الأحد، 4 ديسمبر 2011

تطبيق الشريعة: شبهات و ردود



لم أكن أود أن أكتب حول هذا الموضوع في هذا الوقت بالتحديد، و كنت أفضل أن يركز الجميع على هدف انتقال البلاد الثائرة إلى حالة الاستقرار و دوران عجلة تداول السلطة، و قطع الطريق على كل من يحاول أن يخطف الحلم و يعرقل التغيير و يشوه الصورة.

و كنت أتمنى أن نركز جميعاً في هذا الوقت الدقيق على الحد الأدنى المتفق عليه من برامج الانقاذ التنموي و الاقتصادي و الثقافي، كنت أتمنى أن يحدث هذا  قبل أن نبدأ نحقق في مواطن الاختلاف، و نفصل في مواضع الخلاف. و السبب في ذلك أن مهمة رجل المطافئ و رجل الإسعاف تسبق مهمة المحقق و القاضي، و إنقاذ المصاب النازف يتقدم في الأولوية على ما سواه.

إلا أن فضاء الإعلام المقروء و المسموع و المرئي و الالكتروني لم ينفك تثور فيه قضية تحكيم الشريعة، لاسيما في ظل قوة المؤشرات التي تنبئ بصعود بارز للتيارات الإسلامية في الدول العربية التي تشهد ثورات أو محاولات إصلاحية جادة.

و إذا تجاوزنا بعض من يتعمدون إثارة المسألة بنوايا سيئة تهدف إلى التخويف و التشويه من خلال التلفيق و التشهير و إثارة الشبهات - إذا تجاوزنا هؤلاء فإننا نجد أن الموضوع بطبيعته قد فرض نفسه على الساحة و أضحى حديث الساعة، و أصبح الكل يتساءل حول شكل الدولة، و مصير الحريات، و مستقبل تداول السلطة، إلى آخره من الأمور.

و هذه كلها تساؤلات مشروعة يحق للناس أن يطرحوها أمام كل فكر و أمام كل برنامج، و إن كنت أزعم أن كل التساؤلات التي تثار أمام المنهج الإسلامي و موضوع تطبيق الشريعة كان من الممكن أن تكون الأسهل إجابة، و أن تكون إجاباتها الأسرع  نفاذاً إلى قلوب الناس ... لولا تدخل الإعلام الذي يجيد فن التحريش، و لولا ذلك الميراث الثقيل الذي خلفته أنظمة الجور و الظلم و الفساد التي أفسدت الذوق، و حرفت الفكر، و شوهت القيم، و قلبت المعايير، و أثارت الشبهات، و عممت البلاء!

و لا بد أن أعترف هنا أن الخطاب التميعي لبعض الإسلاميين، و الخطاب شديد اللهجة و المتسرع من قبل إسلاميين آخرين، قد ساهم إما في إشاعة فهم خاطئ في الحالة الأولى أو قلق زائد في الحالة الثانية.

و مما زاد الطين بلة أن تطبيق الشريعة أصبح موضوعاً للرأي الشخصي المطلق والتصورات الذاتية للأفراد، كمن يعطي رأيه في شكل ثوب أو طعم طبق أو مذاق مشروب جديد!  و تناسى الجميع أن الأمر يحتاج إلى دراسة و تخصص،  تماما كمن يقدم مقترحات لإصلاح طائرة معطوبة أو جهاز إلكتروني مُعطَّل و هو ليس بمتخصص، و لم يكلف نفسه حتى أن ينظر في دليل صيانة الطائرة أو دليل تشغيل الجهاز!

أصبح الكثيرون يطرحون آراءً في تطبيق الشريعة و يقترحون خططأ و برامج دون حتى أن يكلفوا أنفسهم أن يتعرفوا على الشريعة و مضامينها و مراميها، و دون أن يطلعوا على بيان أحكامها المرغوب تطبيقها، و لا على آليات التطبيق التي بينتها و حددتها الشريعة ذاتها، أو الآليات التي تركها الشارع مفتوحة للاجتهاد و الرأي و المشورة وفق شروط و ضوابط.

و هذا الداء أصاب كثيراً من عوام الأفراد، و أصاب بعضاً من خاصتهم، ممن يتصدرون للإعلام بصفاتهم الثقافية أو الفكرية أو السياسية،   و حتى بعض من يتحدث باسم الإسلام و باسم الشريعة.

فلما كان الحال هكذا رأيت أن أكتب حول المسألة... ليس لأفتي فيها أو أقدم اجتهاداً جديداً، فليست هذه صنعتي و لا مجال تخصصي، وليس لدي من الزاد ما يكفيني لاقتحام هذا الطريق ...  إلا أنني وجدت أن كثيراً من المسائل التي تثار ما هي إلا شبهات سهلة الرد،  أجوبتها إما صريحة في نصوص الوحيين (الكتاب و السنة)، أو شاخصة في الواقع المشاهد، أو نابعة تلقائياً من المنطق المنضبط.

حول هذه الشبهات سوف أكتب، و جهدي لن يعدو تجميع و تنظيم خلاصات ما سمعته و قرأته و استنتجته من خلال متابعة و قراءة و مطالعة و بحث سابق في المسألة.  

و لا أدعي الصوابية المطلقة لما سأقول ... فإن أصبت فمن توفيق الله، و إن أخطأت فمن نفسي و من الشيطان.

و لطول الموضوع و عدم كفاية الاختصار فيه فسوف أكتب في حلقات كلما أسعفني الوقت ... و في كل حلقة أتناول مسألة من المسائل أو شبهة من الشبهات .... و من الأسئلة أو الشبهات التي سأتطرق إليها:

  • شبهة: التدين قضية شخصية  بين العبد و ربه و ليس من حق الدولة أو الحاكم التدخل فيها لفرضها أو منعها.
  • شبهة: يجب أن لا يتم إقحام الدين الطاهر المقدس في العمل السياسي و شئون الحكم تنزيهاً له و حفظاً له من التدنيس، و حتى لا يصبح محل جدل و خلاف بين الناس.
  • شبهة: الخلافات الفقهية كثيرة، و كثيرمن المسائل الشرعية فيها آراء متعددة و متباينة. هذا يجعل اتفاق الناس على تطبيق أحكام الشريعة أمراً صعباً أو مستحيلاً.
  • شبهة: فرض أحكام الشريعة على الناس يؤدي إلى نتائج عكسية، و يؤدي إلى رفض الدين و مقاومته لا إلى تبنيه.
  • شبهة: العمل بأحكام الشريعة يتناقض مع أهم مبادئ الدولة الحديثة التي تقوم على المواطنة و المساواة بين المواطنين على اختلاف دياناتهم في الحقوق و الواجبات.
  • شبهة إدا طبقنا الشريعة فسوف يقاطعنا العالم، و نخسر علاقاتنا الدولية لاسيما مع الغرب.
  • شبهة: إن كنا نقبل بتطبيق أحكام الشريعة على المسلمين، فما مصير الأقليات غير المسلمة؟
  • شبهة: العديد من أحكام الشريعة و الحدود كالجلد و قطع اليد و غيرها تتناقض مع حقوق الإنسان، و من غير الممكن عملياً تطبيقها في هذا الزمان.
  • تساؤل: ما الذي يحول بيننا و بين تقبل أو تصور إمكانية تطبيق أحكام و حدود الشرع؟
  • شبهة: إذا حكم أحد باسم الإسلام فإنه سيحتكر فهم الإسلام و لن يستطيع أحد نقده أو  محاسبته.
  • و غيرها الكثير من النقاط ...
و سأجتهد أثناء الكتابة أن أشير إلى المراجع و أن أوثق كل نقل ما استطعت إلى ذلك سبيلاً ... و الله المستعان.

هناك 4 تعليقات:

  1. شبهة: إذا حكم أحد باسم الإسلام فإنه سيحتكر فهم الإسلام و لن يستطيع أحد نقده أو محاسبته.
    مع اهتمامي بكل النقاط أتمنى أن تصل إلى هذه بسرعة
    بانتظارك
    وفقك الله

    ردحذف
  2. خطوة مباركة أخي أمجد
    أسأل الله أن يعينك فيما عليه عزمت، وان يسدد خطاك، وأن يلهمك رشدك، وأن يعزم لك على ارشد أمرك.

    ردحذف
  3. مقال رائع وأؤيدك في كل كلمة..
    أقترح م.أمجد تنشره على مواقع اعلامية حتى يطلع عليه أكبر قدر من الشريحة المستهدفة المتخوفة من الاسلام والاسلاميين، لأنه أسلوبك في المقال منطقي ومقنع..
    نسأل الله الهداية لجميع البشرية..
    والتوفيق لكل من أحب الاسلام وسعى لنشره وتطبيقه..

    ردحذف
  4. اجزل الله لك المثوبه على ماتخطه
    وفقك الله لما يحبه ويرضاه

    ردحذف