة و الكلمات الحماسية، أو النظرة المتشككة و المصحوبة بسوء الظن تجاه مواقف سياسية نعجز أحياناً عن فهم دوافعها و مبرراتها.

في هذا المقال أسرد النقاط العشرة مع تعليق مختصر على كل منها، و أترك التفصيل لاستيعاب القارئ و عقله الذكي، و قد أعود في المستقبل لأكتب و أعلق بالتفصيل على بعض النقاط و أعززها بالأمثلة في تدوينات مستقبلية إن أتيحت الفرصة لذلك.

معوقات الاستيعاب العشرة:

أولاً: عدم وضوح الأهداف

الكثير منا يتابع الشأن السياسي دون أن تتضح في ذهنه الأهداف الكلية للعمل السياسي في ضوء معطيات الزمان و المكان و ضرورات المرحلة، و لذلك تجده كثير التردد، دائم التخبط، سريع التقلب في الرأي، ضعيف الثقة بنفسه و بالآخرين. و لو نظرت  إلى مواقفه السياسية و تعليقاته على الأحداث نظرةً شمولية لوجدتها متناقضة و عشوائية،  لا منطق واضح يحكمها و لا سياق محدد يمكن وضعها فيه. و كذلك تجده يتسجيب لأي دعوة حماسية و أي رأي طالما أن صوته عالٍ دون أن يعطي نفسه الفرصة لاستحضار الهدف و التأكد من أن السلوك السياسي الذي هو بصدد فعله أو تبنيه أو تأييده متسق و متفق مع الهدف!


ثانياً: الخلط بين الوسائل و الأهداف

و هو من نتائج ضبابية الهدف.  إذ تجد الكثير من الناس يخفقون في التفريق بين الهدف المراد تحقيقه و بين مجموع الوسائل المؤدية إلى الهدف. بل كثير منهم تنقلب عندهم الوسائل إلى أهداف،  و بعد أن كانت الوسائل عامل متغير يتغير وفق تقديرات الظروف و موازنات المصالح و المفاسد فإذا بها أصبحت ثوابت لا تتغير ولا تتبدل!   بل في كثير من الحالات يصل الأمر إلى أن تصبح مجرد مناقشة الوسيلة أو طرح بديل عنها تهمة و شبهة يتلقى صاحبها كيل من الشتائم القاذعة و اتهامات التخوين و التآمر!

ثالثاً: الفشل في ترتيب الأولويات

التعرف على الأهداف و القدرة على تمييزها عن الوسائل لا يكفي لبناء فكر قويم أو اتخاذ موقف سياسي سليم،  إذ لابد أن تقترن الأهداف و الوسائل بسلم أولويات يتم التفريق فيه بين الهدف الاستراتيجي و الهدف المرحلي، و بين الهدف المهم و الهدف الأقل أهمية، و بين الهدف القابل للتحقيق و ذلك بعيد المنال. و كذلك التفريق بين الوسيلة الناجعة و الأنجع، و بين الوسيلة المكلفة و الأخرى الأقل كلفة، و هكذا...

القدرة على استيعاب و فهم الأولويات من المهارات الأساسية للإدراك السياسي السليم. 


رابعاً: الإخفاق في فهم الموازنات

معظم الأمور التي تعرض لرجل السياسة يصعب اتخاذ قرار بشأنها تتحقق به كل المنافع و تجتنب فيه كل المفاسد، و لذلك يجد رجال السياسة أنفسهم في كل مرة مضطرين إلى موازنة المصالح و المفاسد المترتبة على كل قرار، و هنا تأتي القواعد الأصولية المنطقية لتساعد في الحسم:  فدفع المفسدة أولى من تحقيق المصلحة، و من الممكن الرضى بالمفسدة الأقل إذا كان قبولها يدفع مفسدة أكبر، و قد نقبل بتضييع المنفعة الصغيرة إذا كان تضييعها يتيح المجال لتحقيق منفعة أكبر، و هكذا...

كثير من ارتباكات الناس في فهم السلوك السياسي للعديد من التيارات و الشخصيات السياسية يعود إلى الإخفاق في فهم معادلة الموازنة هذه.

خامساً: عقلية البعد الواحد

و من العوامل الخطيرة التي تحد من استيعابنا السياسي كذلك سيطرة عقلية البعد الواحد و السبب الواحد و العامل الواحد على تفكيرنا كل ما عرضت لنا مسألة من المسائل.  

كثير من الناس يعجز عن ملاحظة و إدارك و فهم كافة أبعاد المسألة السياسية محل النظر، فتجده يمسك بأحد أبعاد القضية أو أحد العوامل المؤثرة فيها و يتوقف عنده لا يجاوزه، و لذلك تجده يبني أحكامه على إدراك منقوص و فهم مجتزأ للمشكلة.

سادساً: النظرة السطحية للأحداث

كثير من الناس يتناول الموضوعات الكبيرة و الأحداث الجليلية تناولاً سطحياً غريباً،  فتجده يحكم على ظاهر المسألة - أو بعض ظاهرها حتى - دون أن يتعمق فيها، و دون أن يحاول التعرف على كافة جوانبها الظاهرة و الخفية، و دون أن يضعها في سياقها الزمني، أو أن يدرس العلاقة بينها و بين المسائل الأخرى المزامنة لها، و دون أن ينتبه إلى كافة العوامل المتداخلة المؤثرة في عموم المشهد و الحاكمة له.

سابعاً:  قصر النظر و ضيق الأفق

قِصَر النظر السياسي من أكبر المشاكل، فما أكثر أؤلئك الذين لا تتجاوز رؤيتهم السياسية حدود ما تحت أقدامهم، فهم لا يعون إلا الساعة التي هم فيها، و يتخذون قرارات اللحظة الآنيِّة دون مبالاة باللحظة الآتية، و دون استشراف للمستقبل، و دون محاولة توقع تبعات  و نتائج الخيارات المختلفة و مآلات مسارات التحرك السياسي.

ثامناً: التعصب بنوعيه

و التعصب نوعان، "تعصب مع" و "تعصب ضد"، فهناك من يتعصب لطرف معين فيرى كل أفعاله صائبة حتى و إن كان العور فيها ظاهر و الغلط فيها جلي. و هناك من يتعصب ضد طرف آخر فلا يرى له حسنة، و لا يقبل منه أي موقف، و ينظر إليه بعين الشك و الريبة، و يرفض الحق إن أتى به فقط لأنه جاء منه.

"المتعصب مع" و "المتعصب ضد" كلاهما كالذي على عقله و قلبه غشاوة أو كالذي يلبس نظارة متلونة بلون من يتعصب له أو بلون مضاد لمن يتعصب ضده، و هذا بلا شك لا يرى الكثير من تفاصيل المشهد و يفوته الكثير من الفهم فيقع في الخطأ.

تاسعاً: عدم الاستناد إلى معطيات كافية

الكثير منا يصدر أحكاماً سياسية و يتخذ مواقفَ و يبني تصوراتٍ دون أن ينتبه أنه لا يمتلك كافة المعطيات و المعلومات الحاكمة للقرار.

القرار السياسي السليم ينبني على معطيات مفصلة و معلومات واضحة، و ليس على تصورات أو اعتقادات أو فرقعات إعلامية أو ظنون أو عواطف صرفة أو ردات أفعال أو ما شابه ذلك.

كثير من الناس يسمع خبراً في التلفاز عن أحد المواقف أو الخطوات السياسية فيسارع إلى التعليق  إما مؤيداً أو رافضاً بثقة تامة و أسلوب قاطع و كأنه ألم بتفاصيل المسألة جمعاء و اجتمعت لديه كافة المعطيات و المعلومات التي تؤهله للجزم بصحة رأيه.  لا بأس أن يعبر الإنسان عن رأيه في ضوء ما لديه من معطيات و لكن لا يحق له الجزم إلا إذا اقترن جزمه بمعلومات و معطيات مساندة كافية.

عاشراً: احتكار الحق


عندما يتبنى أحدنا رأياً من الآراء فمن الطبيعي أن يعتقد أنه على حق، و لكن ما هو غير طبيعي و ما هو غير صواب أن يعتقد أنه لا حق إلا ما يراه، و لا صواب إلا ما تبناه!

كثير من القضايا التي نواجهها اليوم لا مجال للقطع بما هو الصواب فيها، بل إن الحق و الصواب نفسه قد تكون له وجوه عديدة و من يرى أحد هذه الوجوه قد تغيب عنه وجوهٌ آخرى.

مشكلة الكثير من الناس أنهم يحتكرون الحق و الصواب، فرأيهم صواب لا يحتمل الخطأ و رأي غيرهم خطأ لا يحتمل الصواب، في حين أن معظم شؤون السياسة ليس فيها صواب مطلق و لا خطأ مطلق و إنما هي تسديدات و مقاربات و اجتهادات قد تصيب و قد تخطئ.


هذا و الله المستعان