الأربعاء، 6 أبريل، 2011

خطابنا في أوقات الفتن


الحمد لله و كفى، و سلامٌ على عباده الذين اصطفى، و بعد،

فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال في حديث معاذ الطويل : ( و هل يكب الناس على مناخرهم في النار يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم )، و ذكر النبي الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله عليه، فتهوي به في النار سبعين خريفاً.
ثم إن لكل مقام مقال، و لكل زمانٍ خطاب ، و السيد من وضع الكلمة في مكانها، و أخرجها في وقتها و زمانها، و الأحمق من استوت أزمانه أمام لسانه، و صدق علي -رضي الله عنه - يوم أن قال : (لسان العاقل وراء قلبه ، و قلب الأحمق في فيه ) ، و المراد بالقلب هنا : العقل.

و على الدوام ... يكون حسن استخدام اللسان و انتقاء الألفاظ، مدرأة لكثيرٍ من المفاسد، و سِتراً لجملةٍ من العيوب، و رحم الله قس بن ساعدة، يوم ان اعتزل في الصحراء يتفكر في حال الإنسان، فكان مما خرج به أن قال : (لقد أحصيت عيوب ابن آدم فإذا هي تجاوز ثمانية عشرة ألف عيب ، إلا أنني وجدت فيه خصلة لو استعملها لسترت كل عيوبه : لسانه ). و لن أطنب في بيان خطورة اللسان، فهو معلوم، و عليه من الأدلة ما لا يحصى، و من الشواهد الحية ما لا يعد!

و السؤال : في أوقات المحن، و حين اختلاط الأوراق، وعند هبوب رياح الفتن، كيف يجب أن يكون خطابنا؟ 

و لعلي ألخص إجابة هذا السؤال في نقاط تمثل محددات خطابنا في أوقات الفتن:

1- الانضباط بحدود الشرع، و هذا من أهم المحددات، فمن المصيبة أن ننجر إلى مربع الكذب أو التلفيق ، أو بهتان الناس، أو غمط الحقوق، أو الولوج في الأعراض، أو الاتهام دون بينة أو شهادة الزور، أو غيرها من ألوان المنطوقات التي لا يُتقى فيها وجه الله، و لئن كانت هذه كلها من المحرمات في أزمان الرخاء، فإنها حال المحن و شيوع الفتن أشد حرمة و إثمها عند الله أعظم خطراً، و الوعيد الإلهي الشديد تجاه كل من يقع في هذا معلوم و معروف، و عليه أدلة من الكتاب و السنة لا يتسع المقام لحصرها هنا.

2- ترك فضول القول، و هذه صفة حميدة في كل وقت، و لكنها في زمن المحن ضرورة ملحة، بل واجبة! فإن اللغو شَينٌ كله، و ضرره في وقت المحن أكبر من ضرره في أوقات الرخاء، فإن كثرة الكلام فيما هو محمود، قد تجر إلى الوقوع فيما هو مذموم، فمن كثرت كلماته كثرت سقطاته، و من كثرت سقطاته فالنار أولى به، كما ورد نحوه في الأثر، و لا نعجب عندما نرى حال التابعين الأجلاء في وقت الفتن، كيف اتخذوا الاعتزال مذهباً خشية أن تُسحب ألسنتهم قبل أقدامهم إلى مربع الفتنة، و هذا ما رأيناه من الفضيل و كعب بن سور في اوقات الفتن في زمانيهما.

3- ليس كل ما يُسمع يقال، (و كفى بالمرء كذباً ان يحدث بكل ما يسمع .. ) إذ لابد أولاً من التحقق و التثبت لئلا تصيب قوماً بجهالة، ثم تصبح على ما فعلت نادماً تقرع السن!

4- و ليس كل ما هو حق يقال! فرب كلمة حق خرجت في غير وقتها و زمانها، أفضت إلى باطل وأدت إلى فسادٍ عريض، و لم تشفع لصاحبها غيرته و لا صلاح نيته، فالعبرة حينها بالنتائج، فإن فقه الموازنات قد أرسى قاعدة جليلة مفادها أن (درأ المفسدة أولى من جلب المصلحة)، و رحم الله العالم العامل عبد الله بن عكيم يوم أن قال : (و الله لا أعين على دم خليفة أبداً بعد عثمان) في إشارة إلى كلمات حقٍ كان قد قالها في نصح عثمان زمن الفتنة تلقفها الموتورون و أهل الشر، فظن أنه شارك بقتل عثمان بكلمته تلك، و ظل أياماً و سنين مطرقاً حسيراً.

5- التأني و الروية و عدم العجلة، فإن أجرأنا على الفتيا أجرأنا على النار، و أسرعنا إلى إطلاق الأحكام أقربنا إلى الوقوع في الخطأ. و الكلمة كالرصاصة إذا خرجت يستحيل أن ترجع إلى مكانها. و إذا أحدثت أذىً كانت "مثل الزجاجة كسرها لا يشعب (أي لا يجبر)".

6- أطفأ الحريق أولاً: فإن الفتنة نار حارقة، إذا تركت تدمر كل شيء أتت عليه، و تحرق الأخضر و اليابس. و إذا اشتعل حريق فإن مهمة رجل المطافئ تسبق مهمة الشرطي المحقق، إذ لابد أن يكون خطابنا في وقت المحن يحقن الدماء أولاً، قبل أن يصدر الأحكام أو يشير بأصبع الاتهام.

7- أمسك عن الجدل، فإنه في كل وقت يفتن القلب، و ينبت الضغينة، و يجفي القلب، و يوغر الصدر، و في أوقات الفتن يكون عمله في النفس أشد و أنكى، و لربما أشعل النيران و أشعلها !! و رحم الله التابعي بلال بن سعد يوم أن قال : (إذا رأيت الرجل ممارياً معجباً برأيه ـ فقد تمت خسارته)

8- بالغ في انتقاء الألفاظ من أطايب الكلام، فإن الأرعن الرعديد هو من يصب الزيت على النار بعد أن اشتد أوراها، و المطلوب في أوقات المحن أن نبالغ في انتقاء اللفظ الطيب، و أن نحذر في انتقاء حروف الكلمات و حركات التشكيل و علامات الترقيم ... !!

9- لا تصادم ... فتش، و سوف تجد الكثير، ستجد الكثير من نقاط الاتفاق و من مفاصل الوفاق، اجتهد أن تقرب المسافة بينك و بين الآخرين، فمهما تباعدت المسافة بينكما فإن ثمة نقطة في المنتصف على بعد متساوٍ من كليكما، و هذا من نواميس الكون و من سنن الله في الخلق قبل ان يكون من قوانين الهندسة ... !!

و لا يتعارض ما سبق مع حاجة أهل الحق إلى الجرأة في حقهم، و لا إلى القوة في نطقهم و في منطقهم، كما لا يعني ما قدمت و طرحت أن يُسكت على الباطل، أو أن يهادن، أو يداهن، أو حتى يجامل.

 و إنما أردت أن ندرك أن غايتنا الحقيقية و الأسمى هي إنهاء الفتنة ليحل محلها نور الحق الساطع، و يُمحق من أمامها ظلام الباطل الزاهق. أما النفخ المستمر في نار الفتنة، فإنه لا يزيدها إلا اشتعالاً و أواراً، و الفتنة إذا ما باتت مشتعلة، ستطغى ألسنتها اللاهبة على بهاء نور الحق فتخفي شيئاً من كيانه، و تحد شيئاً من أثره و سلطانه، بل ربما لن يظهر معها و بفعل لهيبها حلكة ظلام الباطل، و اسوداد وجوه الظلام، فتلتبس الامور، و تختلط الأحبال و الأنبال - عند طائفة من الناس 
على الأقل.

و لذلك فإن منهج العقلاء و ديدن الفضلاء هو في اجتناب كل ما يثير الفتن، و ينبت الضغائن و يشيط النفوس، حتى و إن كان في بعض الأحيان بمبادلة المصالح، أو مقايضة المواقف، أو التغاضي عن بعض ما لا ينفع نبشه، أو لا يضر تركه، و لكن دون تجاوز المبادئ أو المتاجرة بالحق.

هناك تعليق واحد: