‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشأن العام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشأن العام. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 7 سبتمبر 2012

حالة التململ الفلسطيني: مظاهر، أسباب، و مقدمات للحل



لا يستطيع أي مراقب للساحة الفلسطينية أن ينكر أن هذه الساحة تشهد مؤخراً حالة من التململ الشعبي. تتجلى معالم هذا التململ في عبارات التذمر و عدم الرضا التي ملأت الفضاء الإلكتروني و التي تناقلتها الألسن في التجمعات العائلية و دردشات الأصدقاء و أحاديث الحواري، هذا إلى جانب ما بدأ الشارع يشهده فعلاً من بعض صور الاحتجاج الميداني. 

هذه الحالة تستدعي من الجميع التحرك السريع و الفوري للتفاعل معها و استباق أي أضرار ممكن أن تنتج عن سوء تقدير للحالة أو سوء إدارة لها. 

و أول ما يلزمنا فعله هو إدراك أبعاد الموضوع إدراكاً تاماً حتى تكون ردات أفعالنا و طريقة تفاعلنا قائمة على بينة و بصيرة و وضوح رؤية، و حتى ننأى بأنفسنا عن العشوائية و التخبط في القرارات، أو الإقدام على أفعال أو ردات أفعال متهورة تضر أكثر مما تنفع.

و كمساهمة مني في إلقاء بعض الضوء على المشهد الفلسطيني الحالي سأحاول أن أطرح مجموعة من النقاط التي أرى أنها تمثل مظاهر أو أسباب للحالة أو خطوات تقربنا من الحل.

أما مظاهر حالة التململ  كما لمستها من خلال مراقبتي فهي:
  1. أنها حقيقية و تلقائية،  فالتجارب السابقة قد تدفع البعض إلى الاعتقاد بأن ما يجري هو تكرار لحراكات سابقة كانت مفتعلة أكثر منها صادقة، و ناتجة عن تعبئة و تحريض أكثر منها عن قناعة و تلقائية.  الحالة الحالية على خلاف أغلب ما سبق هي حالة تململ حقيقية شعبية صرفة، ليست مصطنعة و لا موجهة و لا معبأة.
  2. أنها تجاوزت الحدود الفصائيلة و تخطتها،  فعلى خلاف ما كنا نراه سابقاً من حالات تذمر فئوية أو حزبية كنوع من النكاية و الكيد بالفصيل المخالف الموجود في الحكم، فإن ما نشهده اليوم قد تجاوز هذه الحالة، و بدأنا نسمع التذمر من جميع الأطراف تجاه جميع الأطراف بما في ذلك من هم بعيدون عن التحزبات و العصبيات من عموم الناس.
  3. أنها تخطت حواجز الجغرافيا،  فهي ليست خاصة بغزة دون الضفة او الضفة دون غزة، أو بمحافظة دون أخرى، أو بمدينة دون أخرى. عبارات تذمر متشابهة و شكاوى متطابقة تسمعها في كل المدن، بل إن بعض أخبار هذا التذمر وصلت إلى التجمعات الفلسطينية في الشتات و بدأ البعض هناك يرددها و يتفاعل معها.
  4. أنها حالة تململ، و قد حاولت أن أكون دقيقاً في اختيار هذه الكلمة -تململ- للتعبير عن الحالة الشعبية الحالية، إذ أنني لا أريد أن أبالغ أو أهول أو أضخم الأمر أو أن أحمله فوق ما يحتمل،  فهي ليست حراكاً و لا انتفاضة و لا ثورة حتى الآن، و لكن التململ هو الخطوة الأولى التي تسبق الحراك الذي بدوره يتصاعد حتى يصل إلى ثورة أو انتفاضة إذا لم يستدرك.
  5. أنها متصاعدة، إذ أستطيع أن أقول من خلال مراقبتي أن أصوات النقد و الاعتراض ليست في معدل أو منحنى طبيعي كتلك التي تشهدها كل دول العالم من النوع الذي يأتي و يذهب و يتصاعد و ينخفض بحسب الظروف و التقلبات. هي حالة متصاعدة مثل كرة الثلج،  قد تختلف سرعة دوران هذه الكرة فتسرع أحياناً و تبطئ أحياناً أخرى و لكنها مستمرة في حركتها التصاعدية التراكمية بلا توقف.

هذه المظاهر يجب أن تدق نواقيس خطر، و يجب أن يستوعبها من هم في مواقع المسؤولية، و أن يناقشوها في اجتماعاتهم بجدية و اهتمام و من خلال دراسة متأنية مستفيضة، و أن لا يقعوا في خطأ التقليل من شأنها أو التعامل معها بنوع من المكابرة أو العناد أو العشوائية.

و أهم ما يجب أن يكون مطروحاً على طاولة النقاش هو بحث الأسباب الرئيسية التي وصلت بنا إلى هذا الوضع. 

قد يقول قائل أن تردي الأوضاع الاقتصادية، و زيادة معدلات البطالة، و نقص الموارد، و الغلاء، و حالة الحصار و ما شابه ذلك من قضايا  هي الدافع الأساسي للتذمر.

لا أستطيع أن أنكر أن هذه الأمور كلها هي من العوامل المساعدة على التذمر، و لكنها ليست الأسباب الرئيسية من وجهة نظري، و دليلي في ذلك أن الشعب الفلسطيني طوال تاريخه الحديث يعيش في حالة شبيهة بما نحن عليه الآن من شظف عيش بل ربما أصعب و أقسى تخللتها نكبة و نكسة و هجرتين و أربعة حروب و انتفاضتين، و مع ذلك لم يتذمر الناس و لم يضيقوا بأنفسهم و بمن يقودونهم ذرعاً، بل على العكس لم تزدهم المعاناة إلا صموداً و إصراراً و ثباتاً و تماسكاً.

و عليه فلا أظن أن هذه العوامل الاقتصادية هي الباعث الأساسي على التذمر. أعتقد أن المحركات الأساسية لحالة التململ يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  1. انسداد الأفق،  بل انسداد الآفاق كلها، و أعني هنا آفاق الحل للقضية الفلسطينية، فطريق العمل السياسي المتمثل في المفاوضات و العمل الدبلوماسي وصل إلى طريق مسدود و موت نهائي و يأس تام من العودة إلى الحياة، و طريق المقاومة كذلك وصل هو الآخر إلى طريق مسدود  أو على الأقل دخل في حالة من ضبابية الأفق.  و بالتالي أصبح المواطن يعاني و يضحي و يدفع الأثمان الغالية في كلا شقي الوطن دون أن يعرف بالضبط إلى أين هو ذاهب،   و لا يعرف مقابل ماذا بالتحديد هو يدفع الثمن الغالي، و أي أفق بالضبط عليه ان يستطلع و يراقب ليعرف مدى قربه أو بعده من أهدافه و طموحاته.  هذه الحالة من ضبابية الرؤية و انسداد الأفق غير مسبوقة في التاريخ الفلسطيني، و لا شك عندي  أن لها انعكاسات نفسية ضخمة على الناس قللت من قدرتهم على التحمل و الصبر و الاصطفاف خلف القيادات التي تدير القضية و توجه الدفة، و كما قيل (ليس للحياة قيمة إذا لم يكن فيها شيء نناضل من أجله)  و هذا هو الشعور الذي تسلل لنفوس الناس مع مرور الأيام للأسف. أقصد أن غياب آفاق النضال قلل قمية الحياة لدى الناس و من هنا كان التذمر.
  2. حالة الانقسام: فبغض النظر عن التفسيرات المختلفة لحالة الإنقسام و العوامل التي أدت إليها، و بغض النظر عن  من يتحمل المسؤولية عنها، و بغض النظر عن من المصيب و من المخطئ فيها، بغض النظر عن هذا كله  فإننا جميعاً و منذ وقوع الإنقسام و نحن نشعر أننا نمر في فترة استثنائية شاذة غير طبيعية مهما بدت جيدة لبعضنا و مهما حاولنا التعايش معها.  المعنى الذي أريد أن أقوله أن الحالة النفسية للمواطن الفلسطيني منذ وقع الانقسام في مساحتي الشعور و لا الشعور تسيطر عليها حالة من عدم الارتياح و عدم الاستقرار الداخلي. هذه النفسية تعاضدت مع ما وصفته في النقطة السابقة ووفرتا معاً أسباب أكبر للتذمر و الضيق و التململ.
  3. الفشل الجماعي في تحمل المسؤولية. قد يكون من الصعب تحميل المسؤولية لجهة بعينها او لفرد بعينه، إذ أنك ستجد عند كل طرف تفسيرات تبريرية تعفيه هو من المسؤولية و تلقى باللائمة على الآخرين، و ربما تجد كلامه مقنعاً أو فيه شيء من المنطلق على الأقل!  و لكني أعتقد أن المشكلة الرئيسية ليست في التيارات إذا ما تناولناها كلاً على حدة، و لكنها مشكلة في المجموع،  أي في التخطيط معاً و العمل معاً على تنوعنا و اختلافنا.  بمعنى آخر نحن فشلنا طوال سنوات كثيرة مضت في الاتفاق على خطة أو رؤية واحدة، و فشلنا كذلك في السماح لأي خطة أو رؤية مقترحة أن يتم تجريبها كاملة دون إحداث حالة من التضارب بين خطط متعددة متناقضة. هذه الحالة من  تعدد الخطط العاملة أدت إلى حالة تضارب و تخبط فشلت معها كل الخطط جملةً واحدة، و أدت في النهاية إلى شعور المواطن بالتيه و التخبط و الضياع.

هذه بعض الأسباب الجذرية لحالة التذمر الحالية باعتقادي، و القضايا الأخرى ما هي إلا أسباب فرعية أو ظاهرية من وجهة نظري.

و الآن ما هو الحل؟  لن أستطيع بمفردي أن أضع حلاً لهذه المشكلة المركبة المعقدة، و حتى لو تمكنت من وضع تصور مقترح فلن تكفي هذه التدوينة لعرضه، و لذلك سأكتفي بعرض مقدمات للحل. هذه المقدمات تمثل شروطاً لازمة لابد أن نحققها و نحن نخطو في طريقنا نحو الحل:

  1. الإعتراف بالفشل الجماعي: لابد أن نخرج من مربع المكابرة و من دائرة التبرير و من دوامة تبرئة الذات و اتهام الآخر، لابد أن نعترف أننا فشلنا في أن نعمل معاً، قد يكون كل فصيل نجح في أن يضع تصور مقنع له و لأفراده، و ربما يكون قد نجح في اتخاذ خطوات عملية إلى الأمام في ضوء هذا التصور، و قد يكون تصور كل فصيل صحيح و سليم -ولو نسبياً- بمفرده، و لكننا مع ذلك فشلنا في العمل معاً فكان الإخفاق من نصيب الجميع كما سبق و شرحت في الأسباب في الأعلى.  و عندما أقول الفشل الجماعي فإنني أجمع الجميع و نفسي و كل فرد فلسطيني،  و ذلك لأن كل واحد منا ساهم بشكل أو بآخر في هذا الفشل سواءً من خلال القيام بأعمال سلبية ساهمت في تسميم الأجواء و التمهيد للفشل، أو من خلال السكوت و التقاعس عن معاكسة السلب بإيجاب، و مواجهة الخطأ بنصيحة صريحة.
  2. إعادة تعريف المشكلة: إذ لا يمكن إيجاد علاج ناجع بدون تشخيص المشكلة تشخصياً سليماً.  فمن الخطأ مثلاً أن نسطح المشكلة بحيث نعتقد أنها بدأت مع هذه الحكومة أو تلك ، أو تقزيمها و حصرها في سوء إدارة الوزير الفلاني أو المدير العلاني. ما أراه من وجهة نظري أن ما نشهده حالياً ما هو إلا خطوات متقدمة في مسارات خاطئة سرنا بها منذ وقت طويل فوصلت بنا إلى حقل أشواك أو نهايات مسدودة. ما هو مطلوب منا كمقدمة للحل هو أن نمارس عملية عصف ذهني موسعة نقوم من خلالها بإعادة تعريف المشكلة بحيث نعود إلى بداياتها الأولى و جذورها العميقة و نتراجع إلى ما قبل الخطوة الأولى في المسار الخاطئ الذي سلكناه. هذا العصف الذهني هو واجب جماعي يحتاج إلى نقاش موسع و تناقح أفكار و آراء.
  3. تحديد المطالب: علينا أن نحول عبارات التذمر العامة الفضفاضة إلى مطالب واضحة عملية واقعية قابلة للتنفيذ. و الواقعية  هنا مطلوبة بشدة،   فعلينا أن ندرك مثلاً أن كثير من الظروف الاقتصادية و الأمنية و السياسية لن تتغير كثيراً بتغير حكومة و حلول حكومة جديدة، فالعوامل المسببة لهذا التردي الاقتصادي لها خلفيات و أسباب أبعد من ذلك. مطالبنا يجب أن تتمحور بالأساس حول أسباب الفشل كالمطالبة بصياغة استراتيجية وطنية موحدة للتعامل مع القضية الفلسطينية و إيجاد آليات عملية جامعة متفق عليها لتنفيذ هذه الاستراتيجية، و يتضمن هذا بشكل تلقائي إنهاء كل الأوضاع الشاذة كالانقسام السياسي و ما نتج عنه.
  4. رفض الحلول الترقيعية و السعي نحو خلق أجواء جديدة: فالأمر لم يعد يحتمل الترقيع مهما كانت الرقعة جميلة و براقة. لا يمكن إنهاء حالة التذمر إلا بخلق أجواء جديدة يشعر المواطن معها بتحول مفصلي كبير و تغير في المسارات و ليس مجرد تغيير من يتولى عجلة القيادة.
  5. استرداد الثقة بالنفس وعدم اليأس : كلامي هذا يجب أن لا يدفعنا إلى الشعور بخيبة الأمل، أو أن الفشل في جزئية العمل معاً  يعني أننا فشلنا فشلاً مطلقاً في كل شيء فهذا غير صحيح، فعلى الرغم من تضارب مسارات تحركنا إلا أننا و بفضل الله تمكنا من تناوش إنجازات من على جانبي الطريق تستحق أن نفتخر بها و أن نستعملها كزاد للتصحيح. 

هذه هي مساهمتي في محاولة فهم أبعاد الوضع الحالي، و قراءة المشهد المعقد، و التنبيه شبه المبكر على ما سيؤول إليه من نهايات إذا لم يسارع العقلاء بخطوات استدراكية واعية تعالج الجذور و تخلق بيئة جديدة.

الخميس، 23 أغسطس 2012

هل يجيز الإسلام المعارضة السياسية للحاكم في ظل المرجعية الإسلامية؟



صعود التيارات السياسية ذات المرجعية الإسلامية إلى سدة الحكم في دول الثورات العربية يستلزم منا أن نفحص ما تمليه المرجعية الفكرية لهذه التيارات على أصحابها من توجهات سياسية ستنعكس حتماً على ممارستهم السياسية و من ثم على واقع المجتمعات التي يحكموها، و سأتوقف اليوم عند حق المعارضة السياسية  للحاكم في ظل المرجعية الإسلامية.

هناك عاملان أساسيان يجعلان هذا الموضوع غايةً في الأهمية في هذه المرحلة، و هما اللذان دفعاني للكتابة حول هذه المسألة:

* العامل الأول يتمثل في حقيقة أن قمع المعارضة السياسية، و إغلاق كل الأبواب في وجهها، و ملاحقتها و التنكيل بها من قبل الحكام المستبدين كان أحد أهم الأسباب التي حركت الشعوب و دفعتها إلى الميادين و أثارتها على الحكام. و هذا يجعلنا في حاجة إلى أن نطمئن أن الواقع الجديد الذي أنشأته الثورات و أتى بالتيارات الإسلامية إلى الحكم لن يكرر آلام الماضي. و تتضاعف الحاجة إلى هذه الطمأنة في ظل شيوع الكثير من الشبهات و التشويهات و التشنيعات التي خلقت هواجس لدى شريحة غير قليلة من الناس جعلتهم يتخوفون على الحريات بشكل عام و على الحريات السياسية منها بالأخص في ظل حكم يستند إلى مرجعية إسلامية.

* العامل الثاني هو ما نشهده من حالة التباس أو خلط بين العديد من المفاهيم المتناثرة كطاعة و لي الأمر في المنشط و المكره و تحريم الخروج على الحاكم و أشباهها من المسائل التي يتم تناولها عادةً تناولاً مجتزءاً ينتج عنه فهماً قاصراً أو خاطئاً بالكلية للحقوق السياسية للأفراد و الجماعات التي أقرها الإسلام و مارسها المسلمون على تعاقب أجيالهم و دولهم. هذا الفهم الخاطئ ليس مقصوراً على الفئات الغير مؤدلجة في الشعوب العربية و لا على التيارات التي تتبنى مرجعيات أخرى، و إنما قد تجده كذلك في داخل التيارات الإسلامية نفسها!

خلاصة ما وصلت إليه من بحث و مطالعة في المسألة هي أن الإسلام ينظر إلى المعارضة السياسية للحاكم على أنها ضرورة لازمة، بل واجب شرعي على المستويين الجماعي (فرض الكفاية) و على المستوى الفردي (فرض العين). و قد وجدت أن هذه الضرورة و هذا الإيجاب راسخان و جليان في الطرح النظري (النصوص الشرعية و شروحها) و في الممارسة العملية للمسلمين في دولهم المتعاقبة، بل و في أفكار الكثير من المجددين الإسلاميين المعاصرين من أفراد و جماعات.

* المعارضة السياسية في نصوص الشريعة الإسلامية

أما نظرياً: فهذا قول الله عز و جل في سورة البقرة (آية 251):"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" و قوله جل في علاه في سورة الحج (آية 40): "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز".  انظر كيف جعل الله تدافع الناس حماية للأرض من الفساد و حماية للدين نفسه مرموزاً لذلك بأماكن العبادة، بل جعله من موجبات نصرة الله القوي العزيز! و المعارضة السياسية ما هي إلا شكل من أشكال التدافع الذي ذهبت إليه الآية.

و رغم أن التفسير الدارج لهذه الآية هو أن الله يدفع أذى المشركين بجهاد المسلمين لهم، إلا أنني وجدت في تفسير الطبري ما يؤيد ما ذهبت إليه من اتساع المعنى المقصود في الآية ليشمل معارضة الناس لبعضهم البعض في شئون الدين و الدنيا، إذ يقول بعد أن استعرض الأقوال المختلفة في تفسير الآية: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله -تعالى ذِكرُه- أخبر أنه لولا دفاعه الناس بعضهم ببعض، لهُدِم ما ذَكر (...) ومنه كفه ببعضهم التظالم، كالسلطان الذي كف به رعيته عن التظالم بينهم، ومنه كفه لمن أجاز شهادته بينهم ببعضهم عن الذهاب بحق من له قبله حق، ونحو ذلك. وكل ذلك دفع منه الناس بعضهم عن بعض ، لولا ذلك لتظالموا ، فهدم القاهرون صوامع المقهورين وبيعهم وما سمى جل ثناؤه. ولم يضع الله تعالى دلالة في عقل على أنه عنى من ذلك بعضا دون بعض، ولا جاء بأن ذلك كذلك خبر يجب التسليم له، فذلك على الظاهر والعموم على ما قد بينته قبل لعموم ظاهر ذلك جميع ما ذكرنا."  

و في السنة النبوية أحاديث كثيرة لا تجيز معارضة الحاكم فحسب بل تجعلها ممارسة مندوبة بل واجبة كلما دعت الحاجة. و من هذه الأحاديث ما رواه مسلم من حديث تميم الداري أنه صلى الله عليه و سلم قال: ((الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم))  و النصيحة في اللغة معناها: تخليص الشيء من شوائبه، و عليه فقد جعل الرسول صلى الله عليه و سلم سعي المسلمين إلى تنزيه الحاكم بتخليصه مما يشوبه و ما يرتكبه من أخطاء من أساسات الدين و ليس فقط من مصلحات الدنيا!

و من الأحاديث كذلك ما رواه أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو: ((إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تودع منهم))، و منها كذلك ما رواه أبو داوود من حديث أبي بكر: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)) .

المعارضة السياسية في الممارسة العملية للمسلمين:

أما عملياً فالأمثلة التي مررت بها خلال مطالعتي لا مجال لحصرها هنا و إلا لطال بنا المقام، و لكن على عجالة:

  • فإنك تجد نموذج للمعارضة السياسية في إقرار الني صلى الله عليه و سلم مراجعة الصحابة له في اختياراته السياسية و نزوله عند آرائهم فيما لم ينزل به وحي، كتغيير موقع نزول الجيش يوم البدر نزولاً عند رأي الحباب الذي اعترض على الموقع الأول الذي اختاره صلى الله عليه و سلم.
  • و تجدها في خروج النبي صلى الله عليه و سلم لملاقاة المشركين خارج المدينة نزولاً عند رأي الشباب خلافاً لما كان يفضله رسول الله صلى الله عليه و سلم.
  • و تجدها في إقرار النبي صلى الله عليه و سلم لمعارضة الصحابة لخالد بن الوليد الذي كان أميراً عليهم في إحدى السرايا و خالفوه في اجتهاده بعد المعركة.
  • و تجدها صريحة في خطبة أبي بكر التي افتتح بها حكمه و جعل فيها المعارضة السياسية ليس فقط حق متاح للرعية بل واجب تقوم به خيرية الرعية على سبيل القصر و الحصر: "لا خير فيكم إن لم تقولوها، و لا خير فينا إن لم نسمعها" ... "إن أحسنت فأعينوني، و إن أسأت فقوموني".
  • و تجدها في قول عمر: "أيها الناس، من رأى منكم في اعوجاجاً فليقومني" فقال له رجل: "والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا"  فقال عمر: "الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقوم اعوجاج عمر بحد سيفه"!
  • و تجدها في معارضة عمر لموقف أبي بكر من مانعي الزكاة أول الأمر.
  • و تجدها في موقف عمر من جمهرة من الصحابة اعترضوا على قراره بجعل البلاد المفتوحة أرض وقف و عدم تقسيمها غنائم و كان بينهم بلال و معاذ، فظل عاماً كاملاً يناقشهم في المسألة و لم يفرض عليهم رأيه و لم يزد على أن قال:  "اللهم اكفني بلالا وأصحاب بلال"!
  • و تجدها في عدم انكار الخليفة عثمان لفعل أبي ذر على الرغم من اختلافه معه في اجتهاده، عندما نزل أبو ذر معتصماً في شوارع دمشق محتجاً على رأي معاوية والي الشام في مسألة و مخالفاً له في منهجه فيها.
  • و تجدها في موقف أبي سعيد الخدري الصحابي الجليل لما وقف للخليفة مروان ابن الحكم و قاطعه عن خطبة العيد و أنكر عليه تقديمه الخطبة على الصلاة لأهداف سياسية خلافاً لسنة النبي صلى الله عليه و سلم.
  • و تجدها في معارضة الحسين و من معه ليزيد بن معاوية.
  • و تجدها في معارضة الإمام أحمد بن حنبل و أحمد بن نصر الخزاعي لثلاثة خلفاء متعاقبين: المأمون و المعتصم و الواثق.
  • و غيرها العشرات بل المئات من الأمثلة.

المعارضة السياسية في الفكر و الممارسة الإسلامية المعاصرين:

كذلك تجد فيما كتبه مجتهدون إسلاميون معاصرون ما يبني على المعنى السلفي الأصيل القديم و يؤكد على ضرورة مزاولة ما دأب عليه أجيال الصحابة من معارضة للحاكم و تقويمه حين يخطئ. و المؤلفات الفكرية الإسلامية الحديثة التي تناولت مسألة المعارضة السياسية  كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر: "من فقه الدولة في الإسلام" للقرضاوي في فصل تعدد الأحزاب في الدولة الإسلامية، و "أصول المعارضة السياسية في الإسلام" لعبود العسكري، و "السياسية الشرعية: مدخل إلى تجديد الخطاب الإسلامي" لعبد الله الكيلاني الصادر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي،  و "الفكر السياسي عند ابن تيمية" لبسام فرج  في الباب الثالث من الكتاب المتعلق بالعقد السياسي، و غيرها الكثير.

و كإطلالة سريعة على ما ورد في هذه الانتاجات الفكرية دعونا نتوقف مع ما كتبه القرضاوي الذي بنى على فقه الأوائل ما يناسب روح العصر فجعل التعددية السياسية في صورة أحزاب سياسية في ظل الحكم الإسلامي مسألة واجبة شرعاً من باب أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، يقول:  

"و قد استطاعت البشرية في عصرنا بعد صراع مرير و كفاح طويل أن تصل إلى صيغة للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و تقويم عوج السلطان، دون إراقة للدماء، و تلك هي وجود "قوى سياسية" لا تقدر السلطة الحاكمة على القضاء عليها بسهولة، وهي ما يطلق عليها: "الأحزاب". 
(...)
فإذا أردنا أن يكون لفريضة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر معناها و قوتها و أثرها في عصرنا فلا يكفي أن تظل فريضة فردية محدودة الأثر (...)

إن تكوين هذه الأحزاب أو الجماعات السياسية، أصبحت وسيلة لازمة (...) و هي التي يمكن بها الاحتساب على الحكومة و القيام بواجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" 

و كلامه في كتاب "من فقه الدولة في الإسلام" حول هذه المسألة رائع و عميق وودت لو تمكنت من نقله كله هنا لولا ضيق المقام.

أما في الممارسة فالراصد لحركة المعارضة في العالم العربي سيجد أن التيارات الإسلامية قد تقدمت صفوفها و ثبتت في مواجهة امتحانات المستبدين لهم، و لا يوجد سبب يجعل هذه التيارات التي مارست المعارضة عشرات السنوات تنقلب على ما مارسته و ترفضه عند وصولها للسلطة، كما أننا لم نر أي مؤشر يجعلنا نقلق أو نضطرب بل إن الغالبية العظمى من المؤشرات السابقة و الراهنة تسير في اتجاه الطمأنة التي لا تغنى عن ضرورة الحذر و أداء واجب التدافع الذي يدفع الفساد دفعاً.

هل المعارضة السياسية الحزبية المنظمة المتعددة تتعارض مع وجوب وحدة صف المسلمين؟

لا تعارض إذا كانت التعددية السياسية هي تعددية تنوع في البرامج و السياسيات و آليات العمل أو حتى الأولويات، و هذا هو مفهوم المعارضة الذي يقبله الإسلام، أما ما يتجاوز ذلك فهو أساساً يخرج عن حدود المعارضة البناءة إلى التناحر على السلطة على حساب المبادئ و هو سلوك منبوذ ترفضه النفوس السوية و المنطق المعتدل.

هل المعارضة السياسية تتنافى مع طاعة ولي الأمر الواجبة بنصوص الشرع؟

لا تعارض، فالله عز و جل الذي أوجب الطاعة للحاكم جعلها طاعة مشروطة لا مطلقة، و لم يطالب الله المسلمين بطاعة أميرهم بدون مناقشته، بل على العكس أوجب عليهم نصحه و أمره بالمعروف و نهيه عن المنكر، و فرض على الحاكم في المقابل واجب الشورى. فإن أهمل الحاكم واجب الشورى فقد ارتكب معصية قد تسوغ عدم الطاعة عند احتمال وقوع أي مفسدة.

هذا بالإضافة إلى الأدلة النقلية و العملية التي أوردتها من نصوص الوحيين و فعل السلف الصالح التي مارسوا فيها المعارضة و الطاعة معاً دون تعارض.

استدراك لازم

الممارسة السياسية الغربية الحديثة على الرغم مما فيها من فوائد وجب علينا الاستفادة منها و اقتباسها و الترحيب بها، إلا أنها لا يجب أن تكون بكليتها بحلوها و مرها مرجعية لممارساتنا السياسية، فعلى سبيل المثال إذا كان مقبولاً في الغرب ممارسة التتنابز و التلامز بين الأحزاب السياسية و استعمال النميمة السياسية و التجريح و الإهانات للأشخاص و الهيئات كأحد معالم الحرية السياسية و أدوات المعارضة السياسية و التعبير عن الرأي المخالف، فليس بالضرورة أن ننقل هذا السلوك المتخاصم مع الأخلاق في كثير من أشكاله إلى مجتمعاتنا و نمارسه و كأنه ظاهرة صحية فقط لأن الغرب يفعله.

المعارضة السياسية في الإسلام هي معارضة "النصيحة" و "بالتي هي أحسن" و "بالموعظة الحسنة"، و لا تعارض بين القوة و الصلابة في الحق و بين التزام الأخلاق، و التأثير الإيجابي للمعارضة ذات النوايا السليمة لا يتناسب طردياً مع ارتفاع الصوت و لا مع نسبة الشتائم أو التجريحات في الكلام.

و بالله التوفيق

الأربعاء، 15 أغسطس 2012

لماذا يفوز الإسلاميون في الانتخابات؟



عكفت في اليومين الماضيين على مطالعة مجموعة من المقالات و الدراسات و التحليلات و اللقاءات التلفزيونية لعدد من النخب الليبرالية و اليسارية و العلمانية  التي تحدثوا فيها عن رؤيتهم لصعود التيارات الإسلامية في الانتخابات البرلمانية و الرئاسية في دول الربيع العربي، و تفسيرهم لهذا الصعود و الأسباب التي تقف وراءه.

اهتمامي بالموضوع نابع أساساً من أنه على الرغم من سعادتي بصعود التيارات الإسلامية و تصدرها لساحات العمل السياسي في العالم العربي، إلا أنني أؤمن إيماناً تامًا بأن أحد أهم المقومات التي يلزم توفرها لنجاح  أي تيار يصل إلى الحكم هو وجود معارضة سياسية حقيقية قوية فاعلة  قادرة على إحداث حالة توازن سياسي و خلق بيئة تنافسية محفزة على الإبداع، و تحقيق سنة التدافع بين الناس التي جعلها الله عز و جل وقاية للأرض من الفساد: ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ ) (البقرة: الآية 251 ) 

أردت من خلال مطالعتي أن أعرف كيف تقرأ هذه النخب صعود الإسلاميين في مقابل فشلهم هم في نيل ثقة الشارع و في تحقيق نتائج مؤثرة في الانتخابات،  هل هم يعرفون حقاً الأسباب الحقيقية و الكاملة  وراء ذلك، و هل هم يحاولون إعادة ترتيب أوراقهم و تصويب خططهم و برامجهم في ضوء هذه المعرفة، أم أنهم أخطأوا التفسير و التقدير بطريقة ستؤدي بهم حتماً إلى فشل جديد؟

نتيجة اطلاعي جاءت مخيبة للآمال، إذ يبدو أن النخب الليبرالية و اليسارية في معظمها تسيطر عليها إحدى حالتين: إما أنها لا تعرف الحقيقة و غارقة في أوهام تفسيرات خاطئة، و إما أنها تعرف الحقيقة و لكنها لم تمتلك بعد الجرأة الأدبية الكافية لتعترف بها و لتتصرف في ضوء هذا الإعتراف فتصوب مسارها.

مازالت الكثير من النخب تعزو تفوق الإسلاميين إلى حالة المجتمع التي يفترضون أنها تشهد تفشي الجهل و الفقر بين الناس،  و نجاح الإسلاميين في استغلال هذه الظروف لتسويق شعارات رنانة فارغة من المضمون و الفكر، و في اللعب على أوتار العواطف الدينية للمجتمع و استغلال تدين الناس لتمرير أفكار رجعية و تحقيق مكاسب سياسية، و في استغلال فقر الناس و عوزهم من خلال تقديم رشاوى انتخابية في صورة معونات غذائية و زيت و سكر و طحين. هذا هو التفسير الذي تقدمه هذه النخب.

يقول أحدهم في مقال بعنوان "لماذا يفوز الإسلاميون؟" : "من بين الأسباب المهمة التى قادت إلى تسيد الإسلاميين المشهد الانتخابى العربى الراهن ، استغلالهم السيئ للعاطفة الدينية لدى شعوب المنطقة".

ويقول آخر: "هؤلاء هم من يصوتون للإسلاميين: البواب ..... و المُهرب."

أما  الكاتب الساخر جلال عامر -رحمه الله-  فيري  (كما عبر في أحد اللقاءات التلفزيونية) بأن الناس أقبلت على التيار الإسلامي و عزفت عن التيارات الليبرالية لأن الإنسان حتى يصبح ليبرالياً يحتاج إلى قراءة ألف كتاب!  و لكن حتى يصبح إسلامياً فلا يحتاج أكثر من مقاطعة الحلاق لمدة أسبوع (أي ليطلق لحيته)!

و هناك العشرات من الاقتباسات التي يمكن إيرادها تدور كلها حول معاني تزدري المجتمع و تصمه بالجهل من جهة، و تتهم التيارات الإسلامية بخداع الناس بشعارات فارغة من جهة أخرى.

و أريد من خلال هذا المقال أن أعرض ما أعتقد أنها الأسباب الحقيقية لصعود التيار الإسلامي علها تساعد التيارات المنافسة على معرفة السر و إدراك الحقيقة بعيداً عن خداع النفس أو التفكير التبريري.

لو نظرت إلى الثلاثين سنة الماضية ستجد أن الإسلاميين قد قدموا إسهامات حقيقية عملية في الكثير من الميادين و ليس مجرد شعارات كما يظن الليبرالييون:

  1. في مجال مقاومة الاحتلال و السعي نحو التحرر من الاستعمار ستجد أن الإسلامين قد تصدروا قوى المقاومة في كل بقعة عربية أو إسلامية تعرضت  للاحتلال او الاغتصاب، و قدموا نماذج بطولية مشهود لها بالبسالة و التضحية و الفداء، و الأمثلة على ذلك معروفة و أشهر من أن أذكر القارئ بها.
  2. و في مجال المعارضة السياسية، ستجد أن أقوى الأحزاب السياسية المعارضة طيلة السنوات الماضية التي عاشتها المنطقة في ظل الحكام المستبدين هي أحزاب إسلامية و ذلك في كل الدول العربية بلا استثناء بما في ذلك دول الخليج الغنية (و ما أخبار تيار الإصلاح في الإمارات و ما يتعرض له من تنكيل هذه الايام عنا ببعيد)،   و قد دفع الإسلاميون ثمن هذه المعارضة السياسية من أرواحهم و أموالهم و سني عمرهم في المعتقلات و غرف التحقيق و زنازين العزل الانفرادي.
  3. و في مجال العمل الخيري و الإغاثي تجد أن المؤسسات الإغاثية و الخيرية الإسلامية هي أكبر من يعمل بجد و دأب و تفاني لتقديم الخدمات الإغاثية و الإنسانية للمحتاجين في كل مناطق العالم العربي و الإسلامي، سواءً كان ذلك في صورة مساعدات غذائية أو حفر آبار مياه أو كفالة أيتام أو التكفل بعلاج مرضى أو تنفيذ مشاريع تشغيلية أو بناء مستوصفات خيرية أو توزيع أدوية مجانية، و يكفي أن أذكر أسماء مؤسسات مثل "الإغاثة الإسلامية" و "الندوة العالمية للشباب الإسلامي" و "حملة ائتلاف الخير"  كأمثلة  من بين مئات المؤسسات الإسلامية الأخرى العاملة في المجال الإغاثي و الخيري و التي تعدى عملها ليصل إلى غير العرب و غير المسلمين في مجاعات أفريقيا و كوارث هايتي و غيرها من المناطق في العالم. و أدعو القارئ إلى زيارة مواقع هذه المؤسسات و مطالعة تقاريرها التي تحتوي على ألوف بل عشرات ألوف المشاريع التي انجزتها حول العالم خلال السنوات الماضية.
  4. و في مجال العمل التربوي و الوعظي ستجد أن الوعاظ و المربيين و الدعاة الإسلاميين قد تفوقوا على من سواهم في هذا المضمار من حيث الكم و الكيف، و يكفي للدلالة على ذلك أن أضرب مثالاً بموقع "طريق الإسلام" الذي يحتوي قرابة 100,000 مادة صوتية سجلت إما في محاضرة أو ندوة أو دورة  في 28 موضوع رئيسي و قرابة 100 موضوع فرعي تناولت كافة شئون الدين و الدنيا من علوم شرعية و قضايا اجتماعية و موضوعات ثقافية و مستجدات سياسية و أفكار إدارية و مقترحات تنموية و غيرها، و قد تم تحميل  هذه المواد و الاستماع إليها عبر هذا الموقع أكثر من نصف مليار مرة!  و هذا مجرد مثال لموقع الكتروني واحد من بين مئات المواقع الشبيهة.  أمثلة أخرى ممكن مشاهدتها في نجاح مبادرات إعلامية إسلامية تربوية كقناة إقرأ و الرسالة و مجموعة قنوات المجد و طيور الجنة و كراميش و القدس و الحوار و فور شباب و غيرها من القنوات الإعلامية التي نجحت في استقطاب كم كبير من المشاهدين من مختلف الأعمار و المستويات و ساهمت في تثقيفهم و تربيتهم و التأثير الإيجابي فيهم.
  5. و في مجال الفكر تجد أن المكتبة العربية تزخر بكم ضخم من المؤلفات الإسلامية المعاصرة تقدر بعشرات الآلاف ليس فقط في مجال العلوم الشرعية بل حتى في علوم التربية و الأدب و الإدارة و التنمية و أنظمة الحكم و العلوم السياسية و حتى العلوم التطبيقية!  انظر مثلاً إلى المعهد العالمي للفكر الإسلامي الذي صدر عنه أكثر من 300 كتاب فكري رصين باللغة العربية خلال ال 30 سنة الماضية أي بمعدل 10 كتب في السنة، هذا بالإضافة إلى أكثر من 400 كتاب أخرى أصدرها المعهد  ب 22 لغة أخرى غير العربية، يضاف إلى هذا  مئات الأبحاث و المقالات و الدوريات الصادرة عن المعهد. و انظر مثلاً إلى مركز الإبداع التربوي الذي أسسه علي الحمادي من رموز الإسلاميين الإصلاحيين في الإمارات، و الذي صدر عنه ما يقارب ال 200 كتاب في مجالات إدارية و تنموية و مهارية موزعة على قرابة 35 سلسلة كلها تتناول الموضوعات الإدارية و التنموية بروح إسلامية واضحة، و انظر مثلاً إلى المفكر الإسلامي عبد الكريم بكار الذي كتب ما يقارب ال 40 كتاباً حول فكر النهضة و التغيير و التنمية، و غيره الكثير أمثال الدكتور يوسف القرضاوي صاحب سلسلة ترشيد الصحوة، و محمد الراشد صاحب سلسلة استراتيجيات الحركة الحيوية، و جاسم سلطان و رسائله التي وصلت 250 رسالة حول مشروعه الفكري مشروع النهضة، و سلمان العودة مشرف موقع مفكرة الإسلام، و طارق سويدان و كتاباته و حلقاته التلفزيونية في الإدارة و القيادة و فنون التغيير، و أحمد الشقيري و سلسلة برامجه التلفزيونية (خواطر و لو كان بيننا و غيرها)  التي وصلت إلى 300 حلقة هادفة في 10 مواسم، و غيرهم الكثير!
  6. و في مجال التنمية تجد أن الإسلاميين قدموا الكثير من المبادرات التنموية العملية الناجحة، منها على سبيل المثال مبادرة عمرو خالد و مشروع صناع الحياة القائم على فلسفة التنمية بالإيمان، و "مشروع النهضة" الخليجي الذي قاده جاسم سلطان من قطر و تحول إلى تيار تنموي قوي صادح، و مبادرة طارق سويدان و مشروع اكاديمية إعداد القادة التي خرجت مئات الشباب القيادي في العالم العربي، و غيرها الكثير من المبادرات.
  7. في مجال رعاية شئون الجاليات العربية و الإسلامية في الغرب تجد المؤسسات الإسلامية و المراكز الإسلامية تتصدر العمل الدعوي و العمل الاجتماعي و العمل التربوي و التعليمي و الثقافي و العمل الحقوقي و العمل التنموي المتخصص بشئون الجاليات في الغرب، و في التفاعل مع هموم العرب و المسلمين في كل مكان،  و هذا أمر يلحظه بوضوح و جلاء كل من يعيش في الغرب.

 هذه مجرد أمثلة من بين مجالات كثيرة اقتحمها الإسلاميون و عملوا فيها  بتجرد و إخلاص و فناء لسنوات طويلة دون كلل أو ملل، ووفق منهجية محكمة و خطط مدروسة و عمل جماعي منظم، و لم يكن يحركهم طوال ذلك الوقت سوى الإيمان التام و الراسخ بأفكارهم و ليس بنية الاستعراض الهادف إلى تحقيق مكاسب سياسية تلوح في الأفق، بدليل أنهم عملوا لعشرات السنوات في ظل أفق سياسي مسدود و ظروف ضاغطة و تحت التهديد و الملاحقة الأمنية.

و كل هذا العطاء كان يجري أمام الناس و على مرأى منهم و مسمع، و يعرفون القائمين عليه، و يتأثرون بهم،  و يتفاعلون معهم،  و يثقون بهم لما رأوا من تفانيهم و بذلهم.

من أراد أن يخدع نفسه و أن يختزل كل هذه التضحيات و العطاءات التي قدمها الإسلامييون  في فرية الزيت و السكرو الطحين  أو في أوهام دغدغة عواطف الناس بشعارات رنانة فله ذلك، و له كذلك أن يجرب أن يعرض على الناس زيت و سكر و يخطب فيهم بالخطب النارية العصماء ثم يرى النتيجة! و ليكتشف حينها حقيقة الأوهام التي أغرق نفسه و من حوله فيها!

و عليه أن لا ينسى أن الناس كما يرون نجاحات الإسلامين و بذلهم فهم يرون كذلك فشل  من تحدث باسم الاشتراكية و العدالة الاجتماعية و يعرفون أخبار استبدادهم في عراق صدام و ليبيا القذافي و سوريا الأسد الأب و الابن.   و يشهدون فشل و فساد و استبداد من لبسوا عباءة الليبرالية كهارب تونس و طاغية مصر و غيرهم.

نحن نطالب كل من يريد أن ينافس الإسلاميين أن يكون على قدر المسؤولية و أن يعرف أنه مطالب ليس فقط بإثبات أنه لن يكرر آلام العراق و سوريا و ليبيا إن كان اشتراكياً، ولا آلام مصر و تونس إن كان ليبرالياً، بل عليه كذلك أن يقتحم ميادين البذل و العطاء بتجرد  و إخلاص و تفاني و صدق. و عليه قبل ذلك و بعده أن يتواضع و أن يتهم نفسه بالفشل بدلاً من الغرق في بحور الأوهام و اتهام الناس بالجهل.

الثلاثاء، 17 يوليو 2012

لو كان أمر كهرباء غزة بيدي!


-  لو كان الأمر بيدي لاتخذت قراراً فوريا بتشكيل لجنة طوارئ تضم ممثلين عن سلطة الطاقة و شركة الكهرباء و الحكومة و المجلس التشريعي و مؤسسات المجتمع المدني (نقابات، مؤسسات أكاديمية ،...إلخ)، و لأمرت هذه اللجنة بأن تظل دائمة الانعقاد و تلتقي يومياً لتتابع الأزمة، و لفرضت عليها أن تخرج ببيان أسبوعي للرأي العام تنشره عبر وسائل الإعلام توضح فيه تطورات الأزمة بكامل الشفافية و الوضوح.

- لو كان الأمر بيدي لوضعت خطة مفصلة واضحة، تتضمن كل أسباب الأزمة و الخطوات العملية المفصلة لمعالجة كل سبب، و تقدير التكلفة المتوقعة لتنفيذ كل مشروع، و مصادر التمويل الممكنة لكل منها، و لقمت بإرسال هذه الخطة إلى الإعلام، و لنشرتها على صفحة خاصة على الإنترنت ليراها كل الناس و يتابعوها معي.

شكل توضيحي يفرب صورة الخطة التي أفكر بها و أتمنى أن أراها .. لو كان الأمر بيدي!


- لو كان الأمر بيدي لأنشأت موقعاً على الإنترنت مخصصاً لأزمة الكهرباء، و لوضعت عليه كل المعلومات المتعلقة بالأزمة بالتفصيل الممل و بأسلوب واضح و تفاعلي و بالأرقام و الأشكال البيانية و الخرائط، و لأمرت بتحديث هذا الموقع يومياً ليتم إطلاع المواطنين على الأزمة و تطوراتها أولاً بأول، و لوضعت مواداً تثقيفية على الموقع تشرح للناس كل الخلفيات الفنية و التاريخية و السياسية للأزمة، و لوضعت مواد تفصيلية تثقف المواطنين حول وسائل خفض و ترشيد استهلاك الطاقة.

- لو كان الأمر بيدي لشكلت فريقاً للتواصل مع الجمهور من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، يزودهم بالأخبار أولاً بأول و يستمع لآرائهم و شكاواهم و اقتراحاتهم.

- لو كان الأمر بيدي لأصدرت قراراً فورياً بمنع بيع مصابيح الإنارة عالية السحب كما هو معمول به في مناطق متعددة من العالم، و لأمرت بسحب ما هو موجود منها في الأسواق على حساب الحكومة، و لسمحت للمحلات التجارية ببيع فقط مصابيح الإنارة التي لا يزيد سحبها عن 40 وات كحد أقصى، و لا استثناء إلا بمعاملة رسمية و أسباب مقنعة و موافقة خطية، على أن يتم الشراء من مخازن خاصة بسلطة الطاقة أو محلات مراقبة منها لحالات الاستثناء هذه.

- لو كان الأمر بيدي لأعددت مقترحاً مفصلاً لمشروع ممول لاستبدال كل وسائل الإنارة عالية السحب في المؤسسات الحكومية و المدارس و الجامعات و المستشفيات بوسائل إنارة منخفضة السحب، و ربما من ذلك النوع المصحوب بمجسات حركة، و لأرسلت هذا المقترح إلى 10 مؤسسات مانحة، و لثابرت و لما توقفت حتى أجد لهذا المشروع تمويلاً و لو من تبرعات المواطنين.

- لو كان الأمر بيدي لأجريت دراسة مفصلة لمشروع يتم بموجبه استقلال المؤسسات الكبرى في قطاع غزة كالجامعات و الوزارات و الشركات الكبيرة و المصانع عالية السحب و الأبراج السكنية المرتفعة (حوالي 400 منشأة مثلاً) بمولدات مستقلة و فصلهم عن الشبكة الرئيسية، و لفاوضتهم على تعويضهم عن ما سيلحقهم من خسائر نتيجة شراء الوقود و صيانة المولدات بدلاً من سحب الكهرباء من الشبكة الرئيسية..... و لو كان الأمر بيدي لفعلت ما تفعله بعض المناطق في العالم و لطلبت من هذه المنشآت المستقلة بمولداتها أن تغذي فائض استهلاكها من الكهرباء للشبكة الرئيسية، و لدفعت لهم ثمن هذه الكهرباء.

- لو كان الأمر بيدي لأجريت دراسة مفصلة لمشروع يتم بموجبه فرض حد أقصى على استهلاك الطاقة لكل منشأة، على أن يتناسب هذا الحد مع مساحة المنشأة و ارتفاعها، و لأعلنت أن أي استهلاك في حدود الحد المسموح سيكون بنفس التكلفة العادية لكيلو الكهرباء، و كل كيلو زيادة على ذلك يتم دفع ثمنه ثلاثة أو خمسة أضعاف. 

- و لو كان الأمر بيدي لأتبعت هذا القرار بتعليم الناس كيف يمكنهم أن يقرأوا عدداتهم و يحسبوا مقدار استهلاكهم ليتأكدوا من مقادير سحبهم، و لأنشأت موقعاً خاصاً على الإنترنت يمكن للمواطن من خلاله أن يرى آخر قراءة لعداده، و الحد الأقصى الذي يجب عليه أن لا يتجاوزه قبل تاريخ القراءة القادمة.

شكل توضحي يقرب فكرة الصفحة التي تعرض معلومات الاستهلاك و التي أتمنى أن أنفذها ... لو كان الأمر بيدي!

- لو كان الأمر بيدي لاتخذت قراراً فورياً بسحب (أو تعطيل مؤقت لعمل) كل أجزة التكييف في المؤسسات الحكومية و المساجد، و لأمرت الجميع بالاكتفاء بالمراوح العادية في الحدود الدنيا.

- لو كان الأمر بيدي لترأست فريقاً يفاوض أصحاب مشاغل الخياطة و أصحاب المصانع و ما شابهها من المنشآت و لاقترحت عليهم العمل خلال الليل لتجنب سحب مقادير عالية من الطاقة في أوقات الذورة في النهار مقابل خصومات مغرية في فواتير الكهرباء.

- لو كان الأمر بيدي لأمرت الجهات المعنية بفصل الإنارة عن كل امتدادات الشوارع، و الاكتفاء فقط بإنارة المفترقات كما هو معمول به في الكثير من دول العالم.

- لو كان الأمر بيدي لما جلست واضعاً يدي على خدى منتظراً شفقة الجلاد، و لا منتظراً شفقة من ماتت في نفوسهم الرحمة و الشفقة من مجرمي الساسة الذين يحاصرون الشعب و يريدون ابتزازه و كسر إرادته و صموده.

- لو كان الأمر بيدي لما جعلت استراتيجيتي الوحيدة لمعالجة المشكلة هو السعي إلى الحل الجذري السحري الذي مازلت أنتظره منذ 6 سنوات و تحول دونه معوقات مهولة تفوق طاقتي.

- لو كان الأمر بيدي لعددت استراتيجياتي و نوعت أساليبي، و لما جعلت العجز عن إيجاد حل جذري يحول بيني و بين التفكير في حلول جزئية استدراكية طارئة.

- لو كان الأمر بيدي لتوقفت عن كثير مما أقوم به من جهد للتبرير و لوم الظروف و مطالبة الناس بالصمود... و لوفرت الوقت المستهلك في هذا كله  لإعمال العقل، و تحفيز التفكير، و السعي لإيجاد حلول إبداعية عملية تتحدى الحصار و تتحدى كل من يحاول كسر إرادة الشعب الفلسطيني لأهداف سياسية .... 

- لو كان الأمر بيدي و جاءني مقال كهذا المقال لتلقفته بكل سرور، و لقرأته ثلاث مرات، و لدرست محتواه بجدية، و لصوبت ما فيه من أخطاء و أنضجت ما فيه من أفكار، و لأضفت إليه أفكاراً جديدة،  و لطالبت كل صاحب رأي أو فكرة أو تخصص بإمدادي بما لديه من نصائح و أفكار و آراء مهما كانت بسيطة.

و على الله وحده التكلان.

الخميس، 12 يوليو 2012

سر فيتامين "واو"



احتاج أحد أصدقائي إلى استصدار جواز سفر لاستعماله في سفر طارئ عاجل فذهب إلى شباك تقديم الطلبات فقيل له ليس أمامك سوى الانتظار أسبوعين كما يقتضي النظام المعمول به، فأصابه الإحباط و عاد أدراجه مطرقاً حسيراً و سار هائماً على وجهه حتى لقيه قريب له و قال له بعد أن سمع شكواه: يا عزيزي (شغلتك بسيطة)  خذ هذا الرقم و كلم معالي سيادته و قل له (بيسلم عليك أبو فلان)....  جرب صاحبي الوصفة فوراً ... فكان على متن الطائرة في اليوم التالي!

أما صديقي الآخر فقد طلب منه موظف في إحدى الوزارات أن يرفق شهادة صحية تثبت حالته الخاصة مع طلب الوظيفة التي يريد التقدم إليها، فلما ذهب إلى الطبيب طالباً الشهادة رفض الطبيب و تعذر بخوفه لأن وزارة الصحة قد فرضت رقابة صارمة و تدقيق شديد على إصدار مثل هذه الشهادات، فتنقل بين ثلاثة أطباء آخرين سعياً وراء الشهادة فجاءه نفس الرد من جميعهم، فلما أصابه اليأس، شكى همه لجاره، فناوله عنوان منزل سكرتير معاليه...  فذهب إليه صاحبي و بلَّغه "سلامات" الجار .... فصدرت الشهادة في أول ساعة من نهار اليوم التالي!

و لي صديق ثالث، و رابع، و خامس، و سادس ... كلهم وقعوا في حرج مشابه فلم ينقذهم إلا فيتامين "واو":  الواسطة!

لست مختلفاً مع من يقول أن الواسطة هي مرض ثقافي اجتماعي، و لست مختلفاً مع الرأي بأن غياب الضمير و ندرة الأمانة عامل مساعد على انتشار هذه الآفة، و لكني اليوم بصدد تسليط الضوء على سبب آخر أعتقد أنه يغيب كثيراً عن الأذهان عند تناول ظاهرة الواسطة.

الفكرة باختصار هي أن الناس لا يلجأون إلى الواسطة في الغالب من باب الترف، و إنما يلجأون إليها لأن هناك حوائج ملحة لديهم تقف الأنظمة الإدارية و اللوائح حائلاً دون تحقيقها فلا يجد المواطن أمامه إلا البحث عن أي وسيلة لتحقيق حاجته.

إذا رأيت أن هناك حاجة ملحة متكررة لدى المواطنين لا يجدون لتصريفها و قضائها إلا الواسطة فاعلم أن المشكلة هي في النظام الإداري إذ أنه قد فشل في توفير وسيلة إدارية قانونية مباشرة تلبي حاجة الناس المتكررة.

آتي بمثال: الحاجة إلى السفر بشكل طارئ و عاجل أمر يتكرر كثيراً في حياة الناس، و تفرضه عليهم ظروف قهرية في العادة، فلو كان النظام الإداري يسمح ضمن لوائحه باستصدار جواز سفر مستعجل عن طريق تقديم طلب خاص برسوم أعلى عن رسوم الطلب العادي ربما مع الحاجة إلى تبرير سبب الاستعجال لوجد المستعجل في هذا الباب الإداري مدخلاً قانونياً مريحاً يمكنه أن ينفذ منه إلى تحقيق حاجته بشكل منظم و قانوني و شفاف دون الحاجة إلى اللف و الدوران. 

و قد يقول قائل: رسوم إضافية للطلب المستعجل أو المتأخر؟ لن يرضى بذلك أحد!  و ردي على ذلك أن اقفال الباب الرسمي في وجوه الناس ثم ترك الأبواب الخلفية مشرعة يفتح المجال واسعاً أمام الرشوى، و لا تعجب إن وجدت حينها المواطن الذي تخاف عليه من دفع رسوم إضافية مستعداً لدفع رشوى بل رشاوي ليصل إلى حاجته عند الاضطرار!

أقول هذه الكلمات لأنني وقفت على حالات متكررة وأمثلة متعددة أجد الناس فيها يقعون في حرج تحت ضغط حاجات ملحة فيصطدمون بنظام إداري يتشدد و يبالغ في التشدد في القنوات الرسمية ثم يستاهل و يفتح الباب على الغارب - كما يقولون - للقنوات الخلفية.

الخلاصة إذن: كلما وجدت حاجة ملحة يتكرر احتياج الناس إليها ولا يكون هناك منفذ إداري قانوني ينظمها فاعلم أن النظام الإداري فيه ثغرة أو خلل، إما على شكل بيروقراطية ممجوجة أو تشدد مبالغ فيه لا يوجد معه قانون يضبط الاستثناءات و يلبيها.


الثلاثاء، 6 ديسمبر 2011

تطبيق الشريعة شبهات و ردود: الإسلام و الحريات

الشبهة: التدين قضية شخصية  بين العبد و ربه و ليس من حق الدولة أو الحاكم التدخل فيها لفرضها أو منعها.

الرد:

قضية الحريات هي من أكثر القضايا التي يثيرها المُخَوِفون و المتخوفون من تطبيق الشريعة. فهم يرون و يروجون أن وجود إسلامين في الحكم سيفتح ملفات كلها تمس الحريات الشخصية للأفراد مثل الحجاب و الاختلاط و عمل المرأة و ما شابهها من الأمور.

و خلاصة ما ينادي به المتخوفون و الحريصون على صيانة الحريات هو ترك كل ما يتعلق بالدين بعيداً عن سلطان الدولة و عن تدخلها، و يقولون أن التدين و الالتزام بأحكام الشرع مسألة شخصية، و ليس من حق من يصل إلى الحكم حتى و لو جاء بالأغلبية أن يتدخل في قيم المجتمع أو ممارساته الاختيارية.

في اعتقادي أن هذا الكلام ليس صحيحاً على إطلاقه، بل هو بحاجة إلى تفصيل حتى تتضح المسألة و تزول الشبهة. و اسمحوا لي أن أقرر بعض الحقائق أولاً:

1- الحقيقة الأولى:  حريات الأفراد غير مطلقة
اتفقت كل التجمعات البشرية على مر العصور و حتى لحظتنا الحالية على أن حريات الأفراد ليست مطلقة، و كل دول و حكومات العالم قائمة أساسأ على هذا المبدأ، فالوظيفة الأساسية للحكومات هي تطبيق "القانون"، و القانون ما هو إلا مجموعة من النصوص التي تقيد و تضبط حريات الأفراد و تنظمها.


فالقانون الذي يمنع السيارات من السير في الاتجاهين في شارع ذي اتجاه واحد يقيد حرية السائقين، و القانون الذي يقضي بملاحقة و سجن متعاطي المخدرات يقيد من حرية من يحب مغيبات العقل أو أدمنها، و قوانين التنظيم الذي تحدد ارتفاع المباني في بعض الأحياء تقيد من حرية صاحب الأرض الذي يرغب في التطاول في بنيانه ...  إلى آخره من القوانين.   


و بالتالي فإن وظيفة أي حكومة في العالم هي تقنين و تنظيم و ضبط ممارسة الناس لحرياتهم!


2- الحقيقة الثانية: القيم و الأعراف تقيد الحريات
على الرغم من أن كل التجمعات البشرية في العالم و كل الدول بلا استثناء اتفقت على مبدأ عدم إطلاق الحريات، إلا أنها اختلفت فيما بينها اختلافاً كبيراً فيما ينبغي تقييده و ما ينبغي إطلاقه من الحريات، و لهذا تجد أن لكل دولة من دول العالم، بل أحياناً لكل محافظة أو مقاطعة من مقاطعات بعض الدول قانوناً مختلفاً.  و يرجع اختلاف القوانين إلى حقيقة مهمة، و هي أن القوانين تأتي انعكاساً لمجموع القيم و الأعراف و الموروثات الثقافية للشعوب.  


كل مجتمع من المجتمعات يتوافق أفراده على مجموعة من القيم و الأعراف، ثم تتم ترجمتها في صورة قوانين تقيد حريات الناس حتى يصان المجتمع بمنع خروج أفراده عن حدود تلك القيم.  


و لا توجد حدود واحدة ثابتة للحريات متفق عليها في كل العالم، و إنما تتفاوت البلدان فيما بينها في ذلك تفاوتاً كبيراً، و لذلك :


*  تجد مثلاً أن الدعارة (البغاء) قانونية في أغلب أوروبا و لكنها ممنوعة بنص القانون في أمريكا و كندا و الصين. (1)
* و تجد أن زواج الأمثال مسموح في قوانين بعض البلدان و ممنوع في بلدان أخرى. (2)
* و تجد أن تداول المواد الإباحية عبر الإنترنت غير مقيد في دول كثيرة من العالم، إلا أن الصين مثلاً تقوم بفلترة الإنترنت و تنقيتها و حجب المواقع الإبحاية، و تعاقب من يتعمد زيارتها. (3)
* و تجد أن قانون بعض الدول الأوروبية مثل أسبانيا و إيطاليا يجيز أن تعري المرأة صدرها في الأماكن العامة كالشواطئ، في حين أن هذا ممنوعاً في دول مثل أغلب ولايات أمريكا و كندا.
* و تجد أن قتح صلات القمار ممنوع في "اسرائيل" لأسباب دينية، في حين أن لاس فيجاس في أمريكا من عواصم القمار في العالم. (4)
* و تجد في  "اسرائيل" كذلك تضييقاً على تربية و تداول لحم الخنزير، و جدلاً كبيراً حول المسألة تمت مناقشته عدة مرات في الكنيست! و السبب في ذلك أن الخنزير محرم في الديانة اليهودية! (5)
* و تجد أن بلداً مثل الهند يمنع قانون معظم ولاياته ذبح الأبقار لأسباب "اعتقادية"، و قد تأكدت من هذه المعلومة بنفسي من أحد زملائي الهنود.(6)
* و قد رأيت بأم عيني يافطات منع شرب الخمر (بالقانون) في المتنزه المجاور للنهر الذي يمر في مدينة ديترويت، و في جزيرة بيلي الواقعة على الحدود الأمريكية الكندية (و كلاهما في ولاية ميشيجان الأمريكية)،  و على بعض شواطئ مدينة سانتاكروز المطلة على ساحل المحيط الهادي في ولاية كاليفورنيا الأمريكية.
* و غيرها الكثير ...

الذي أردته من خلال هذه الأمثلة هو أن أبين كيف أن حكومات العالم كلها تمارس واجبها في تقييد الحريات باستخدام القانون و انطلاقاً من معتقدات دينية أو قيم مجتمعية أو ثقافات متوارثة.  و لا أظن أن أحداً يقول أن هذا تدخل سافر من الدولة أو أنه ليس لها بحق.


كل الدول التي أوردتها في الأمثلة السابقة هي دول ديموقراطية و تقوم على تداول السلطة، و يقوم بإدارة الدولة الأغلبية التي ينتخبها الشعب، و تمارس صلاحياتها في سن التشريعات و القوانين التي كلها تمس الحريات بطبيعة الحال.  و في البرامج الانتخابية للأحزاب كثيراً ما تجد بنوداً تتعلق برغبة الحزب المتنافس على السلطة في تقييد إحدى الحريات أو إطلاق حريات أخرى. فعلى سبيل المثال في الانتخابات الأمريكية الأخيرة كان برنامج الحزب الجمهوري المحافظ يتضمن بنوداً تنادي بسن تشريعات تحظر الإجهاض و تمنع زواج المثليين. (7)

3- الحقيقة الثالثة: الإسلام عبادات و معاملات
ليس صحيحاً بالمرة أن الإسلام دين عبادات فقط خاصة بين العبد و ربه، بل هو دين معاملات أيضاً ينظم علاقات الناس بعضهم ببعض و فيه نظام ضابط لتفاصيل كثيرة في حياة الناس، و لهذا تجد أن أكثر كتب الفقه تنقسم إلى بابين رئيسيين و هما باب العبادات (كالطهارة و الصلاة و الصيام .. إلخ)  و باب المعاملات (كالبيع و الشراء و الصناعات ووجوه الكسب و الولاء و البراء ...  غيرها)، و أظن أن الجميع يعرف أن الفقه الإسلامي المستنبط من مصادر التشريع (القرآن و السنة) قد تضمن إلى جانب العبادات قضايا كثيرة مثل:
- فقه البيع و الشراء...  فحرم بيع الغرر مثلاً
- و فقه المعاملات المالية ... و يندرج تحتها تحريم الربا
- و فقه الأحوال الشخصية كالزواج و الطلاق و المواريث و غيرها من الأمور المعروفة
- و فقه غير المسلمين
- و فقه العلاقات الدولية 
- و فقه الحاكم و المحكوم 
- و غيرها الكثير ...


و كل هذه الأمور وردت  في القرآن و السنة في صورة أوامر و نواهي  (أي تشريعات و قوانين)


و عليه فبإمكاننا أن نقول أن الفقه الإسلامي قد تدخل في أغلب جوانب الحياة،  و لكن دعونا للتبسيط نعود إلى التصنيف الأصلي فنقول أن كل الأوامر و النواهي جاءت إما في شئون عبادية أو في شئون معاملاتية أو في شئون تحمل الوجهين معاً.


و من أمثلة الأمور التعبدية المحضة الصيام و المداومة على الصلاة و الحج .. إلخ  من العبادات التي تقتصر فيها العلاقة على ما هو بين العبد و ربه (و إن كان لها انعكاساً أخلاقياً على سلوك الإنسان في المجتمع) ، و هذا النوع من العبادات اختص الله بمراقبته و محاسبة المقصر فيه.


أما من أمثلة شئون المعاملات المحضة فمسألة البيوع مثلاً، فالبيع و الشراء ما هما إلا أمثلة علاقات تبادلية تجري بين الناس.


و من أمثلة الشئون التي يتجلى فيها كلا الوجهين من عبادة و معاملة: الزكاة، فهي عبادة للمتزكي، و هي في ذات الوقت حق للفقير.


و النوعين الأخيرين يقعان في حدود واجبات الدولة و صلاحيات تدخلها، و ذلك لتعلقهما بشئون المجتمع والعلاقات المتبادلة بين أفراده.


الحقيقة الرابعة: الالتزام بأحكام الشريعة واجب إلزامي و ليس اختيار
من القواعد الأصولية الثابتة في الفقه الإسلامي أن كل أمر أو نهي ورد في القرآن و السنة الأصل فيه الوجوب و الإلزام للفرد و "للمجتمع" المسلم، إلا ما وردت قرينة صحيحة صريحة في الكتاب أو السنة تنقله من الوجوب إلى معنىً آخر.

و بالتالي فإن كل ما ثبت وجوبه فهو ملزم للمسلمين، و لا مجال لمؤمن أن تكون له الخيرة فيما أوجبه الله :  "
 وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" - (الأحزاب: 36)

الحقيقة الخامسة: الشريعة أنزلت ليحتكم الناس إليها
* يقول الله تعالي: "و من لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الفاسقون" - (المائدة: 47).

* و يقول تعالي : "وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون" (المائدة: 49)


* و يقول تعالي: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما" (النساء: 105)

* و يقول تعالي: "فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت و يسلموا تسليماً" (النساء: 65)

* و يقول تعالي: " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منهم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون "(البقرة : 85) .

 هذه الآيات و غيرها تتجلى فيها بوضوح تام ثلاثة حقائق مهمة:

 الحقيقة الأولى هي أن الله عز و جل قد أنزل للناس شريعة ليتحاكموا إليها فيما بينهم في معاملاتهم و علاقاتهم و أنه لم يترك الأمر لاختياراتهم و أهوائهم.  و الحقيقة الثانية هي أن من واجب كل مؤمن أن يلتزم بكل ما جاء في هذه الشريعة. و الحقيقة الثالثة أن من واجب الحاكم أن يحكم الناس وفق هذه الشريعة.

الحقيقة السادسة: مساحات الحرية في الإسلامة واسعة
في الإسلام الأصل في الأمور الحل و الإباحة، و التحريم استثناء، وما هو مقطوع بحرمته في الإسلام قليل و محصور جداً و أغلبه مما لا يختلف عليه شخصان كلاهما عاقل!  فمثلاً:


* السرقة و القتل و القذف و الحرابة كلها أمور أجمع العالم بأسره على رفضها.
* الربا يشاهد العالم في كل يوم ضرره و خطره
* الخمر و مضيعات العقل كالمخدرات أجمع العالم كله على خبثها
* الزنا أجمعت الفطر السليمة كلها على النفور منه 
* التحرش و إيذاء النساء أجمعت قوانين الأرض على تجريمه


و عليه فالحريات التي يقيدها الإسلام ليست مبتدعة أو غريبة عن فطر البشر و لا عن قوانين الدنيا ... و ما جاءت أوامر الشريعة لتقيد حرية الفرد إلا لتحمي و تصون المجتمع.


الحقيقة السابعة: بين التشريع و التطبيق
هناك فرق بين التشريع و بين التطبيق...  فالتشريع تم و ثبت و لا مجال لتغييره  "اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي، و رضيت لكم الإسلام دينا" (المائدة: 3).  و باتمام الشريعة فهي تصبح ملزمة و لا مجال لتجاوزها.


أما التطبيق فيقصد به بذل كل الوسع لتطبيق أحكام الشريعة و الالتزام بها على مستوى الفرد و على مستوى المجتمع... و هذا واجب الفرد وواجب الحكومة معاً.


و لكن من روعة الإسلام أنه دينٌ واقعي و منطقي،  فالإسلام يراعي أن العجز عن تطبيق بعض أحكام الشريعة وارد، و هنا جاءت بعض المنافذ لتسعف الإنسان و المجتمع من الوقوع في الحرج عند العجز... و لكنها منافذ مضبوطة تقود إليها الحاجة و الضرورة و ليس الهوى و الرأي.


و من هذه المنافذ حد الاستطاعة "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" (البقرة: 286)،  "فاتقوا الله ما استطعتم" (التغابن: 16)، و من هذه المنافذ أيضاً  القاعدة الفقهية : الضرورات تبيح المحظورات، و منها القاعدة الأخرى: "دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة"


الخلاصة
* الأصل في أي بلد إسلامي يريد أن يعبد الله حق عبادته أن أحكام الشريعة هي مرجعية ضابطة للقوانين، ولا يجوز للدولة أن تسن تشريعات تخالف أحكام الشريعة الثابتة و المتفق عليها،  أما أي قانون من شئون الدنيا لا يخالف نصوص الشريعة الثابتة المتفق عليها فهو جائز بل و مرحب به في الإسلام لقول النبي صلى الله عليه و سلم :"أنتم أعلم بشئون دنياكم".


* اختيار الشعوب الإسلامية لقوانين و تشريعات مستمدة من الشريعة تتقيد  في ضوئها بعض حريات الناس التي تضر و تؤذي عموم المجتمع ليس بدعة بل هو موجود في كل العالم و هو أمر بدهي و لا يتعارض مطلقاً مع صيانة الحريات.


* من واجب  الحاكم في مجتمع إسلامي أن يسعى قدر استطاعته و بقدر طاقة تحمل و تقبل المجتمع إلى تطبيق أحكام الشريعة في الشؤون العامة ( أي ما يمس حقوق المجتمع، و ليس العبادات الشخصية المحضة كالصيام مثلاً) و لو بالتدريج.


* المسلم الساعي إلى تطبيق الشريعة بعد أن غابت من حياة الناس دهراً طويلاً  إذا ما كان لديه الفهم و العقل سيدرك الفرق بين التشريع و التطبيق و يفقه  أن الشروع في تطبيق أحكام الشريعة كفرض الحجاب مثلاً أو مجابهة بعض المحرمات المتفشية في المجتمع قد يفوق الطاقة و الوسع و ربما أدى إلى مفسدة أعظم، كما قال عمر بن عبد العزيز في أول حكمه "إنى أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعوه جملة ويكون من ذا فتنة" (٨) (٩)(١٠)



(1) دعارة حسب البلد: وكيبيديا الموسوعة الحرة
(2) الزواج المثلي: ويكيبيديا الموسوعة الحرة
(3) الصين تحجب المواقع الإباحية: الجزيرة
(4) القمار في الديانات: ويكيبيديا
(5) الخنزير: ويكيبيديا
(6) ذبح البقر في الهند: ويكيبيديا
(7) الإجهاض و الزواج في برنامج الحزب الجمهوري: ويكيبيديا
(٨) أورده الشاطبي في الموافقات .. ثم قال معقلاً: (وهذا معنى صحيح معتبر فى الاستقراء العادى)
(٩) انظر كدلك في كتاب "فتاوى معاصرة" ليوسف القرضاوي
(١٠) أنظر إلى كتاب "التدرج في تطبيق الشريعة الإسلامية "  للدكتور د. محمد عبد الغفار الشريف

شكر: أتوجه بالشكر إلى الأخ خالد لمساعدته لي قي تنقيح التدوينة، فجزاه الله كل خير.

الأحد، 4 ديسمبر 2011

تطبيق الشريعة: شبهات و ردود



لم أكن أود أن أكتب حول هذا الموضوع في هذا الوقت بالتحديد، و كنت أفضل أن يركز الجميع على هدف انتقال البلاد الثائرة إلى حالة الاستقرار و دوران عجلة تداول السلطة، و قطع الطريق على كل من يحاول أن يخطف الحلم و يعرقل التغيير و يشوه الصورة.

و كنت أتمنى أن نركز جميعاً في هذا الوقت الدقيق على الحد الأدنى المتفق عليه من برامج الانقاذ التنموي و الاقتصادي و الثقافي، كنت أتمنى أن يحدث هذا  قبل أن نبدأ نحقق في مواطن الاختلاف، و نفصل في مواضع الخلاف. و السبب في ذلك أن مهمة رجل المطافئ و رجل الإسعاف تسبق مهمة المحقق و القاضي، و إنقاذ المصاب النازف يتقدم في الأولوية على ما سواه.

إلا أن فضاء الإعلام المقروء و المسموع و المرئي و الالكتروني لم ينفك تثور فيه قضية تحكيم الشريعة، لاسيما في ظل قوة المؤشرات التي تنبئ بصعود بارز للتيارات الإسلامية في الدول العربية التي تشهد ثورات أو محاولات إصلاحية جادة.

و إذا تجاوزنا بعض من يتعمدون إثارة المسألة بنوايا سيئة تهدف إلى التخويف و التشويه من خلال التلفيق و التشهير و إثارة الشبهات - إذا تجاوزنا هؤلاء فإننا نجد أن الموضوع بطبيعته قد فرض نفسه على الساحة و أضحى حديث الساعة، و أصبح الكل يتساءل حول شكل الدولة، و مصير الحريات، و مستقبل تداول السلطة، إلى آخره من الأمور.

و هذه كلها تساؤلات مشروعة يحق للناس أن يطرحوها أمام كل فكر و أمام كل برنامج، و إن كنت أزعم أن كل التساؤلات التي تثار أمام المنهج الإسلامي و موضوع تطبيق الشريعة كان من الممكن أن تكون الأسهل إجابة، و أن تكون إجاباتها الأسرع  نفاذاً إلى قلوب الناس ... لولا تدخل الإعلام الذي يجيد فن التحريش، و لولا ذلك الميراث الثقيل الذي خلفته أنظمة الجور و الظلم و الفساد التي أفسدت الذوق، و حرفت الفكر، و شوهت القيم، و قلبت المعايير، و أثارت الشبهات، و عممت البلاء!

و لا بد أن أعترف هنا أن الخطاب التميعي لبعض الإسلاميين، و الخطاب شديد اللهجة و المتسرع من قبل إسلاميين آخرين، قد ساهم إما في إشاعة فهم خاطئ في الحالة الأولى أو قلق زائد في الحالة الثانية.

و مما زاد الطين بلة أن تطبيق الشريعة أصبح موضوعاً للرأي الشخصي المطلق والتصورات الذاتية للأفراد، كمن يعطي رأيه في شكل ثوب أو طعم طبق أو مذاق مشروب جديد!  و تناسى الجميع أن الأمر يحتاج إلى دراسة و تخصص،  تماما كمن يقدم مقترحات لإصلاح طائرة معطوبة أو جهاز إلكتروني مُعطَّل و هو ليس بمتخصص، و لم يكلف نفسه حتى أن ينظر في دليل صيانة الطائرة أو دليل تشغيل الجهاز!

أصبح الكثيرون يطرحون آراءً في تطبيق الشريعة و يقترحون خططأ و برامج دون حتى أن يكلفوا أنفسهم أن يتعرفوا على الشريعة و مضامينها و مراميها، و دون أن يطلعوا على بيان أحكامها المرغوب تطبيقها، و لا على آليات التطبيق التي بينتها و حددتها الشريعة ذاتها، أو الآليات التي تركها الشارع مفتوحة للاجتهاد و الرأي و المشورة وفق شروط و ضوابط.

و هذا الداء أصاب كثيراً من عوام الأفراد، و أصاب بعضاً من خاصتهم، ممن يتصدرون للإعلام بصفاتهم الثقافية أو الفكرية أو السياسية،   و حتى بعض من يتحدث باسم الإسلام و باسم الشريعة.

فلما كان الحال هكذا رأيت أن أكتب حول المسألة... ليس لأفتي فيها أو أقدم اجتهاداً جديداً، فليست هذه صنعتي و لا مجال تخصصي، وليس لدي من الزاد ما يكفيني لاقتحام هذا الطريق ...  إلا أنني وجدت أن كثيراً من المسائل التي تثار ما هي إلا شبهات سهلة الرد،  أجوبتها إما صريحة في نصوص الوحيين (الكتاب و السنة)، أو شاخصة في الواقع المشاهد، أو نابعة تلقائياً من المنطق المنضبط.

حول هذه الشبهات سوف أكتب، و جهدي لن يعدو تجميع و تنظيم خلاصات ما سمعته و قرأته و استنتجته من خلال متابعة و قراءة و مطالعة و بحث سابق في المسألة.  

و لا أدعي الصوابية المطلقة لما سأقول ... فإن أصبت فمن توفيق الله، و إن أخطأت فمن نفسي و من الشيطان.

و لطول الموضوع و عدم كفاية الاختصار فيه فسوف أكتب في حلقات كلما أسعفني الوقت ... و في كل حلقة أتناول مسألة من المسائل أو شبهة من الشبهات .... و من الأسئلة أو الشبهات التي سأتطرق إليها:

  • شبهة: التدين قضية شخصية  بين العبد و ربه و ليس من حق الدولة أو الحاكم التدخل فيها لفرضها أو منعها.
  • شبهة: يجب أن لا يتم إقحام الدين الطاهر المقدس في العمل السياسي و شئون الحكم تنزيهاً له و حفظاً له من التدنيس، و حتى لا يصبح محل جدل و خلاف بين الناس.
  • شبهة: الخلافات الفقهية كثيرة، و كثيرمن المسائل الشرعية فيها آراء متعددة و متباينة. هذا يجعل اتفاق الناس على تطبيق أحكام الشريعة أمراً صعباً أو مستحيلاً.
  • شبهة: فرض أحكام الشريعة على الناس يؤدي إلى نتائج عكسية، و يؤدي إلى رفض الدين و مقاومته لا إلى تبنيه.
  • شبهة: العمل بأحكام الشريعة يتناقض مع أهم مبادئ الدولة الحديثة التي تقوم على المواطنة و المساواة بين المواطنين على اختلاف دياناتهم في الحقوق و الواجبات.
  • شبهة إدا طبقنا الشريعة فسوف يقاطعنا العالم، و نخسر علاقاتنا الدولية لاسيما مع الغرب.
  • شبهة: إن كنا نقبل بتطبيق أحكام الشريعة على المسلمين، فما مصير الأقليات غير المسلمة؟
  • شبهة: العديد من أحكام الشريعة و الحدود كالجلد و قطع اليد و غيرها تتناقض مع حقوق الإنسان، و من غير الممكن عملياً تطبيقها في هذا الزمان.
  • تساؤل: ما الذي يحول بيننا و بين تقبل أو تصور إمكانية تطبيق أحكام و حدود الشرع؟
  • شبهة: إذا حكم أحد باسم الإسلام فإنه سيحتكر فهم الإسلام و لن يستطيع أحد نقده أو  محاسبته.
  • و غيرها الكثير من النقاط ...
و سأجتهد أثناء الكتابة أن أشير إلى المراجع و أن أوثق كل نقل ما استطعت إلى ذلك سبيلاً ... و الله المستعان.

الأحد، 27 نوفمبر 2011

إصلاح ... لا مصالحة!

منذ عدة سنوات و الواقع الفلسطيني يشهد تراجعاً مستمراً على كافة الصعد السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية. 

يعزو الكثيرون هذا التردي إلى الانقسام الجيوسياسي بين الضفة وغزة أو بين فتح و حماس.

و الحقيقة -من وجهة نظري- أن هذا غير صحيح، فحالة التراجع سبقت الانقسام و استمرت بعده، و ما جاء الانقسام في المنتصف إلا كأحد صور و تجليات حالة التردي.

الاعتقاد بأن المصالحة السياسية بين فتح و حماس هي وحدها الكفيلة بإيقاف النزيف و إسعاف الواقع المزري، هو اعتقاد خاطئ.

يؤسفني أن أقول أننا قد أضعنا وقتاً طويلاً في انتظار المصالحة، و علقنا آمالاً كثيرة و عريضة و طويلة على كل اجتماع أو مبادرة أو ورقة تفاهمات تساهم في تقريب المسافة بين الطرفين. كل هذه الآمال كان منطلقها اعتقاد البعض أن الانقسام هو المشكلة و أن المصالحة هي العصا السحرية التي ستقلب الواقع و تغير اتجاه المنحى من هبوط إلى صعود.

الذي أراه أن الحالة الفلسطينية بحاجة إلى "إصلاح"  و ليس إلى "مصالحة". و السبب في هذا شديد البداهة و الوضوح، ذلك أنه في حال وجود خلل أو مرض فإن الحل الأمثل هو في إصلاح الخلل و علاج المرض،  و ليس في التوافق أو التصالح على كيفة التعايش مع الخلل أو التأقلم مع المرض!

"الإصلاح" يعني فعل ما هو صواب رضي من رضي و غضب من غضب..  في حين أن "المصالحة" تعني تقريب وجهات النظر و طرح مساومات و تقديم التنازلات (حتى عن بعض ما هو صواب ربما!)

الخطأ الذي وقعنا فيه هو أننا جلسنا في بيوتنا ننتظر "التصالح" ... مغفلين أن المطلب الجوهري للشعب و الجمهور هو "الإصلاح"، بغض النظر عن اتفاق الأطراف أو اختلافها!

بوقوعنا في هذا الخطأ أصبح مستقبل الوطن و حقوق المواطن و تصورات الشعب في كيفية إدارة بلده .. كلها أصبحت ملفات على طاولة التفاوض الفصائلي، و محل مساومة و أخذ و رد، و عرضة لضغوط خارجية و داخلية، و رهينة لمصالح دولية و إقليمية.

الحراك الشبابي الذي شهدناه في الشارع الفلسطيني خلال العام المنصرم - و إن كان إيجابياً من حيث أنه طمأننا أن صوت الشعب مازال حاضراً - إلا أنه للأسف أخفق في فهم المعادلة، ووقع في نفس الخطأ و من هنا كان الفشل السريع.

إنه من الغريب و من المدهش و من المحزن أن تظل مطالب أساسية كإصلاح منظمة التحرير، و إصلاح الأجهزة الأمنية، و إعادة النظر في المسار السياسي و غيرها مقترنة بملف المصالحة و مطروحة للتفاوض و التداول و التنازل، و مرهونة بالتزام الأطراف، و تحتاج إلى بناء ثقة و مقدمات و مؤخرات.. إلخ ...إلخ ....  في حين أنه لا يختلف عاقلان على أنها من الضرورات الأساسية لمعالجة الخلل، و أن التأخر في تحقيق هذه الإصلاحات الضرورية و الرئيسية هو رأس الخلل و أس الداء و أساس البلاء... و هو من الأسباب الرئيسية التي قادت إلى الإنقسام!

من المؤسف أن هذه الملفات الجوهرية أصبحت محل للاستقطاب الحزبي و التناقر الفصائلي!

الوصول إلى اتفاق مصالحة - إن تم - أمر إيجابي بلا شك و خطوة على الطريق، و لكنه باعتقادي ليس ضرورياً حتى نتحرك نحن (أي الشعب) إلى الأمام... على الحراك الشبابي و الفعاليات الشعبية أن تفيق من سباتها و أن تنتبه إلى أهداف الشعب الكلية، و إلى متطلبات الإصلاح، فتنهض للمطالبة بها، و تنتزعها من مكانها الخاطئ في ملف التفاوض الفصائلي، لتنقلها إلى مكانها الصحيح في ملف الإرادة الشعبية!

لست ألوم طرفي الانقسام أحدهما أو كلاهما لتأخر المصالحة، و لكني ألوم أنفسنا لأننا اختلطت علينا الأمور فتواكلنا على "المصالحة"، و تقاعسنا عن واجب "الإصلاح".