التغيرات الدراماتيكية التي شهدتها الساحة العربية مؤخراً لم تقف عند حدود إسقاط أنظمة حكم أو زلزلة عروش بعض الطغاة، بل رافقها و تبعها هزة في العقول، و انتفاضة في الوعي العربي العام، و ظهور اهتمام شعبي غير مسبوق بمجريات الساعة على كافة المستويات السياسية و الاقتصادية و الفكرية.
المراقب لمواقع التواصل الاجتماعي و منتديات الحوار و ساحات الدردشة يلمس انخراط أعداد كبيرة من عوام الناس و خواصهم من شتى الأعمار، و كافة الطبقات، و مختلف التوجهات و الخلفيات في متابعة الشأن السياسي، و التفاعل مع الأحداث و التعليق عليها لحظة بلحظة، و التعبير عن الرأي تجاه كل مستجد و تجاه كل واقعة.
و الذي لاحظته من خلال متابعتي لهذا السيل الدافق من الآراء و التعليقات و التصورات التي امتلأ بها الفضاء الالكتروني هو أن الكثير منا - و لا أستثني نفسي إطلاقاً - نخفق في كثير من الأحيان في استيعاب حقيقة الواقع و نفشل في إدراك الصورة الكلية للمشهد السياسي بكل تفاصيله الفسيفسائية.
و بعد تأمل و تدبر و تفكير في أسباب و أبعاد هذا الإخفاق خرجت بعشارية أظنها تلخص معظم معوقات استيعابنا لمجريات الحدث السياسي و ما يترتب على هذا الإخفاق من تبني لآراءٍ خاطئة، أو التأثر السريع بتزييفات الإعلام و تلفيقاته، أو التحمس المبالغ فيه لبعض الخطب الرنانة و الكلمات الحماسية، أو النظرة المتشككة و المصحوبة بسوء الظن تجاه مواقف سياسية نعجز أحياناً عن فهم دوافعها و مبرراتها.
في هذا المقال أسرد النقاط العشرة مع تعليق مختصر على كل منها، و أترك التفصيل لاستيعاب القارئ و عقله الذكي، و قد أعود في المستقبل لأكتب و أعلق بالتفصيل على بعض النقاط و أعززها بالأمثلة في تدوينات مستقبلية إن أتيحت الفرصة لذلك.
معوقات الاستيعاب العشرة:
أولاً: عدم وضوح الأهداف
الكثير منا يتابع الشأن السياسي دون أن تتضح في ذهنه الأهداف الكلية للعمل السياسي في ضوء معطيات الزمان و المكان و ضرورات المرحلة، و لذلك تجده كثير التردد، دائم التخبط، سريع التقلب في الرأي، ضعيف الثقة بنفسه و بالآخرين. و لو نظرت إلى مواقفه السياسية و تعليقاته على الأحداث نظرةً شمولية لوجدتها متناقضة و عشوائية، لا منطق واضح يحكمها و لا سياق محدد يمكن وضعها فيه. و كذلك تجده يتسجيب لأي دعوة حماسية و أي رأي طالما أن صوته عالٍ دون أن يعطي نفسه الفرصة لاستحضار الهدف و التأكد من أن السلوك السياسي الذي هو بصدد فعله أو تبنيه أو تأييده متسق و متفق مع الهدف!
ثانياً: الخلط بين الوسائل و الأهداف
و هو من نتائج ضبابية الهدف. إذ تجد الكثير من الناس يخفقون في التفريق بين الهدف المراد تحقيقه و بين مجموع الوسائل المؤدية إلى الهدف. بل كثير منهم تنقلب عندهم الوسائل إلى أهداف، و بعد أن كانت الوسائل عامل متغير يتغير وفق تقديرات الظروف و موازنات المصالح و المفاسد فإذا بها أصبحت ثوابت لا تتغير ولا تتبدل! بل في كثير من الحالات يصل الأمر إلى أن تصبح مجرد مناقشة الوسيلة أو طرح بديل عنها تهمة و شبهة يتلقى صاحبها كيل من الشتائم القاذعة و اتهامات التخوين و التآمر!
ثالثاً: الفشل في ترتيب الأولويات
التعرف على الأهداف و القدرة على تمييزها عن الوسائل لا يكفي لبناء فكر قويم أو اتخاذ موقف سياسي سليم، إذ لابد أن تقترن الأهداف و الوسائل بسلم أولويات يتم التفريق فيه بين الهدف الاستراتيجي و الهدف المرحلي، و بين الهدف المهم و الهدف الأقل أهمية، و بين الهدف القابل للتحقيق و ذلك بعيد المنال. و كذلك التفريق بين الوسيلة الناجعة و الأنجع، و بين الوسيلة المكلفة و الأخرى الأقل كلفة، و هكذا...
القدرة على استيعاب و فهم الأولويات من المهارات الأساسية للإدراك السياسي السليم.
رابعاً: الإخفاق في فهم الموازنات
معظم الأمور التي تعرض لرجل السياسة يصعب اتخاذ قرار بشأنها تتحقق به كل المنافع و تجتنب فيه كل المفاسد، و لذلك يجد رجال السياسة أنفسهم في كل مرة مضطرين إلى موازنة المصالح و المفاسد المترتبة على كل قرار، و هنا تأتي القواعد الأصولية المنطقية لتساعد في الحسم: فدفع المفسدة أولى من تحقيق المصلحة، و من الممكن الرضى بالمفسدة الأقل إذا كان قبولها يدفع مفسدة أكبر، و قد نقبل بتضييع المنفعة الصغيرة إذا كان تضييعها يتيح المجال لتحقيق منفعة أكبر، و هكذا...
كثير من ارتباكات الناس في فهم السلوك السياسي للعديد من التيارات و الشخصيات السياسية يعود إلى الإخفاق في فهم معادلة الموازنة هذه.
خامساً: عقلية البعد الواحد
و من العوامل الخطيرة التي تحد من استيعابنا السياسي كذلك سيطرة عقلية البعد الواحد و السبب الواحد و العامل الواحد على تفكيرنا كل ما عرضت لنا مسألة من المسائل.
كثير من الناس يعجز عن ملاحظة و إدارك و فهم كافة أبعاد المسألة السياسية محل النظر، فتجده يمسك بأحد أبعاد القضية أو أحد العوامل المؤثرة فيها و يتوقف عنده لا يجاوزه، و لذلك تجده يبني أحكامه على إدراك منقوص و فهم مجتزأ للمشكلة.
سادساً: النظرة السطحية للأحداث
كثير من الناس يتناول الموضوعات الكبيرة و الأحداث الجليلية تناولاً سطحياً غريباً، فتجده يحكم على ظاهر المسألة - أو بعض ظاهرها حتى - دون أن يتعمق فيها، و دون أن يحاول التعرف على كافة جوانبها الظاهرة و الخفية، و دون أن يضعها في سياقها الزمني، أو أن يدرس العلاقة بينها و بين المسائل الأخرى المزامنة لها، و دون أن ينتبه إلى كافة العوامل المتداخلة المؤثرة في عموم المشهد و الحاكمة له.
سابعاً: قصر النظر و ضيق الأفق
قِصَر النظر السياسي من أكبر المشاكل، فما أكثر أؤلئك الذين لا تتجاوز رؤيتهم السياسية حدود ما تحت أقدامهم، فهم لا يعون إلا الساعة التي هم فيها، و يتخذون قرارات اللحظة الآنيِّة دون مبالاة باللحظة الآتية، و دون استشراف للمستقبل، و دون محاولة توقع تبعات و نتائج الخيارات المختلفة و مآلات مسارات التحرك السياسي.
ثامناً: التعصب بنوعيه
و التعصب نوعان، "تعصب مع" و "تعصب ضد"، فهناك من يتعصب لطرف معين فيرى كل أفعاله صائبة حتى و إن كان العور فيها ظاهر و الغلط فيها جلي. و هناك من يتعصب ضد طرف آخر فلا يرى له حسنة، و لا يقبل منه أي موقف، و ينظر إليه بعين الشك و الريبة، و يرفض الحق إن أتى به فقط لأنه جاء منه.
"المتعصب مع" و "المتعصب ضد" كلاهما كالذي على عقله و قلبه غشاوة أو كالذي يلبس نظارة متلونة بلون من يتعصب له أو بلون مضاد لمن يتعصب ضده، و هذا بلا شك لا يرى الكثير من تفاصيل المشهد و يفوته الكثير من الفهم فيقع في الخطأ.
"المتعصب مع" و "المتعصب ضد" كلاهما كالذي على عقله و قلبه غشاوة أو كالذي يلبس نظارة متلونة بلون من يتعصب له أو بلون مضاد لمن يتعصب ضده، و هذا بلا شك لا يرى الكثير من تفاصيل المشهد و يفوته الكثير من الفهم فيقع في الخطأ.
تاسعاً: عدم الاستناد إلى معطيات كافية
الكثير منا يصدر أحكاماً سياسية و يتخذ مواقفَ و يبني تصوراتٍ دون أن ينتبه أنه لا يمتلك كافة المعطيات و المعلومات الحاكمة للقرار.
القرار السياسي السليم ينبني على معطيات مفصلة و معلومات واضحة، و ليس على تصورات أو اعتقادات أو فرقعات إعلامية أو ظنون أو عواطف صرفة أو ردات أفعال أو ما شابه ذلك.
كثير من الناس يسمع خبراً في التلفاز عن أحد المواقف أو الخطوات السياسية فيسارع إلى التعليق إما مؤيداً أو رافضاً بثقة تامة و أسلوب قاطع و كأنه ألم بتفاصيل المسألة جمعاء و اجتمعت لديه كافة المعطيات و المعلومات التي تؤهله للجزم بصحة رأيه. لا بأس أن يعبر الإنسان عن رأيه في ضوء ما لديه من معطيات و لكن لا يحق له الجزم إلا إذا اقترن جزمه بمعلومات و معطيات مساندة كافية.
القرار السياسي السليم ينبني على معطيات مفصلة و معلومات واضحة، و ليس على تصورات أو اعتقادات أو فرقعات إعلامية أو ظنون أو عواطف صرفة أو ردات أفعال أو ما شابه ذلك.
كثير من الناس يسمع خبراً في التلفاز عن أحد المواقف أو الخطوات السياسية فيسارع إلى التعليق إما مؤيداً أو رافضاً بثقة تامة و أسلوب قاطع و كأنه ألم بتفاصيل المسألة جمعاء و اجتمعت لديه كافة المعطيات و المعلومات التي تؤهله للجزم بصحة رأيه. لا بأس أن يعبر الإنسان عن رأيه في ضوء ما لديه من معطيات و لكن لا يحق له الجزم إلا إذا اقترن جزمه بمعلومات و معطيات مساندة كافية.
عاشراً: احتكار الحق
عندما يتبنى أحدنا رأياً من الآراء فمن الطبيعي أن يعتقد أنه على حق، و لكن ما هو غير طبيعي و ما هو غير صواب أن يعتقد أنه لا حق إلا ما يراه، و لا صواب إلا ما تبناه!
كثير من القضايا التي نواجهها اليوم لا مجال للقطع بما هو الصواب فيها، بل إن الحق و الصواب نفسه قد تكون له وجوه عديدة و من يرى أحد هذه الوجوه قد تغيب عنه وجوهٌ آخرى.
مشكلة الكثير من الناس أنهم يحتكرون الحق و الصواب، فرأيهم صواب لا يحتمل الخطأ و رأي غيرهم خطأ لا يحتمل الصواب، في حين أن معظم شؤون السياسة ليس فيها صواب مطلق و لا خطأ مطلق و إنما هي تسديدات و مقاربات و اجتهادات قد تصيب و قد تخطئ.
هذا و الله المستعان
عندما يتبنى أحدنا رأياً من الآراء فمن الطبيعي أن يعتقد أنه على حق، و لكن ما هو غير طبيعي و ما هو غير صواب أن يعتقد أنه لا حق إلا ما يراه، و لا صواب إلا ما تبناه!
كثير من القضايا التي نواجهها اليوم لا مجال للقطع بما هو الصواب فيها، بل إن الحق و الصواب نفسه قد تكون له وجوه عديدة و من يرى أحد هذه الوجوه قد تغيب عنه وجوهٌ آخرى.
مشكلة الكثير من الناس أنهم يحتكرون الحق و الصواب، فرأيهم صواب لا يحتمل الخطأ و رأي غيرهم خطأ لا يحتمل الصواب، في حين أن معظم شؤون السياسة ليس فيها صواب مطلق و لا خطأ مطلق و إنما هي تسديدات و مقاربات و اجتهادات قد تصيب و قد تخطئ.
هذا و الله المستعان





