الأحد، 12 فبراير، 2012

عشرة عوامل تعيق استيعابنا السياسي



التغيرات الدراماتيكية التي شهدتها الساحة العربية مؤخراً لم تقف عند حدود إسقاط أنظمة حكم  أو زلزلة عروش بعض الطغاة، بل رافقها و تبعها هزة في العقول، و انتفاضة في الوعي العربي العام، و ظهور اهتمام شعبي غير مسبوق بمجريات الساعة على كافة المستويات السياسية و الاقتصادية و الفكرية.

المراقب لمواقع التواصل الاجتماعي و منتديات الحوار و ساحات الدردشة يلمس انخراط أعداد كبيرة من عوام الناس و خواصهم من شتى الأعمار، و كافة الطبقات، و مختلف التوجهات و الخلفيات في متابعة الشأن السياسي، و التفاعل مع الأحداث و التعليق عليها لحظة بلحظة، و التعبير عن الرأي تجاه كل مستجد و تجاه كل واقعة.

و الذي لاحظته من خلال متابعتي لهذا السيل الدافق من الآراء و التعليقات و التصورات التي امتلأ بها الفضاء الالكتروني هو أن الكثير منا - و لا أستثني نفسي إطلاقاً - نخفق في كثير من الأحيان في استيعاب حقيقة الواقع و نفشل في إدراك الصورة الكلية للمشهد السياسي بكل تفاصيله الفسيفسائية.

و بعد تأمل و تدبر و تفكير في أسباب و أبعاد هذا الإخفاق خرجت بعشارية أظنها تلخص معظم معوقات استيعابنا لمجريات الحدث السياسي و ما يترتب على هذا الإخفاق من تبني لآراءٍ خاطئة، أو التأثر السريع بتزييفات الإعلام و تلفيقاته، أو التحمس المبالغ فيه لبعض الخطب الرنانة و الكلمات الحماسية، أو النظرة المتشككة و المصحوبة بسوء الظن تجاه مواقف سياسية نعجز أحياناً عن فهم دوافعها و مبرراتها.

في هذا المقال أسرد النقاط العشرة مع تعليق مختصر على كل منها، و أترك التفصيل لاستيعاب القارئ و عقله الذكي، و قد أعود في المستقبل لأكتب و أعلق بالتفصيل على بعض النقاط و أعززها بالأمثلة في تدوينات مستقبلية إن أتيحت الفرصة لذلك.

معوقات الاستيعاب العشرة:

أولاً: عدم وضوح الأهداف

الكثير منا يتابع الشأن السياسي دون أن تتضح في ذهنه الأهداف الكلية للعمل السياسي في ضوء معطيات الزمان و المكان و ضرورات المرحلة، و لذلك تجده كثير التردد، دائم التخبط، سريع التقلب في الرأي، ضعيف الثقة بنفسه و بالآخرين. و لو نظرت  إلى مواقفه السياسية و تعليقاته على الأحداث نظرةً شمولية لوجدتها متناقضة و عشوائية،  لا منطق واضح يحكمها و لا سياق محدد يمكن وضعها فيه. و كذلك تجده يتسجيب لأي دعوة حماسية و أي رأي طالما أن صوته عالٍ دون أن يعطي نفسه الفرصة لاستحضار الهدف و التأكد من أن السلوك السياسي الذي هو بصدد فعله أو تبنيه أو تأييده متسق و متفق مع الهدف!


ثانياً: الخلط بين الوسائل و الأهداف

و هو من نتائج ضبابية الهدف.  إذ تجد الكثير من الناس يخفقون في التفريق بين الهدف المراد تحقيقه و بين مجموع الوسائل المؤدية إلى الهدف. بل كثير منهم تنقلب عندهم الوسائل إلى أهداف،  و بعد أن كانت الوسائل عامل متغير يتغير وفق تقديرات الظروف و موازنات المصالح و المفاسد فإذا بها أصبحت ثوابت لا تتغير ولا تتبدل!   بل في كثير من الحالات يصل الأمر إلى أن تصبح مجرد مناقشة الوسيلة أو طرح بديل عنها تهمة و شبهة يتلقى صاحبها كيل من الشتائم القاذعة و اتهامات التخوين و التآمر!

ثالثاً: الفشل في ترتيب الأولويات

التعرف على الأهداف و القدرة على تمييزها عن الوسائل لا يكفي لبناء فكر قويم أو اتخاذ موقف سياسي سليم،  إذ لابد أن تقترن الأهداف و الوسائل بسلم أولويات يتم التفريق فيه بين الهدف الاستراتيجي و الهدف المرحلي، و بين الهدف المهم و الهدف الأقل أهمية، و بين الهدف القابل للتحقيق و ذلك بعيد المنال. و كذلك التفريق بين الوسيلة الناجعة و الأنجع، و بين الوسيلة المكلفة و الأخرى الأقل كلفة، و هكذا...

القدرة على استيعاب و فهم الأولويات من المهارات الأساسية للإدراك السياسي السليم. 


رابعاً: الإخفاق في فهم الموازنات

معظم الأمور التي تعرض لرجل السياسة يصعب اتخاذ قرار بشأنها تتحقق به كل المنافع و تجتنب فيه كل المفاسد، و لذلك يجد رجال السياسة أنفسهم في كل مرة مضطرين إلى موازنة المصالح و المفاسد المترتبة على كل قرار، و هنا تأتي القواعد الأصولية المنطقية لتساعد في الحسم:  فدفع المفسدة أولى من تحقيق المصلحة، و من الممكن الرضى بالمفسدة الأقل إذا كان قبولها يدفع مفسدة أكبر، و قد نقبل بتضييع المنفعة الصغيرة إذا كان تضييعها يتيح المجال لتحقيق منفعة أكبر، و هكذا...

كثير من ارتباكات الناس في فهم السلوك السياسي للعديد من التيارات و الشخصيات السياسية يعود إلى الإخفاق في فهم معادلة الموازنة هذه.

خامساً: عقلية البعد الواحد

و من العوامل الخطيرة التي تحد من استيعابنا السياسي كذلك سيطرة عقلية البعد الواحد و السبب الواحد و العامل الواحد على تفكيرنا كل ما عرضت لنا مسألة من المسائل.  

كثير من الناس يعجز عن ملاحظة و إدارك و فهم كافة أبعاد المسألة السياسية محل النظر، فتجده يمسك بأحد أبعاد القضية أو أحد العوامل المؤثرة فيها و يتوقف عنده لا يجاوزه، و لذلك تجده يبني أحكامه على إدراك منقوص و فهم مجتزأ للمشكلة.

سادساً: النظرة السطحية للأحداث

كثير من الناس يتناول الموضوعات الكبيرة و الأحداث الجليلية تناولاً سطحياً غريباً،  فتجده يحكم على ظاهر المسألة - أو بعض ظاهرها حتى - دون أن يتعمق فيها، و دون أن يحاول التعرف على كافة جوانبها الظاهرة و الخفية، و دون أن يضعها في سياقها الزمني، أو أن يدرس العلاقة بينها و بين المسائل الأخرى المزامنة لها، و دون أن ينتبه إلى كافة العوامل المتداخلة المؤثرة في عموم المشهد و الحاكمة له.

سابعاً:  قصر النظر و ضيق الأفق

قِصَر النظر السياسي من أكبر المشاكل، فما أكثر أؤلئك الذين لا تتجاوز رؤيتهم السياسية حدود ما تحت أقدامهم، فهم لا يعون إلا الساعة التي هم فيها، و يتخذون قرارات اللحظة الآنيِّة دون مبالاة باللحظة الآتية، و دون استشراف للمستقبل، و دون محاولة توقع تبعات  و نتائج الخيارات المختلفة و مآلات مسارات التحرك السياسي.

ثامناً: التعصب بنوعيه

و التعصب نوعان، "تعصب مع" و "تعصب ضد"، فهناك من يتعصب لطرف معين فيرى كل أفعاله صائبة حتى و إن كان العور فيها ظاهر و الغلط فيها جلي. و هناك من يتعصب ضد طرف آخر فلا يرى له حسنة، و لا يقبل منه أي موقف، و ينظر إليه بعين الشك و الريبة، و يرفض الحق إن أتى به فقط لأنه جاء منه.

"المتعصب مع" و "المتعصب ضد" كلاهما كالذي على عقله و قلبه غشاوة أو كالذي يلبس نظارة متلونة بلون من يتعصب له أو بلون مضاد لمن يتعصب ضده، و هذا بلا شك لا يرى الكثير من تفاصيل المشهد و يفوته الكثير من الفهم فيقع في الخطأ.

تاسعاً: عدم الاستناد إلى معطيات كافية

الكثير منا يصدر أحكاماً سياسية و يتخذ مواقفَ و يبني تصوراتٍ دون أن ينتبه أنه لا يمتلك كافة المعطيات و المعلومات الحاكمة للقرار.

القرار السياسي السليم ينبني على معطيات مفصلة و معلومات واضحة، و ليس على تصورات أو اعتقادات أو فرقعات إعلامية أو ظنون أو عواطف صرفة أو ردات أفعال أو ما شابه ذلك.

كثير من الناس يسمع خبراً في التلفاز عن أحد المواقف أو الخطوات السياسية فيسارع إلى التعليق  إما مؤيداً أو رافضاً بثقة تامة و أسلوب قاطع و كأنه ألم بتفاصيل المسألة جمعاء و اجتمعت لديه كافة المعطيات و المعلومات التي تؤهله للجزم بصحة رأيه.  لا بأس أن يعبر الإنسان عن رأيه في ضوء ما لديه من معطيات و لكن لا يحق له الجزم إلا إذا اقترن جزمه بمعلومات و معطيات مساندة كافية.

عاشراً: احتكار الحق


عندما يتبنى أحدنا رأياً من الآراء فمن الطبيعي أن يعتقد أنه على حق، و لكن ما هو غير طبيعي و ما هو غير صواب أن يعتقد أنه لا حق إلا ما يراه، و لا صواب إلا ما تبناه!

كثير من القضايا التي نواجهها اليوم لا مجال للقطع بما هو الصواب فيها، بل إن الحق و الصواب نفسه قد تكون له وجوه عديدة و من يرى أحد هذه الوجوه قد تغيب عنه وجوهٌ آخرى.

مشكلة الكثير من الناس أنهم يحتكرون الحق و الصواب، فرأيهم صواب لا يحتمل الخطأ و رأي غيرهم خطأ لا يحتمل الصواب، في حين أن معظم شؤون السياسة ليس فيها صواب مطلق و لا خطأ مطلق و إنما هي تسديدات و مقاربات و اجتهادات قد تصيب و قد تخطئ.


هذا و الله المستعان 

هناك 10 تعليقات:

  1. حياكم الله م.أمجد
    باعتقادكم ايهما اصوب التشبث بالعقيدة والمباديء ام الرضى بالمفسدة الأقل إذا كان قبولها يدفع مفسدة أكبر؟
    شكرا

    ردحذف
  2. و حياكم الله ..

    شكراً على التعليق يا أخت أنسام ..سررت بمروك و سؤالك.

    من الصعب إعطاء إجابة محددة لهذا السؤال العام... و إلا أكون وقعت في خطأ "عدم الاستناد إلى معطيات كافية" ... هذا أولاً

    ثم إن تعريف المبادئ و العقائد و الثوابت يحتاج إلى ضبط و تحرير خشية أن نكون نثبت ما هو غير ثابت أو نمبدئ ما هو غير مبدئي .. هذا ثانياً

    ثم الأفعال التي يمكن أن تعد تنازل عن المبدأ أو مخالفة للعقيدة تحتاج إلى ضبط و تبيان هي الاخرى...

    و بالتالي فإن الإجابة على هذه الأسئلة تحتاج إلى تحديد ووضوح لأن كل حالة لها خصوصيتها و تقدر الامور فيها بقدرها.

    إذ لو أردنا أن نترك الأمر على إطلاقه فإن كل رضى بمفسدة و كل موازنة بين المصالح و المفاسد يمكن اعتبارها مخالفة للمبادئ.

    و القصص و الشواهد في السيرة و التاريخ كثيرة و لا مجال لحصرها.

    شكراً لك مرة أخرى.

    ردحذف
    الردود
    1. م.أمجد شكرا لردكم واطلب من حضرتكم امرين:
      - نصائح ليستطيع الشاب منا فهم السياسة بشكل صحيح وتحليلها بطريقة منطقية..اقصد بذلك وسائل عملية
      - هلا ضربتم امثلة فيما بعد فيما تطرحوه خاصة المتعلقة بالقضايا السياسية والشباب
      شكرا لكم

      حذف
    2. شكراً على المقترحات ..

      سوف أحاول الكتابة حول هذه النقاط الهامة جداً عندما يتاح لي الوقت إن شاء الله.

      حذف
  3. كلام جيد يا أمجد بارك الله فيك
    .. بس حابب أعلق وأقول إنه " عالم السياسة " نفسه بكل ممارساته وتقلباته وخفاياه .... يبرر في كتير من الاحيان الوقوع في أحد نقاطك العشرة ...
    "عالم السياسة " بكل بساطة عالم متغير ... ملئ بالكذب والخداع والبروباجندا الاعلامية .. فبالتالي المعوقات اللي سردتها هي في ذاتها نتيجة طبيعة العمل السياسي ..
    ملحوظة تانية .. النقاط العشرة متل ما فهمت موجودة عند العامة ...لو هادا صحيح .. فنفس النقاط هادي بل أكتر ممكن تكون منتشرة بين السياسيين أنفسهم :)

    تعليق اخير .. المشكلة تتعلق بالدرجة الأولي بالفهم والادراك والاستيعاب من وجهة نظري .. يعني لا اتصور انه شخص " متعصب " ممكن ان يوصف بانه عاقل او فاهم او مستوعب ... التعصب مشكلة عامة ليست موجودة في السياسة فقط . فبالتالي رأيي انه اغلب المشاكل تتعلق بالقراءة الجيدة والتحليل الواعي العقلاني ...
    تقبل تحياتي .. ومشكور علي مجهودك :)

    ردحذف
  4. شكراً على مداخلتك الممتازة يا محمد .. انا بالفعل في هذا المقال كنت أقصد جمهور الناس المتابعين للمشهد السياسي و لكن هذا لا يمنع أن بعض المشاكل موجودة لدى بعض الساسة كذلك ..

    و اتفق معك أن طبيعة عالم السياسة تجعل درجة شيوع هذه المعوقات بين الناس كثيرة ..

    كذلك أتفق معك بأن التعصب مساؤه و سلبياته أكبر من مجرد التسبب في خلل في الاستيعاب ...

    شكراً لك.

    ردحذف
  5. .
    ثقيلة تلك الحـروف التي تحاول كشـف المستور في كوامـن النفوس المريضـة التي تعلّقت بمعنـى اللون السياسـي الواحد الذي لا يقبـل تقبّل أو تفهّم أي لون سياسـي آخر .
    أحسنت في صيـاغة الحـروف بش مهندس، مـع أن الحـروف ربّما لا تؤثّر في تغيير الوضـع الحالي والحقيقة القائمة، ولكنها تساهم في عمليـة حل لتلك العقـد الموجـودة في طريق فهم النفس سواء التي نحملها أو التي يحملها غيرنا .

    سلمت يمنــاك جداً =)

    ردحذف
    الردود
    1. أشكر لك مرورك الكريم و تعليقك الطيب ... و أسأل الله أن ينفع بك و بنا.

      حذف
  6. السلام عليكم ،
    أعجبني جدا ما قرأت هنا ، لا فض فوك أمجد

    المواقف والتبنيات السياسية من الأمور الغير سهلة خاصة مع زيادة وكثرة التقلبات والأحداث المتتالية. أنا أعتقد في عالم السياسة ليس هناك عوامل محددة ومعروفة اذا ما تفاعلت مع بعضها انتجت راي سياسي سليم ، يبقى الأمر معتمد على الكيفية و الموضوعية في استقبال الأحداث وتحليلها كما تفضلتم في ( تسعة وعشرة ). في المقابل ان المعاير التي تقاس بها الاراء السياسية ليس لها وحدة قياس ثابتة لتحكم في نهاية اليوم اذا ماالراي حكيم او متخبط . مثال ( الاخفاق في الموازنات ) أراء السياسين بشكل خاص والناس بشكل عام كلها تعتمد على القاعدة الاصولية إياها ومع ذلك نرى الاختلاف في الاراء.
    أمجد نحن بحاجة لمثل هذه المقالات ، شكرا جدا جزيلا

    محمد بهجة

    ردحذف
    الردود
    1. أشكرك جزيلاً يا محمد على مداخلتك الجميلة و إضافاتك القيمة. جزاك الله خيراً.

      حذف