الخميس، 12 يوليو، 2012

سر فيتامين "واو"



احتاج أحد أصدقائي إلى استصدار جواز سفر لاستعماله في سفر طارئ عاجل فذهب إلى شباك تقديم الطلبات فقيل له ليس أمامك سوى الانتظار أسبوعين كما يقتضي النظام المعمول به، فأصابه الإحباط و عاد أدراجه مطرقاً حسيراً و سار هائماً على وجهه حتى لقيه قريب له و قال له بعد أن سمع شكواه: يا عزيزي (شغلتك بسيطة)  خذ هذا الرقم و كلم معالي سيادته و قل له (بيسلم عليك أبو فلان)....  جرب صاحبي الوصفة فوراً ... فكان على متن الطائرة في اليوم التالي!

أما صديقي الآخر فقد طلب منه موظف في إحدى الوزارات أن يرفق شهادة صحية تثبت حالته الخاصة مع طلب الوظيفة التي يريد التقدم إليها، فلما ذهب إلى الطبيب طالباً الشهادة رفض الطبيب و تعذر بخوفه لأن وزارة الصحة قد فرضت رقابة صارمة و تدقيق شديد على إصدار مثل هذه الشهادات، فتنقل بين ثلاثة أطباء آخرين سعياً وراء الشهادة فجاءه نفس الرد من جميعهم، فلما أصابه اليأس، شكى همه لجاره، فناوله عنوان منزل سكرتير معاليه...  فذهب إليه صاحبي و بلَّغه "سلامات" الجار .... فصدرت الشهادة في أول ساعة من نهار اليوم التالي!

و لي صديق ثالث، و رابع، و خامس، و سادس ... كلهم وقعوا في حرج مشابه فلم ينقذهم إلا فيتامين "واو":  الواسطة!

لست مختلفاً مع من يقول أن الواسطة هي مرض ثقافي اجتماعي، و لست مختلفاً مع الرأي بأن غياب الضمير و ندرة الأمانة عامل مساعد على انتشار هذه الآفة، و لكني اليوم بصدد تسليط الضوء على سبب آخر أعتقد أنه يغيب كثيراً عن الأذهان عند تناول ظاهرة الواسطة.

الفكرة باختصار هي أن الناس لا يلجأون إلى الواسطة في الغالب من باب الترف، و إنما يلجأون إليها لأن هناك حوائج ملحة لديهم تقف الأنظمة الإدارية و اللوائح حائلاً دون تحقيقها فلا يجد المواطن أمامه إلا البحث عن أي وسيلة لتحقيق حاجته.

إذا رأيت أن هناك حاجة ملحة متكررة لدى المواطنين لا يجدون لتصريفها و قضائها إلا الواسطة فاعلم أن المشكلة هي في النظام الإداري إذ أنه قد فشل في توفير وسيلة إدارية قانونية مباشرة تلبي حاجة الناس المتكررة.

آتي بمثال: الحاجة إلى السفر بشكل طارئ و عاجل أمر يتكرر كثيراً في حياة الناس، و تفرضه عليهم ظروف قهرية في العادة، فلو كان النظام الإداري يسمح ضمن لوائحه باستصدار جواز سفر مستعجل عن طريق تقديم طلب خاص برسوم أعلى عن رسوم الطلب العادي ربما مع الحاجة إلى تبرير سبب الاستعجال لوجد المستعجل في هذا الباب الإداري مدخلاً قانونياً مريحاً يمكنه أن ينفذ منه إلى تحقيق حاجته بشكل منظم و قانوني و شفاف دون الحاجة إلى اللف و الدوران. 

و قد يقول قائل: رسوم إضافية للطلب المستعجل أو المتأخر؟ لن يرضى بذلك أحد!  و ردي على ذلك أن اقفال الباب الرسمي في وجوه الناس ثم ترك الأبواب الخلفية مشرعة يفتح المجال واسعاً أمام الرشوى، و لا تعجب إن وجدت حينها المواطن الذي تخاف عليه من دفع رسوم إضافية مستعداً لدفع رشوى بل رشاوي ليصل إلى حاجته عند الاضطرار!

أقول هذه الكلمات لأنني وقفت على حالات متكررة وأمثلة متعددة أجد الناس فيها يقعون في حرج تحت ضغط حاجات ملحة فيصطدمون بنظام إداري يتشدد و يبالغ في التشدد في القنوات الرسمية ثم يستاهل و يفتح الباب على الغارب - كما يقولون - للقنوات الخلفية.

الخلاصة إذن: كلما وجدت حاجة ملحة يتكرر احتياج الناس إليها ولا يكون هناك منفذ إداري قانوني ينظمها فاعلم أن النظام الإداري فيه ثغرة أو خلل، إما على شكل بيروقراطية ممجوجة أو تشدد مبالغ فيه لا يوجد معه قانون يضبط الاستثناءات و يلبيها.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق