مدخل




إن مثل الأمم كمثل الأفراد سواءً بسواء، تتناوب عليها مراحل شباب و قوة، و مراحل شيخوخة و ضعف، و تعتريها بين الفينة والأخرى بعض الأدواء، و تنال من قوتها و صلابتها بعض الأمراض و الآفات ( الله الذي خلقكم من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة، يخلق ما يشاء وهو العليم القدير).

و تبقى الأمة - كما الإنسان - تصارع أدواءها، و تشكو آلامها، حتى تتداركها رحمة الله، فيقيض لها طبيباً ماهراً، و نطاسياً بارعاً ، أو إن شئت فقل : 
جرَّاحاً محنكاً ! يحسن تشخيص الداء، و معرفة العلة، و اكتشاف مبعث الألم ، و يجيد توصيف الدواء، و اقتراح العلاج ، ثم يباشر التطبيب و الجراحة و النطاسة حتى يُكتب أخيراً على يديه الشفاء - بإذن الله.

و لكل داءٍ من الأدواء أسباباً أدت إلى وقوعه، و مظاهرَ و علاماتٍ تدل على وجوده، و ألمٌ مصاحبٌ يؤكد حصوله، و مضاعفاتٍ و تداعياتٍ نتجت عنه و سببت أدواءً و عللاً  أخرى و زادت الآلام آلاما.

و ما من  داءٍ إلا و له دواء، حقيقةٌ قررها صلى الله عليه و سلم (ما أنزل الله من داء ، إلا أنزل له شفاء)  رواه البخاري ومسلم.
                                                                                                                
و أول خطوة لتعيين الدواء : معرفة الداء.  إلا أن الداء إذا استفحل، و سرى أثره و تغلغل ، كان تشخيصه عزيز، و التعرف على تبعاته و مضاعفاته عسير، و لربما لجأ الطبيب إلى الجراحة و كانت أداته 
مشرط حاد، يشعر المريض معه بالألم كلما لامس موضع جرح. و كلما كان الجرح أكثر غوراً، كان عمل المشرط في الجسد أشد إيلاماً... ألمٌ لابد منه، و قد قيل : (مشرط الجرَّاح ... يداوي الجراح ) في تعبيرٍ مجازي بلاغي، نفهم منه أنه لابد من وقفةٍ جريئة أمام الأمة، أداتها مشرط دقيق، يتحسس مواضع العلل في خطوة أولى لامفر منها إذا ما رُمنا الشفاء.

بهذه الكلمات أفتتح مدونتي: مِشرطُ جرَّاح ، و التي أحاول من خلالها أن أسلط الضوء على مكامن الداء الفاتكة في جسد الأمة، و أتفاعل مع ما يجري في ساحة هذا الجسد من أحداث، و أعلق على ما يطرأ عليه من ظروف و مستجدات. و جهدي هنا لن يعدو تجميع شوارد و خلاصات ما طالعته في كتب النبلاء من الأطباء، و البارعين من أهل الجراحة، ممن أسهبت مشارطهم في تتبع الأدواء، و مراقبة الظواهر، و قراءة ما وراء الأحداث، و تبيين العلل، و تعريف كل داء، بل و اقتراح الدواء .

و مما يرتجى فيما سينشر هنا من مقالات أن لا يكتفي متلقفيها بالقراءة، بل يريد صاحبها لها أن توضع على طاولة التشريح، لتفصيل المجمل، و توضيح المبهم، و تكميل الناقص، و تأكيد العابر، و الاستدارك على المبالغ فيه. فمرحباً بكل نقد أو تعليق أو إضافة.