الأربعاء، 15 أغسطس، 2012

لماذا يفوز الإسلاميون في الانتخابات؟



عكفت في اليومين الماضيين على مطالعة مجموعة من المقالات و الدراسات و التحليلات و اللقاءات التلفزيونية لعدد من النخب الليبرالية و اليسارية و العلمانية  التي تحدثوا فيها عن رؤيتهم لصعود التيارات الإسلامية في الانتخابات البرلمانية و الرئاسية في دول الربيع العربي، و تفسيرهم لهذا الصعود و الأسباب التي تقف وراءه.

اهتمامي بالموضوع نابع أساساً من أنه على الرغم من سعادتي بصعود التيارات الإسلامية و تصدرها لساحات العمل السياسي في العالم العربي، إلا أنني أؤمن إيماناً تامًا بأن أحد أهم المقومات التي يلزم توفرها لنجاح  أي تيار يصل إلى الحكم هو وجود معارضة سياسية حقيقية قوية فاعلة  قادرة على إحداث حالة توازن سياسي و خلق بيئة تنافسية محفزة على الإبداع، و تحقيق سنة التدافع بين الناس التي جعلها الله عز و جل وقاية للأرض من الفساد: ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ ) (البقرة: الآية 251 ) 

أردت من خلال مطالعتي أن أعرف كيف تقرأ هذه النخب صعود الإسلاميين في مقابل فشلهم هم في نيل ثقة الشارع و في تحقيق نتائج مؤثرة في الانتخابات،  هل هم يعرفون حقاً الأسباب الحقيقية و الكاملة  وراء ذلك، و هل هم يحاولون إعادة ترتيب أوراقهم و تصويب خططهم و برامجهم في ضوء هذه المعرفة، أم أنهم أخطأوا التفسير و التقدير بطريقة ستؤدي بهم حتماً إلى فشل جديد؟

نتيجة اطلاعي جاءت مخيبة للآمال، إذ يبدو أن النخب الليبرالية و اليسارية في معظمها تسيطر عليها إحدى حالتين: إما أنها لا تعرف الحقيقة و غارقة في أوهام تفسيرات خاطئة، و إما أنها تعرف الحقيقة و لكنها لم تمتلك بعد الجرأة الأدبية الكافية لتعترف بها و لتتصرف في ضوء هذا الإعتراف فتصوب مسارها.

مازالت الكثير من النخب تعزو تفوق الإسلاميين إلى حالة المجتمع التي يفترضون أنها تشهد تفشي الجهل و الفقر بين الناس،  و نجاح الإسلاميين في استغلال هذه الظروف لتسويق شعارات رنانة فارغة من المضمون و الفكر، و في اللعب على أوتار العواطف الدينية للمجتمع و استغلال تدين الناس لتمرير أفكار رجعية و تحقيق مكاسب سياسية، و في استغلال فقر الناس و عوزهم من خلال تقديم رشاوى انتخابية في صورة معونات غذائية و زيت و سكر و طحين. هذا هو التفسير الذي تقدمه هذه النخب.

يقول أحدهم في مقال بعنوان "لماذا يفوز الإسلاميون؟" : "من بين الأسباب المهمة التى قادت إلى تسيد الإسلاميين المشهد الانتخابى العربى الراهن ، استغلالهم السيئ للعاطفة الدينية لدى شعوب المنطقة".

ويقول آخر: "هؤلاء هم من يصوتون للإسلاميين: البواب ..... و المُهرب."

أما  الكاتب الساخر جلال عامر -رحمه الله-  فيري  (كما عبر في أحد اللقاءات التلفزيونية) بأن الناس أقبلت على التيار الإسلامي و عزفت عن التيارات الليبرالية لأن الإنسان حتى يصبح ليبرالياً يحتاج إلى قراءة ألف كتاب!  و لكن حتى يصبح إسلامياً فلا يحتاج أكثر من مقاطعة الحلاق لمدة أسبوع (أي ليطلق لحيته)!

و هناك العشرات من الاقتباسات التي يمكن إيرادها تدور كلها حول معاني تزدري المجتمع و تصمه بالجهل من جهة، و تتهم التيارات الإسلامية بخداع الناس بشعارات فارغة من جهة أخرى.

و أريد من خلال هذا المقال أن أعرض ما أعتقد أنها الأسباب الحقيقية لصعود التيار الإسلامي علها تساعد التيارات المنافسة على معرفة السر و إدراك الحقيقة بعيداً عن خداع النفس أو التفكير التبريري.

لو نظرت إلى الثلاثين سنة الماضية ستجد أن الإسلاميين قد قدموا إسهامات حقيقية عملية في الكثير من الميادين و ليس مجرد شعارات كما يظن الليبرالييون:

  1. في مجال مقاومة الاحتلال و السعي نحو التحرر من الاستعمار ستجد أن الإسلامين قد تصدروا قوى المقاومة في كل بقعة عربية أو إسلامية تعرضت  للاحتلال او الاغتصاب، و قدموا نماذج بطولية مشهود لها بالبسالة و التضحية و الفداء، و الأمثلة على ذلك معروفة و أشهر من أن أذكر القارئ بها.
  2. و في مجال المعارضة السياسية، ستجد أن أقوى الأحزاب السياسية المعارضة طيلة السنوات الماضية التي عاشتها المنطقة في ظل الحكام المستبدين هي أحزاب إسلامية و ذلك في كل الدول العربية بلا استثناء بما في ذلك دول الخليج الغنية (و ما أخبار تيار الإصلاح في الإمارات و ما يتعرض له من تنكيل هذه الايام عنا ببعيد)،   و قد دفع الإسلاميون ثمن هذه المعارضة السياسية من أرواحهم و أموالهم و سني عمرهم في المعتقلات و غرف التحقيق و زنازين العزل الانفرادي.
  3. و في مجال العمل الخيري و الإغاثي تجد أن المؤسسات الإغاثية و الخيرية الإسلامية هي أكبر من يعمل بجد و دأب و تفاني لتقديم الخدمات الإغاثية و الإنسانية للمحتاجين في كل مناطق العالم العربي و الإسلامي، سواءً كان ذلك في صورة مساعدات غذائية أو حفر آبار مياه أو كفالة أيتام أو التكفل بعلاج مرضى أو تنفيذ مشاريع تشغيلية أو بناء مستوصفات خيرية أو توزيع أدوية مجانية، و يكفي أن أذكر أسماء مؤسسات مثل "الإغاثة الإسلامية" و "الندوة العالمية للشباب الإسلامي" و "حملة ائتلاف الخير"  كأمثلة  من بين مئات المؤسسات الإسلامية الأخرى العاملة في المجال الإغاثي و الخيري و التي تعدى عملها ليصل إلى غير العرب و غير المسلمين في مجاعات أفريقيا و كوارث هايتي و غيرها من المناطق في العالم. و أدعو القارئ إلى زيارة مواقع هذه المؤسسات و مطالعة تقاريرها التي تحتوي على ألوف بل عشرات ألوف المشاريع التي انجزتها حول العالم خلال السنوات الماضية.
  4. و في مجال العمل التربوي و الوعظي ستجد أن الوعاظ و المربيين و الدعاة الإسلاميين قد تفوقوا على من سواهم في هذا المضمار من حيث الكم و الكيف، و يكفي للدلالة على ذلك أن أضرب مثالاً بموقع "طريق الإسلام" الذي يحتوي قرابة 100,000 مادة صوتية سجلت إما في محاضرة أو ندوة أو دورة  في 28 موضوع رئيسي و قرابة 100 موضوع فرعي تناولت كافة شئون الدين و الدنيا من علوم شرعية و قضايا اجتماعية و موضوعات ثقافية و مستجدات سياسية و أفكار إدارية و مقترحات تنموية و غيرها، و قد تم تحميل  هذه المواد و الاستماع إليها عبر هذا الموقع أكثر من نصف مليار مرة!  و هذا مجرد مثال لموقع الكتروني واحد من بين مئات المواقع الشبيهة.  أمثلة أخرى ممكن مشاهدتها في نجاح مبادرات إعلامية إسلامية تربوية كقناة إقرأ و الرسالة و مجموعة قنوات المجد و طيور الجنة و كراميش و القدس و الحوار و فور شباب و غيرها من القنوات الإعلامية التي نجحت في استقطاب كم كبير من المشاهدين من مختلف الأعمار و المستويات و ساهمت في تثقيفهم و تربيتهم و التأثير الإيجابي فيهم.
  5. و في مجال الفكر تجد أن المكتبة العربية تزخر بكم ضخم من المؤلفات الإسلامية المعاصرة تقدر بعشرات الآلاف ليس فقط في مجال العلوم الشرعية بل حتى في علوم التربية و الأدب و الإدارة و التنمية و أنظمة الحكم و العلوم السياسية و حتى العلوم التطبيقية!  انظر مثلاً إلى المعهد العالمي للفكر الإسلامي الذي صدر عنه أكثر من 300 كتاب فكري رصين باللغة العربية خلال ال 30 سنة الماضية أي بمعدل 10 كتب في السنة، هذا بالإضافة إلى أكثر من 400 كتاب أخرى أصدرها المعهد  ب 22 لغة أخرى غير العربية، يضاف إلى هذا  مئات الأبحاث و المقالات و الدوريات الصادرة عن المعهد. و انظر مثلاً إلى مركز الإبداع التربوي الذي أسسه علي الحمادي من رموز الإسلاميين الإصلاحيين في الإمارات، و الذي صدر عنه ما يقارب ال 200 كتاب في مجالات إدارية و تنموية و مهارية موزعة على قرابة 35 سلسلة كلها تتناول الموضوعات الإدارية و التنموية بروح إسلامية واضحة، و انظر مثلاً إلى المفكر الإسلامي عبد الكريم بكار الذي كتب ما يقارب ال 40 كتاباً حول فكر النهضة و التغيير و التنمية، و غيره الكثير أمثال الدكتور يوسف القرضاوي صاحب سلسلة ترشيد الصحوة، و محمد الراشد صاحب سلسلة استراتيجيات الحركة الحيوية، و جاسم سلطان و رسائله التي وصلت 250 رسالة حول مشروعه الفكري مشروع النهضة، و سلمان العودة مشرف موقع مفكرة الإسلام، و طارق سويدان و كتاباته و حلقاته التلفزيونية في الإدارة و القيادة و فنون التغيير، و أحمد الشقيري و سلسلة برامجه التلفزيونية (خواطر و لو كان بيننا و غيرها)  التي وصلت إلى 300 حلقة هادفة في 10 مواسم، و غيرهم الكثير!
  6. و في مجال التنمية تجد أن الإسلاميين قدموا الكثير من المبادرات التنموية العملية الناجحة، منها على سبيل المثال مبادرة عمرو خالد و مشروع صناع الحياة القائم على فلسفة التنمية بالإيمان، و "مشروع النهضة" الخليجي الذي قاده جاسم سلطان من قطر و تحول إلى تيار تنموي قوي صادح، و مبادرة طارق سويدان و مشروع اكاديمية إعداد القادة التي خرجت مئات الشباب القيادي في العالم العربي، و غيرها الكثير من المبادرات.
  7. في مجال رعاية شئون الجاليات العربية و الإسلامية في الغرب تجد المؤسسات الإسلامية و المراكز الإسلامية تتصدر العمل الدعوي و العمل الاجتماعي و العمل التربوي و التعليمي و الثقافي و العمل الحقوقي و العمل التنموي المتخصص بشئون الجاليات في الغرب، و في التفاعل مع هموم العرب و المسلمين في كل مكان،  و هذا أمر يلحظه بوضوح و جلاء كل من يعيش في الغرب.

 هذه مجرد أمثلة من بين مجالات كثيرة اقتحمها الإسلاميون و عملوا فيها  بتجرد و إخلاص و فناء لسنوات طويلة دون كلل أو ملل، ووفق منهجية محكمة و خطط مدروسة و عمل جماعي منظم، و لم يكن يحركهم طوال ذلك الوقت سوى الإيمان التام و الراسخ بأفكارهم و ليس بنية الاستعراض الهادف إلى تحقيق مكاسب سياسية تلوح في الأفق، بدليل أنهم عملوا لعشرات السنوات في ظل أفق سياسي مسدود و ظروف ضاغطة و تحت التهديد و الملاحقة الأمنية.

و كل هذا العطاء كان يجري أمام الناس و على مرأى منهم و مسمع، و يعرفون القائمين عليه، و يتأثرون بهم،  و يتفاعلون معهم،  و يثقون بهم لما رأوا من تفانيهم و بذلهم.

من أراد أن يخدع نفسه و أن يختزل كل هذه التضحيات و العطاءات التي قدمها الإسلامييون  في فرية الزيت و السكرو الطحين  أو في أوهام دغدغة عواطف الناس بشعارات رنانة فله ذلك، و له كذلك أن يجرب أن يعرض على الناس زيت و سكر و يخطب فيهم بالخطب النارية العصماء ثم يرى النتيجة! و ليكتشف حينها حقيقة الأوهام التي أغرق نفسه و من حوله فيها!

و عليه أن لا ينسى أن الناس كما يرون نجاحات الإسلامين و بذلهم فهم يرون كذلك فشل  من تحدث باسم الاشتراكية و العدالة الاجتماعية و يعرفون أخبار استبدادهم في عراق صدام و ليبيا القذافي و سوريا الأسد الأب و الابن.   و يشهدون فشل و فساد و استبداد من لبسوا عباءة الليبرالية كهارب تونس و طاغية مصر و غيرهم.

نحن نطالب كل من يريد أن ينافس الإسلاميين أن يكون على قدر المسؤولية و أن يعرف أنه مطالب ليس فقط بإثبات أنه لن يكرر آلام العراق و سوريا و ليبيا إن كان اشتراكياً، ولا آلام مصر و تونس إن كان ليبرالياً، بل عليه كذلك أن يقتحم ميادين البذل و العطاء بتجرد  و إخلاص و تفاني و صدق. و عليه قبل ذلك و بعده أن يتواضع و أن يتهم نفسه بالفشل بدلاً من الغرق في بحور الأوهام و اتهام الناس بالجهل.

هناك تعليقان (2):

  1. عزيزي امجد
    مشتاق لك وامتعتني قراءة مقالك. اختلفت معك في نقطة او اثنتين ولكن مجمل المقال كان معلومات جديدة علي وبالتالي مثري وممتع.

    تقبل اطيب تحية
    اخوك فهد الضلعان

    ردحذف
    الردود
    1. حيا الله فهد الغالي ... و أنا مشتاقلك جداً ..

      تعليقك سرني جداً .. و يسعدني جداً اختلافك معي ... لأني متأكد أننا إذا تناقشنا في نقاط الاختلاف سأستفيد منك كثيراً.

      شكراً جزيلاً على التعليق الجميل .. و خلينا نشوفك في آن آربر :)

      حذف