الجمعة، 29 يونيو، 2012

خواطر على طريق النهضة: 2- عذ روحك ... و اكتمل

هذه الخاطرة الثانية من مجموعة خواطر نثرية أدبية كتبتها منذ 6 أعوام تحكي قصة رمزية لأحد صناع الحياة جلس دهراً طويلاً في بيت السلبية و النكوص، و بعد أن التذع قلبه لحال وطنه و أمته قرر أن ينهض و ينتفض و يخرج من سلبيته إلى طريق الإيجابية و صناعة الحياة و النهضة. 

الخاطرة الأولى كانت بعنوان المفتاح  و رسالتها الأساسية أن أول خطوة في طريق العمل لأجل نهضة الأوطان هي عقد نية خالصة لا تخالطها مصالح شخصية أو مطامع دنيوية أو حظوظ نفس.


الحلقة الثانية: غـذِ روحـك ... و اكـتـمـل


لم يزل صانع الحياة مع نفسه في جهاد و مكابدة، و مع شيطانه في مراغمة و مغايظة و مكايدة، و مع أهواء النفس و مزالق الشهوة في مناوءة و مباعدة ...

و لم يزل يغربل المقاصد ، و يتحرى خفايا النوايا، و يتبرأ من الأغيار ... 

و لم يزل له من طول الوقوف على باب الله ظهير،  و من طول الإخبات و التضرع نصير ... حتى وقعت يده على المفتاح، فأخذه بقوة و طار إلى الباب، هاجراً بيت السلبية،  قاصداً طريق الإيجابية، عقله مشغولٌ بهموم أمته، و قلبه ينبض بالشوق إلى النهضة. 

وقف على العتبة ...
أدار الترس ...
فتح الباب ...
أبصر الطريق:  أشواكٌ كالإبر ... صخورٌ كالجبال ... روابي و قيعان … أمواجٌ و لُجَّةُ بحر... طولٌ و بعد … غربةٌ ووحشة ...

ثم رمق في الافق من صناع الحياة من سبق ... رأى المقدام الثابت ... و رأى المتعثر المتباطئ ... و رأى المغبون المتساقط.   سنة الله في تفاوت مراتب و همم السائرين من المصلحين و الصانعين رآها عياناً، و أدركها قلباً و عقلاً.  سنة الله رُويت له أحاديثَ تناقلتها أجيال الصانعين بالسند الصحيح عن سيد المرسلين و إمام الصانعين، و دونها صانع بخارى في جامعه: 

::: (تجدون الناس كإبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة ) :::

مازال الصانع الراحلة بالباب يهم بالسفر... و إذ بصوت يصيح به: "و تزودوا"،  فالسفر طويل، و المشاق كثر، و العوائق تترى.
و هل تقطع الأسفار بغير زاد ؟!
فكيف إذا كان سفر الصانع إلى الله ؟ و مقصده نهضة دونها المكاره؟!
لابد من زادٍ إذن!

فإن أسرع صاحبنا و اندفع في الطريق، و لم يتزود بزاد، و لم يغذ روحه بغذاء ... فسرعان ما سينقطع، و ليس له حينئذ إلا صف المغابين المتساقطين، و كان مصلحاً دعياً – أي يدعي الإصلاح-  يصلح حياة الآخرين و نفسه إلى الإصلاح أحوج ...

هل يُطلب الماء ممن يشتكي عطشاً؟ **** هل يُطلب الثوب ممن جسمه عار؟

لا .. لا .. لا 

يا بانيا بالماء حائط بيتــه ****  فوق العباب أرى البناء مهيلا
أرأيـت قـبـــلك عاريــــــا ****  يــبــغـى نـزال الدارعيـنـــــا!


قبل أن تخوض غمار صناعة الحياة، و قبل أن تسلك طرق النهضة الوعرة: اصنع نفسك، و غذ روحك، و اصقل قلبك ... أكمل النقص، أصلح الخلل، ارأب الصدوع، سُد الثغور ... ثم سر إلى الله،  و اقصد سبيل النهضة، و ررد معي و مع وليد الأعظمي :

كن رابط الجأش و ارفع راية الأمل **** و سر إلى الله في جدٍ بلا هزل
و إن شعرت بنقصٍ فيك تعرفـــــــه **** فغـذ روحك بالقرآن و اكتمــل

وغذ قلبك بالإيمان و اكتمل
وغذ نفسك بالأخلاق و اكتمل
وغذ جسمك بالرياضة و اكتمل
وغـذ عقلك بالعلوم و اكتمل
وغذ ذاتك بالتدريب و اكتمل

تغذَ و اكتمل ... ثم انطلق!


و إلى لقاء قريب مع الحلقة الثالثة بعنوان: هل يقف؟

الاثنين، 25 يونيو، 2012

خواطر على طريق النهضة: 1- المفتاح

توطئة
هذه مجموعة خواطر نثرية أدبية كتبتها منذ 6 أعوام تحكي قصة رمزية لأحد صناع الحياة جلس دهراً طويلاً في بيت السلبية و النكوص، و بعد أن التذع قلبه لحال وطنه و أمته قرر أن ينهض و ينتفض و يخرج من سلبيته إلى طريق الإيجابية و صناعة الحياة و النهضة. ذكرتني بهذه الخواطر تلك المشاعر المختلطة التي نعيشها هذه الأيام و نحن على أعتاب مرحلة جديدة في عالمنا العربي و نحن تستشرف الحرية المفقودة و النهضة المنشودة، فرأيت أن أعيد نشرها بعد تنقيحها.
و أكثر في هذه الخواطر من نقل أبيات الشعر و الأقوال المأثورة، كما أكثر من الصورة التشبيهية و الاستعارات المكنية و المعاني المجازية و التعبيرات الرمزية.

الحلقة الأولى : المفتاح




تلهب أشواق النهضة نفس الصانع ... و تضطرم في روحه شعلة الحنين إلى المجد ...

فيفزع من فوره متسربلاً بلؤمة (1) التغيير ... متقلداً معول البناء ... قاصداً سبيل الريادة ... دالفاً من باب النهضة...
فإن امتلك الصانع مفتاح الدخول كان العبور سهلاً ، و كان السير في طريق النهضة حقيقة واقعة ... ثم لاشك بعدها في الوصول ... و لو بعد حين ... 
أما إن كانت الأخرى و غاب المفتاح .. كان السير أحلاماً و خيالات ... و كانت النهضة صوراً و تهيؤات ... و أقدام الصانع مكانها لم تجاوز العتبة ... بل لعله أخطأ الباب و أقحمه هواه في سراديب الظلام ...
إنه المفتاح ... روح الدين ... و لُباب العبادة ...و جذر الإيمان ... و أساس كل عمل... و مدار القبول أو الرد ...

إنه: الإخلاص

يدرك صانع الحياة هذه الحقيقة أيما إدراك فتراه يخطو السير على نهج الأوائل و يكرر ما قاله خامس الراشدين و يبدأ مشواره في صناعة الحياة بالذي بدأ خلافته به يوم أن قال : ( لأعقدن عقداً لا يكون للشيطان فيه نصيب ) ثم يصيح بمن حوله من الصانعين : 


قولوا للواقفين بغير باب الله : يا طول هوانكم
قولوا للعاملين لغير وجه الله : يا ضيعة أعمالكم

فلا صناعة للحياة إلا بالإخلاص ، و لا استمرار إلا بدوام الإخلاص ... فمن صَفا :صُفِّي له ...و من خَلَّط : خُلِّط عليه و تخبط ... و ليس له ثمة إلا السراديب .,. فإذا ما قُضي الأمر،  و حان وقت العرض فلات حين مفاتيح ...

(فمن صحت لله بدايته : صحت نهايته ، و من فسدت بدايته فربما هلك )

و هذا حال أي عمل لم يكن جذره التجرد و لم يكلل بالإخلاص ...

و لا يزال صانع الحياة يستذكر ما طالعه يوماً في "تركيب الشظايا" من قصة المحدّث الثقة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب شريك مالك بن أنس في إمامة المدينة المشرّفة، (لما قال حين بلغه بدء تدريس مالك للموطأ واجتماع الناس عنده: لأصنّفنّ موطأ أكبر منه. 
وكان حسدُ الأقران يحرّكه –ربما- ، فصنّفه...
فقال مالك: ما كان لله بقي.
ودارت الأعوام والقرون، وإذا بموطأ ابن أبي ذئب لا يعلم به أحد، غير أحاديث قليلة نقلها البخاري في صحيحه، بل حتى ولا توجد مخطوطة لموطأ المنافسة هذا.
و إذ الأجيال تحتفي بموطأ مالك، حتى أن الدار قطني ألّف كتاباً رصد فيه اختلاف ألفاظ تسعين رواية مستقلّة كاملة لموطأ مالك عن تسعين من تلامذته، والبخاري وحده انتقى من أربعة عشر رواية منها رواها له شيوخه من تلامذة مالك، عدا ما رواه بواسطة، فانظر البركة، وانظر العقوبة، وانظر شيوع الذكر، وانظر خفوته، وما يشاء الله يفعل، وما يعِد يكون.) 


إنه الإخلاص و التجرد ... هذا هو مفتاح القاصدين ...و سر الناجحين ...


يا عابر الخــطوات نـحـو فلاحــك *** أسكبت نور الزيت في المصبــــاح؟
و شرعت تمشي و الرياح خوافق *** لــــــــم يثن عزمك وابـل الأتــراح
العـهد أولـه اتبــاعٌ صــــــــــــادقٌ *** و عليه بالإخلاص خير وشــــــــاح
هذا هو المفتاح فـــاعرف ســـــره *** و ابدأ دروب الشوق بالمفتــــــــــاح

و ابدأ دروب الشوق بالمفتـــاح


و إلى لقاء قريب مع الحلقة الثانية بعنوان: عذ روحك .. و اكتمل


-------------------------------
(1) اللؤمة هي لباس الحرب