الأربعاء، 28 سبتمبر 2011

ثلاثة أشهر في الفيسبوك! - الحلقة الرابعة


الحلقة الرابعة

لم أستغرب أبدًا عندما سمعت عن فوز شركة الفيسبوك بالمركز الأول من حيث مستوى رضى الموظفين و راحتهم و سعادتهم في مكان العمل، و ذلك بحسب التقييم السنوي الثالث الذي تجريه شركة الباب الزجاجي glassdoor.com المختصة بتقصي و جمع معلومات عن الشركات و ترتيبها في قاعدة بيانات و توفيرها للمهتمين.

فبيئة العمل في الفيسبوك لا توفر للموظفين الراحة المادية فحسب، و إنما تهيء لهم كذلك جواً نفسياً فريداً مليء بالمحفزات يجعل كل موظف في الشركة و كأنه قنبلة انشطارية متسلسلة!

لم أشعر أبداً بضغط العمل، أو بأي درجة من الضيق او الضجر، أو أن أتمنى مثلاً أن يمر الوقت سريعاً و ينتهي وقت الدوام ... لم يكن هناك وقت محدد للدوام أصلاً حتى أنتظر انتهاءه.

لم أكن مضطراً لأن أجلس إلى مكتبي المخصص لي  طيلة وقت العمل، فهناك مكاتب أخرى لا يجلس إليها أحد و متواجدة في اماكن مختلفة من المبنى و المباني الأخرى، و يمكن لأي أحد أن يذهب ليجلس إليها و يعمل من هناك، و بعض هذه المكاتب كان موضوعاً في غرف معزولة لمن يفضل أن يعمل في جو هادئ لبعض الوقت.

كنت ألجأ إلى تغيير مكان العمل كلما شعرت بالحاجة إلى التفكير في إيجاد حل مختلف و جديد لجزئية من جزئيات العمل. كنت أشعر أن تغيير المكان يساعد في فتح آفاق جديدة للتفكير. 

و كنت كثيراً كذلك ما أحمل جهاز اللابتوب و أذهب إلى أحد أماكن الراحة و الاستجمام حيث أتمكن من الاسترخاء و الاستلقاء و العمل بهذه الوضعية من هناك.

أما إذا أحببت الخروج كلياً من جو العمل لتحريك العضلات و تجديد النشاط، كنت أتوجه إلى اللعب. فالشركة فيها مرافق متعددة للألعاب الرياضية و الذهنية و الترفيهية.



و التنقل في الفيسبوك أمر سهل جداً، فللتنقل بين المباني المتباعدة توجد باصات تتحرك باستمرار و على مدار الساعة تقل الموظفين و الزوار مجاناً.  أما التنقل داخل المباني فأمره عجيب، إذ يوجد في كل مبنى العشرات من الزلاجات (سكيت) التي يستخدمها الموظفون للتنقل السريع و الممتع!  كان المشهد مضحكاً بالنسبة لي، فبين وقت و آخر و انا جالس إلى مكتبي أرى أحد الزملاء منطلقاً بسرعة على زلاجة نحو الكافيتيريا أو غرفة اجتماعات أو دورة المياه!  

و لكني للأسف لم أكن اجيد استخدام هذه الزلاجات. حاولت مرتين و فشلت في الحفاظ على توازني، فأعلنت اليأس و توقفت عن المحاولة، و قررت الاكتفاء بركوب رجلي و أنا اتمثل قول العقاد في أبياته الجميلة: 

انا راكب رجــــــــلي *** فلا أمرٌ عليَّ و لا ضريبة
و كذاك راكب رأســه *** في هذه الدنـيــا العجيبــة!


و لم تبخل الشركة علينا بتوفير الترفيه و المتعة خارج مباني الشركة و خارج إطار العمل، و ذلك من خلال تنظيم رحلات و برامج ترفيهية غاية في الروعة. فبين مغامرات في جزيرة ألكاتراز الصغيرة في وسط خليج سانفرانسيسكو، و عشاء و برنامج ترفيهي على سطح يخت يقطع الخليج و يمر من تحت جسر البوابة الذهبية الشهير، و تعليم تجديف القوارب و الإبحار في سانتا كروز على شاطئ المحيط الهادي، و رحلات استكشافية في أحراش جبلية مجاورة، و غيرها الكثير! تجارب لا يمكن أن أنساها أبداً و لا يمكن أن أنسى كيف كانت تتضاعف همتي في العمل عشرات المرات بعد كل نشاط!




كان فريقنا - Data Science Team - يجتمع كل يوم جمعة في أحد غرف الاجتماعات، و كان ينضم إلينا عبر الفيديو كونفرنس بقية أعضاء الفريق المتواجدون في مدينة سياتل في ولاية واشنطن. و غرف الاجتماعات في الشركة كثيرة و مجهزة تجهيزاً تاماً. 

أكثر ما يلفت الانتباه في قاعات التدريب و غرف الاجتماعات في الفيسبوك هو أسماؤها! فكلها أسماء غريبة و مجنونة،  فمنها مثلاً ما يحمل أسماء أطعمة كقاعة "صلصة Salsa" و قاعة "حمص Hummus"، و منها ما يحمل أسماء ألعاب رياضية كـ ping-pong، و منها ما يحمل أسماء دول ككندا، إلى آخره من الأسماء العجيبة.  

الذي علمته فيما بعد هو أن تسمية القاعات يتولاها موظفو الشركة جميعهم من خلال ترشيح أسماء ثم التصويت عليها باستخدام برنامج داخلي أعد لهذا الغرض!



بالإضافة إلى الاجتماع الذي يضم كل الفريق، كنت أجتمع مع مديري المباشر بشكل منفرد يوم الأربعاء من كل أسبوع.  في أول اجتماع تم بيننا - و كان ذلك في الأسبوع الأول - شرح لي طبيعة العمل و المهام المطلوبة مني، و المشروع الذي يجب أن أنجزه خلال الصيف. ثم في نهاية الاجتماع قال لي: ابدأ بالعمل فوراً و دعنا نرى أول إضافة ترفعها إلى الموقع يوم الجمعة!!!  نعم .. كان يقصد يوم الجمعة من نفس الأسبوع!  بمعنى أنه كان يتوقع مني أن أُنجز شيئاً قابل لإضافته إلى الموقع خلال يومين فقط!

لم أكن مندهشاً و لا مصدوماً في الحقيقة، ففي أثناء البرنامج الترحيبي تعلمنا أن العمل في الفيسبوك يقوم على مجموعة من القيم التي يسعى الجميع داخل الشركة إلى تحقيقها بكل قوة.  أول و أهم هذه القيم هي : Move Fast And Break Things!  أو تحرك سريعاً و لو أدى ذلك إلى تعطيل الموقع.  و من القيم الأخرى:  Be Brave  و  Done is Better Than Perfect وغيرها.

هل تذكرون ورقة الترحيب التي وجدتها تنتظرني على مكتبي في أول يوم وصلت فيه إلى 1601؟  كانت تلك الورقة مذيلة في نهايتها ب Move Fast and Break Things، و كنت أرى هذه العبارة حولي كلما التفت و أينما ذهبت، فهي و غيرها من القيم مكتوبة على كل جدار تقريباً من جدران المبنى، و تجدها في الممرات، و في داخل غرف الاجتماعات، و في الكافتيريا و في المطابخ، و حتى في دورات المياه!




دون أن أشعر وجدت نفسي قد تبرمجت تلقائياً وفق هذه القيم و تبنيتها بالكامل و بدأت أبذل الوسع لتحقيقها بإرادة ذاتية و دون ضغط أو متابعة من أحد! و كان هذا حال جميع الزملاء!

فلا تعجب إن أخبرتك أن هناك من الموظفين من يعمل عشر ساعات يومياً، و منهم (و هم كثر) من يبات في الشركة بالأيام، و كثيرون كذلك يعملون في عطلة نهاية الأسبوع! لاحظ أن كل هذا يحصل بالرغم من أن الدوام غير إلزامي و لا توجد مواعيد محددة للدوام! 

كنا نعشق المكان ليس فقط لما فيه من الرفاهية و توفر كل أسباب الراحة، و إنما كذلك لإشباع رغبة جامحة في الاستجابة لنداء "كن شجاعاً" و "تحرك بسرعة" و "أنجز"! تلك النداءات التي نجحت في تفجير الطاقات و جعلت الانغماس و الذوبان في العمل قمة المتعة و غاية السعادة و التلذذ!

كل هذا جميل و رائع و يأسر الألباب و القلوب، و لكن ..... 

كنت في معظم الأيام أذهب إلى العمل قرابة الساعة التاسعة صباحاً و أدخل من الباب الرئيسي ل 1601 و أمكث في العمل حتى الساعة السادسة أو السابعة مساءً. 

في أحد أيام الأسبوع الثاني، و من فرط النشاط و الإقبال على العمل، خرجت مبكراً جداً - قرابة الساعة السابعة صباحاً. 

وصلت... فوجدت مرآب السيارات شبه فارغ إلا من سيارات معدودة ( و هو عادةً ما يكون مكتظ و بالكاد أجد مكاناً لأوقف فيه سيارتي).  دخلت المرآب حتى وصلت إلى خلف المبنى، و أوقفت السيارة بجانب أحد الأبواب الخلفية التي تؤدي مباشرة إلى قبو المبنى و ليس إلى الطابق الذي اعتدت الدخول منه. و كانت هذه أول مرة أدخل المبنى من هذا المكان.

وصلت إلى الباب .... أخرجت بطاقتي الممغنطة و مررتها بجوار وحدة الأمان المثبتة على يمين الباب...  فانفتح الباب فوراً ... دخلت مسرعاً... كان المكان معتماً بعض الشيء و لم يكن في الداخل أحد... و لم أكن أعرف بالتحديد في أي اتجاه يجب أن أتحرك لأصل للطابق العلوي حيث يتواجد مكتبي،  فالمبنى كبير و لم أكن حينها أعرف تقسيماته أو ممراته و أدراجه...

تقدمت في الممر إلى الأمام نحو بهوٍ واسعٍ يبدو فيه من بعيد بعض المكاتب و الشاشات الكبيرة.  و ما أن وصلت إلى نهاية الممر حتى كانت المفاجأة المذهلة الصادمة!

رأيت معلقاً في السقف علم كبير يشبه العلم المصري تماماً غير أن النسر المرسوم في وسطه  استبدل بصقر، و مكتوب تحت الصقر بخط كبير "اتحاد الجمهوريات العربية"  هكذا باللغة العربية !!!!!

ما أن رأيت ما رأيته حتى تسمرت في مكاني، و ذُهلت، و تعجبت، و مرت في رأسي مليون فكرة و مليون سؤال في ثانية واحدة!

يتبع....


تنويه و تنصل: أنا هنا أروي تجربتي في الفيسبوك على شكل حكايات مضاف إليها حبكة درامية و مقطعة على حلقات بهدف التشويق و الامتاع. و لا يحق لأحد أن يقوم  بتحويل أي شيء أكتبه هنا إلى أخبار صحفية، أو كتابة أي خبر صحفي بناءً على  هذه الحلقات،  و لا يحق لأحد أن يعيد نشر الحلقات في أي وسيلة إعلامية أو موقع إلكتروني آخر دون إذن صريح وواضح و مباشر مني و قبل إطلاعي على محتوى ما سيتم نشره.

الخميس، 22 سبتمبر 2011

ثلاثة أشهر في الفيسبوك! - الحلقة الثالثة


1601
الحلقة الثالثة: الفيسبوك من الداخل

المبنى رقم 4 في شارع "بيج ميل" الذي عقد فيه اللقاء الترحيبي و تلقينا فيه التدريب كان جميلاً و مريحاً و قضينا فيه وقتاً ممتعًا للغاية، و كنت حتى تلك اللحظة أشعر بالانبهار من روعة و جمال المكان، و لكن عندما انتقلنا إلى المبنى 1601 في شارع "كاليفورنيا" الموازي "لبيج ميل" و بمجرد دخولي من الباب الرئيسي عرفت أن المغامرة و المتعة الحقيقية لم تكن قد بدأت بعد!

دخلت المبنى من بابه الرئيسي، و بعد أن اجتزت ردهة الاستقبال فاجأتني على يميني و أنا داخل  Wall! و لكنها هذه المرة حقيقية و حية و مليئة بالمنشورات:
The Facebook Wall

و الأعجب من هذه ال Wall هي قصتها التي عرفتها فيما بعد، فقد جاء بفكرة هذا الجدار أحد الموظفين. قام بنفسه و دون استشارة أو إخبار أحد بطباعة The Facebook Wall ... Write Something، ثم علقها بنفسه خلال عطلة نهاية الأسبوع دون أن يستأذن أحد ، و وضع بضعة أقلام ملونة بجانب الجدار، فأصبح كل من يزور المبنى يتوقف عند الجدار و يكتب شيئاً!

لم يكن هذا الجدار سوى أولى المفاجآت، المفاجأة الأكبر كانت عندما وصلت إلى نهاية الممر القصير المجاور للحائط و دخلت إلى ما يفترض أن يكون مكان غرف الموظفين. العجيب أنه في كل هذا المبنى الطويل العريض لم يكن هناك ولا أية غرفة واحدة خاصة بموظف... الشركة كلها ليس فيها أي مكاتب منفصلة أو منعزلة، الجميع يجلس في بهو فسيح جداً بجوار بعضهم لا تفصلهم جدران لا إسمنتية و لا خشبية و لا حتى زجاجية ... للوهلة الأولى تشعر أنك في سوق شعبي مليء بالحركة و الحياة ... أو كأنك في خلية نحل حقيقية ترى فيها حركة نشطة دائبة و تسمع فيها دوي متصل. 

جانب من مكان العمل 

فهمت فيما بعد أن هناك فلسفة هامة تقف وراء اختيار هذا التصميم لبيئة العمل، الفكرة باختصار أن الفيسبوك موقع تواصل اجتماعي، و أحد أهداف الشركة الرئيسية هو جعل العالم أكثر اتصالاً، و جعل الناس أكثر قرباً و أكثر احتكاكاً. و حتى يستطيع موظفو الشركة أن يعملوا بقوة لتحقيق هذه الغاية لابد أن يعيشوها هم بأنفسهم في كل دقيقة و كل لحظة.

للوهلة الأولى شعرت بالانزعاج و الفوضى و التشتت، و لكني سرعان ما وجدت نفسي أنسجم و ألتحم مع هذه البيئة و أعشقها.

الكل يعرف الكل، و الكل يعرف كل شيء تقريباً عن كل شيء، ففي كل دقيقة تسمع اثنين أو ثلاثة يتناقشون هنا أو هناك حول فكرة أو مشكلة أو تحدي قد يكون في مجال عملك أو في مجال مختلف كلياً، و لكنك تستفيد في كل الأحوال فقط بمجرد الاستماع، و تشعر بالانتماء لكل جزء و كل تفصيلة من أجزاء و تفصيلات العمل.  تصميم إبداعي و خلاق، و بيئة عمل مفعمة "بالاجتماعية" و تنبض بالحياة!

بعضكم بالتأكيد  يتساءل عن الخصوصية التي ربما يفضلها البعض أثناء العمل. و الجواب ببساطة أن من يحتاج الخصوصية كان يحصل بمجرد الطلب على قدر "أظنه كافٍ" منها... بسهولة...  و إبداع:

إبداع في توفير الخصوصية!

لم أكن أعرف بالتحديد مكان مكتبي الذي سأجلس إليه، فجلست في إحدى الزوايا المخصصة للاستراحة و الاسترخاء، و أخرجت جهاز اللابتوب من الحقيبة و قمت بفتح إحدى صفحات الفيسبوك الداخلية التي لا يراها إلا الموظفون. تحتوي تلك الصفحة على خريطة تفاعلية لمباني و أقسام الشركة، يمكن من خلالها البحث بسرعة لإيجاد مكان جلوس أي موظف و جدول عمله و مواعيده اليومية و غيرها من المعلومات الهامة للعمل. بحثت فوجدت مكان جلوسي في أقل من نصف دقيقة.



لما وصلت المكتب المخصص لي وجدت ورقة موضوعة عليه مكتوبٌ فيها بخط كبير: "أصدقاؤك في الفيسبوك يرحبون بك". كان المكتب جديداً لم يستخدمه أحد قبلي و المقعد كذلك، و كان كل شيٍء مجهزًا: شاشة كبيرة مقاس 30 بوصة، و كيبورد، و ماوس، و مكان مخصص لوضع اللابتوب. كل الكوابل كانت موصلة و مرتبة بشكل أنيق، و إعدادات الشاشة كانت مضبوطة، لم يكن علي سوى أن أضع جهاز اللابتوب في مكانه و أبدأ العمل.

قمت بتشغيل الجهاز بسرعة و فتحت إيميل العمل، فوجدت رسالة ترحيب أخرى، و وجدت أيضاً رسالة تخبرني بأن هناك خبراء استشارييون متخصصون في ضبط جلسة الموظف حتى تكون جلسة صحية و مريحة متوفرون، و أن بإمكاني الاتصال بهم فوراً للقدوم و تقديم نصائح لي حول ارتفاع المكتب و ارتفاع المقعد و المسافة بين مكان جلوسي و بين الشاشة إلى غيره من الأمور اللازمة لضمان الراحة و السلامة الصحية.

و كان من عجائب ما رأيته في الشركة هو أن عدد ليس بالقليل من الموظفين يفضلون العمل وقوفاً! نعم ... يتم رفع مكاتبهم إلى مستوىً مرتفع بحيث يبقى الموظف واقفاً طوال فترة العمل. كان زميلي الذي يعمل أمامي مباشرة أحد هؤلاء، و كنت أتعجب كيف يصبر طوال ساعات العمل لا يجلس بالمرة!



كان المشرف المباشر علي يجلس بجانبي مباشرةً، و كان مدير الفريق يجلس إلى المكتب الذي يليه. يفصل بين كل واحد و الآخر نصف متر على الأكثر. 

سألت مشرفي المباشر: ما هي مواعيد العمل الرسمية؟  فأجابني: لا توجد مواعيد عمل رسمية!  فكررت السؤال بعد تعديله: ما هي مواعيد العمل المتعارف عليها أو المفضلة؟  فأجابني: لا توجد أي مواعيد عمل لا رسمية و لا عرفية و لا مفضلة، كل موظف يأتي في الوقت الذي يريد و يغادر في الوقت الذي يريد. بل إن الدوام في الشركة بحد ذاته ليس إلزامياً!

و لم يكن كلامه فيه أي مبالغة، بل كان عين الواقع، فقد كان مدير الفريق مثلاً يأتي في الغالب الساعة الثامنة، و يغادر نحو الخامسة أو السادسة، في حين أن مشرفي المباشر كان يأتي الساعة الحادية عشرة أو الثانية عشرة أو حتى الواحدة ظهراً و يغادر في وقت متأخر من الليل. و قد رأيت هذا التباين في حال كل الموظفين.. ففي كل لحظة تجد أن ثمة أحد داخل الشركة يعمل، بل إن هناك أشخاص يفضلون العمل ليلاً، يأتون عصراً و لا يغادرون إلا بعد منتصف الليل بساعات.

للوهلة الأولى قد تعتقد أن هذا تسيب و فوضى، و أنه و الحال هذه يكون من الصعب ضبط سير العمل و التأكد من انضباط الموظفين. و لكن سرعان ما تكتشف أن الصورة مغايرة تماماً، فعدم وجود إلزام بالدوام و لا بالمواعيد قد جعل التركيز الأكبر و الأهم يكون على الانجاز و أداء المهام.  فلو كان الدوام الزامياً بمواعيد محددة لاعتقد الموظف أنه بمجرد تواجده في أوقات الدوام قد أدى جزءاً كبيراً من المهمة المطلوبة منه، أما عندما يتم التغاضي عن هذا المتطلب، يصبح التركيز الأكبر على الانجاز وحده. في هذه الحالة يربح الجميع: الموظف يربح شعوره بالحرية و المرونة و القدرة على الموازنة بين متطلبات عمله و متطلبات حياته الشخصية، و تربح الشركة عندما يصبح هم الموظفين منصباً على الانجاز!

لما جاء وقت الظهيرة توجهت إلى الكافتيرا لتناول طعام الغداء، و الشركة تقدم للموظفين ثلاث وجبات مجانية: فطور و غداء و عشاء.  يستمر تقديم الإفطار من الساعة 8 و حتى الساعة 10 صباحاً، أما الغداء فمن الساعة 12 و حتى الساعة 2 ظهراً، ثم العشاء من الساعة 5 و حتى الساعة 7 مساءً. في كل وجبة يتم إعداد بوفيه مفتوح فيه مختلف أنواع الأطعمة و المشروبات و الحلويات، و في كل يوم يتم تقديم أصناف مختلفة من بلدان مختلفة، فمرة يتم تقديم طعام صيني و مرة هندي و مرة عربي و مرة مكسيسكي و مرة إيطالي، إلى آخره من شتى أصناف الأطعمة المختلفة.

إلى جانب الوجبات يوجد في كل ركن من أركان المبنى مطبخ صغير مفتوح، متوفر فيه على مدار 24 ساعة مشروبات باردة و ساخنة و فواكه كالموز و الخوخ و الفراولة و المشمش و التفاح و غيرها، و أنواع مختلفة من الشيكولاطة و المكسرات و السندويتشات السريعة و الحلويات و المعلبات و غيرها الكثير... كل ذلك مقدم بالمجان و بكميات غير محدودة!


عجائب 1601 لم تنته بعد!  كنت أعرف قبل أن أبدأ الكتابة هذا اليوم أن حلقة واحدة لن تكفي لإتمام وصف كل جوانب هذا المكان الجميل. و لذلك سأتوقف هنا الآن.

في الجزء الأول من الحلقة القادمة سوف أواصل وصف بيئة العمل من الداخل، و سأركز أكثر على الروح العامة السائدة داخل الشركة، و على الإيحاءات البارزة في مكان العمل التي تحفز على البذل و الانجاز و الإبداع.

في الجزء الثاني سوف أحدثكم عن شيء غريب اكتشفته بالصدفة المحضة في قبو 1601 في منتصف الأسبوع الثاني من العمل فأصابني بالذهول و الدهشة و كثير من الحيرة و شيء من القلق و التوجس!

تنويه و تنصل: أنا هنا أروي تجربتي في الفيسبوك على شكل حكايات مضاف إليها حبكة درامية و مقطعة على حلقات بهدف التشويق و الامتاع. و لا يحق لأحد أن يقوم  بتحويل أي شيء أكتبه هنا إلى أخبار صحفية، أو كتابة أي خبر صحفي بناءً على  هذه الحلقات،  و لا يحق لأحد أن يعيد نشر الحلقات في أي وسيلة إعلامية دون إذن صريح وواضح و مباشر مني و قبل إطلاعي على محتوى ما سيتم نشره.

الأربعاء، 21 سبتمبر 2011

ثلاثة أشهر في الفيسبوك - الحلقة الثانية


رابط المقدمة و الحلقة الأولى


الحلقة الثانية:  اليوم الأول!

في مساء يوم الجمعة 20 مايو وصلت برفقة العائلة إلى مطار مدينة سان هوزيه ثالث أكبر مدن ولاية كاليفورنيا، و عاصمة وادي السيليكون الشهير الذي يقع جنوب خليج سان فرانسيسكو. تعد هذه المنطقة من أكثر مناطق أمريكا شهرةً و ثراًء و ازدحاماً و اكتظاظاً سكانياً و غلاء!  فهي تستضيف مقرات كبرى شركات التكنولوجيا العالمية كإنتل و ياهو و جوجل و سيسكو و إتش بي و أوراكل و أبل و أدوبي و غيرها الكثير من شركات التكنولوجيا المعروفة عالمياً.  أما مقر الفيسبوك فهو في قلب وادي السيليكون في مدينة بالو ألتو حيث جامعة ستانفورد العريقة.

أول أيام العمل كان يوم الاثنين 23 مايو، و كان مخصصاً بطوله للترحيب بالطلبة المتدربين و الموظفين الجدد، و لتعريفهم بالشركة و فلسلفتها و قيمها و أخلاقيات و قوانين العمل فيها، و لتحفيزهم على العمل و الانجاز و الإبداع و التأثير!

انطلقت في الساعة السابعة صباحاً من مكان إقامتي المؤقت في ضيافة أحد الأخوة الأعزاء في مدينة سنيفيل نحو بالو ألتو. كانت الشوارع مزدحمة جداً كالعادة، فالحركة هنا تكون نشطة جدا منذ وقت مبكر جداً من النهار و لا تهدأ إلا مع غروب الشمس!  و على الرغم من الازدحام إلا أنني كنت مستمتعاً بمشاهدة جمال الطبيعة حيث تلتقي الجبال الشامخة التي تتخلل قممها غيوم بيضاء ناصعة مع السهول الخضراء الخلابة، مع مياه الخليج و الأودية المائية الصغيرة.



و لم أشعر بضيق و لا بضجر عندما علقت في اختناق مروري بجوار شارع ناسا، إذ كنت أتسلى بمشاهدة مقر أبحاث وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، و على مقربة منها على الطرف الآخر من الشارع أحد مقرات شركة مايكروسوفت العملاقة.
أحد مباني ناسا!

مقر مايكروسوفت - وادي السيليكون

وصلت إلى مقر الفيسبوك، و اتجهت إلى المبنى رقم 4 بحسب التعليمات. دخلت القاعة المخصصة لبرنامج الاستقبال و التدريب، فوجدت ما يقارب 400 طالب مثلي قدموا من ولايات أمريكية مختلفة و من دول أخرى ككندا و الهند و ماليزيا و مصر و لبنان و بعض دول الاتحاد الأوروبي، كلهم استضافتهم الشركة للتدريب و العمل في مكاتبها خلال الصيف!

كان المكان مرتباً جدا، و لا يحتاج الإنسان إلى كثير من الوقت ولا إلى دقة ملاحظة ليستنتج  أن الفريق القائم على إعداد برنامج الاستقبال قد قام بعمله على أتم ما يمكن.

فبمجرد أن دخلت القاعة أسرع أحدهم نحوي ليستقبلني، و يرشدني إلى مقعد و طاولة كان مكتوباً عليها اسمي، و على الطاولة جهاز ماك بوك جديد بمواصفات فائقة، و جهاز أي فون جديد مدفوع التكاليف بالكامل، و حقيبة فاخرة، و دفتر، و قلم، و قميص عليه شعار الشركة!

كان المكان مزوداً بشتى صنوف المشروبات الساخنة و الباردة، و شتى أشكال الحلوى و الشوكلاتة المنوعة و ألعاب مختلفة مسلية.

بدأ البرنامج بفقرة قصيرة تم خلالها تعريفنا بكيفية إنشاء حسابات داخلية، و كيفية الدخول إلى الشبكة، و غيرها من الأمور الفنية الأساسية.

الفقرات التالية كانت غاية في الامتاع، و كانت كلها تهدف إلى تفجير قنبلة ذرية تحفيزية (نعم قنبلة ذرية بكل ما في الكلمة من معنى) في نفس كل واحد منا، لتدفعه بقوة نحو العمل و الانجاز و إحداث أثر. 

تنوعت الفقرات بين مشاهدة مقاطع فيديو توثيقية، و كلمات لمتحدثين من موظفي و مديري الشركة، و نقاشات مفتوحة.

كانت الرسالة الأساسية التي حاولت كل الفقرات التركيز عليها هي "الأثر - Impact" الكبير للشركة في حياة الناس اليومية في كافة أرجاء العالم، و كيف أن كل واحد منا سيحدث تغييرات سوف يشاهدها مئات الملايين من البشر من مختلف الأجناس و الأعراق.

و كان مثال الثورة المصرية حاضراً في كل فقرة تقريباً، فلا أذكر أن أحداً من المتحدثين بمن فيهم عريف البرنامج قد غادر المنصة دون أن يذكر الثورة المصرية كمثال حي و بارز على أثر الفيسبوك في إحداث التغيير.

و كانت أكثر الكلمات حماسة و تحفيز هي كلمة Chris Cox  مدير المنتجات في الشركة، و هو شاب في مقتبل العمر من مواليد 1982! و هو من الرعيل الأول في الشركة و ممن حضروا أيام التأسيس. تحدث كريس عن تاريخ الشركة القصير و عن قفزاتها السريعة و صعودها المفاجئ الذي فاجأهم هم قبل أي أحدٍ آخر، و عرج قليلاً على فيلم (الشبكة الاجتماعية) فقال أنه مليء بالمغالطات و الأخطاء دون أن يذكر تفاصيل. 

Chris Cox

ثم تحدث بإسهاب عن الأثر العالمي للفيسبوك، و نموه و انتشاره السريع، و تغلغله في العالم... و كغيره من المتحدثين توقف عند الثورة المصرية، و كيف كان أثر الفيسبوك واضحاً فيها، و ذكر أن العديد من الاتصالات من مصادر متعددة كانت تصلهم تسألهم: هل أنتم تحركون ما يجري في مصر؟ هل أنتم من دبر الثورة؟ فكانوا يجيبون بالنفي في كل مرة. ثم بين كم كانت دهشتهم عظيمة و هم يشاهدون بأعينهم كيف أن موقع إلكتروني أنشأوه منذ سنوات قليلة فقط و دون أن يخطر ببالهم أن يكون له هذا الانتشار الكبير و السريع، اندهشوا كيف أنه أصبح اليوم أداة رئيسية استخدمها الثوار و المقهورون لتغيير نظام حكم و إعادة رسم مستقبل بلد بل منطقة بأكملها! سأعود للحديث عن الثورات العربية لاحقاً في سياق أكثر إثارة و غرابة! و لكن دعونا نتابع تسلسل الأحداث.

كل هذا جرى في اليوم الأول داخل قاعة الاستقبال في المبنى رقم 4. تبعه تدريب تقني مكثف في نفس المكان و لمدة يومين آخريين على أدوات الشركة الداخلية و برامجها. 

في اليوم الرابع انتقلنا إلى المبنى الرئيسي الضخم المشهور باسم 1601 و الذي يتواجد فيه أغلب المهندسين.

في الحلقة القادمة سوف أحدثكم عن عجائب 1601 و بيئة العمل الغريبة التي تبنتها الشركة على خلاف كل ما أعرفه من الشركات الأخرى... الجميع يستغرب من هذه البيئة حتى مصمميها:
Is this a Technology Company?

تنويه و تنصل: أنا هنا أروي تجربتي في الفيسبوك على شكل حكايات مضاف إليها حبكة درامية و مقطعة على حلقات بهدف التشويق و الامتاع. و لا يحق لأحد أن يقوم  بتحويل أي شيء أكتبه هنا إلى أخبار صحفية، أو كتابة أي خبر صحفي بناءً على  هذه الحلقات،  و لا يحق لأحد أن يعيد نشر الحلقات في أي وسيلة إعلامية دون إذن صريح وواضح و مباشر مني و قبل إطلاعي على محتوى ما سيتم نشره.

الاثنين، 19 سبتمبر 2011

ثلاثة أشهر في الفيسبوك!



أتيحت لي الفرصة في الصيف الماضي (2011) للعمل في شركة الفيسبوك، و الالتحاق بفريق عملها الذي يضم قرابة 3000 موظف أكثرهم من المهندسين. و قد ألح عليَّ العديد من الأصدقاء و الزملاء أن أكتب عن تجربتي، و أن أشارك معهم حكايات و مشاهدات و فوائد هذه التجربة.  

أتفهم بشدة هذا الطلب و ذلك الإلحاح، فموقع الفيسبوك أصبح محط الأنظار و العقول (و ربما القلوب!) في العالم عامةً و في عالمنا العربي خاصة، ينظر إليه الكثير من الناس بعين الإعجاب، كما ينظر إليه آخرون بعين الخوف و التوجس! و الجميع يريد أن يتعرف على الشركة التي تديره عن قرب، و أن يكتشف السر وراء صعودها السريع.

عبر سلسلة من التدوينات القصيرة سوف أنقل لكم خلاصة تجربتي، و أحكي لكم حكايات مثيرة و مدهشة و عجيبة عن الفيسبوك، أتمنى أن تكون مفيدة و ممتعة كذلك. و قبل أن أبدأ، دعوني أعرض عليكم بعض العناوين التي سأتحدث عنها خلال السلسلة:


  • الطريق إلى الفيسبوك.
  • اليوم الأول، يوم الثورة المصرية!
  • شركة بلا مكاتب!
  • كل شيء بالمجان!
  • العمل وقوفاً!
  • غرفة إدارة و تحريك الثوارت العربية!
  • من يستطيع أن يصل إلى معلوماتك الشخصية و ينتهك خصوصيتك؟
  • في ضيافة مارك زكربيرج!
  • الجزء الخفي من موقع الفيسبوك!
  • جوجل+!
  • .... و غيرها الكثير!

الحلقة الأولى: في الفيسبوك بالصدفة!

لم أكن قد خططت لتقديم طلب عمل في الفيسبوك و لا قصدت ذلك. كل ذلك حصل بالصدفة.

في بداية كل فصل دراسي تقوم الجامعة التي أدرس فيها (كغيرها من الجامعات هنا في أمريكا) بتخصيص يوم تستضيف فيه الشركات التي تبحث عن طلبة لتوظيفهم للعمل مؤقتاً خلال فترة الصيف، أو خريجين مرتقبين لاستقطابهم لفرص عمل دائمة بعد التخرج.

في ذلك اليوم ذهبت بدافع الفضول إلى حيث تجمعت الشركات لألقي نظرة على ما يجري هناك، و لم أكن قد طبعت سيرتي الذاتية، و لا لبست بدلة رسمية كما يفعل الطلبة الباحثين عن فرص عمل. كان ذلك في آخر اليوم و قبل ثلث ساعة فقط من مغادرة الشركات.

و عندما مررت بجوار الركن المخصص للفيسبوك كانت إحدى مندوبات الفيسبوك تتحدث لأحد الطلبة المهتمين عن الشركة، و عن فرص العمل المتوفرة لديهم، فوقفت أستمع من بعيد، فلاحظت الموظفة وجودي و انصاتي، فعرضت عليّ الانضمام للحوار ففعلت، و في نهاية حديثها طلبت منا سيرنا الذاتية إذا كنا مهتمين بالتقدم لوظيفة مؤقتة، فقام الطالب الثاني بإخراج ورقة من ملف كان يحمله و أعطاها إياها، أما أنا فاعتذرت لأني لم أكن مستعداً، و لأن سيرتي الذاتية لم تكن معي، فتهفمت الموقف و اقترحت علي أن أرسلها عبر الإيميل. و بالفعل في اليوم التالي مباشرةً أرسلت سيرتي الذاتية كما طُلب مني.

و بعد أسبوع تقريباً وصلتني من الفيسبوك دعوة لمقابلة توظيف، منذ اللحظة الأولى شعرت بارتياح للأمر و لم أتردد في قبول الدعوة.

 تم عقد المقابلات في مكتبة الجامعة، و كانت المقابلة بواقع جولتين على مدار يومين (خميس و جمعة). في الجولة الأولى كانت مدة المقابلة 30 دقيقة و غلب عليها الطابع التقني، إذ كانت أغلب الأسئلة تطلب صياغة خوارزمية لحل مشكلة معينة.

تخطيت بفضل الله الجولة الأولى، و انتقلت إلى الجولة الثانية. هذه المرة كانت مدة المقابلة 45 دقيقة و كانت أسئلتها منوعة ما بين أسئلة عامة عن الاهتمامات الأكاديمية و مجال البحث، و تبادل بعض الأفكار و الآراء عن الفيسبوك، ثم أسئلة برمجية كما كان في الجولة الأولى. 

كنت أتوقع أن تصلني النتيجة خلال أسبوع على الأكثر، و لكن هذا لم يحصل، فمر الأسبوع الأول، ثم الأسبوع الثاني، ثم الأسبوع الثالث دون أن يصلني أي رد سواءً بالإيجاب أو السلب، مع أني سمعت من بعض الطلبة الآخرين الذين شاركوا في المقابلات أنهم استلموا نتائج مقابلاتهم منذ الأسبوع الأول. انتابني بعض القلق، ثم تحول هذا القلق إلى اطمئنان عندما عرفت أن كل من وصلهم رد في الأسبوع الأول كان الرد سلبيياً.

بعد انتهاء الأسبوع الثالث دون وصول أي رد، قررت أن أرسل رسالة أسأل فيها عن حالة طلبي، و عن نتائج المقابلة، فجاءني الرد في نفس اليوم بأن النتائج كانت إيجابية، و أن عرض العمل الرسمي سيصلني بالإيميل في نهاية اليوم، ثم يصلني مطبوعاً بالبريد إلى عنوان البيت خلال يومين!

و من هنا بدأت الرحلة مع الفيسبوك!

في التدوينة القادمة سوف أخبركم عن اليوم الأول في الفيسبوك، و عن الذي قاله لنا مدير المنتجات في الشركة عن الثورة المصرية و عن علاقة الفيسبوك بها!



تنويه و تنصل: أنا هنا أروي تجربتي في الفيسبوك على شكل حكايات مضاف إليها حبكة درامية و مقطعة على حلقات بهدف التشويق و الامتاع. و لا يحق لأحد أن يقوم  بتحويل أي شيء أكتبه هنا إلى أخبار صحفية، أو كتابة أي خبر صحفي بناءً على  هذه الحلقات،  و لا يحق لأحد أن يعيد نشر الحلقات في أي وسيلة إعلامية دون إذن صريح وواضح و مباشر مني و قبل إطلاعي على محتوى ما سيتم نشره.

الأربعاء، 14 سبتمبر 2011

فيلم وثائقي "يجب" نشره و تعميمه و تقليده

عندما شاهدت هذا الفيديو لأول مرة شعرت بأنني أخيراً وجدت ضالتي التي كنت أبحث عنها منذ سنوات. كم نحن حقاً مقصرون في التعريف بهويتنا و حقيقة القيم العظيمة التي نحمل. يبدو أننا هُزمنا داخلياً لدرجة أننا قبلنا التهم و التشنيعات التي ألحقت بنا زوراً و بهتاناً، إن لم نكن قبلنها بالإقرار، فقد قبلناها بالسكوت و التقاعس عن ردها و دفعها.

أعتقد أن الوقت قد جاء لننطلق و نتحرك لنوضح و نبين حقيقة ديننا و ثقافتنا و قيمنا.  نريد عشرات من أمثال هذا الفيلم و بلغات متعددة، نريد أن نترجم هذا الفيلم إلى لغات متعددة. نريد أن ننشره و أمثاله من خلال الإيميلات و منتديات الحوار و الشبكات الإجتماعية ووسائل الإعلام الجديد، نريد أن نكتب مقالات و أن نرسم كاريكوتيورات و أن ننتج أفلام رسوم متحركة و أن نبرمج ألعاب .. إلخ .. كل ذلك لمعاكسة الدعاية السيئة و التشويه المتعمد الذي تعرضنا و مازلنا نتعرض له.

كل التحية لمؤسسة جذور القائمة على إنتاج هذا الفيلم، و خالص التقدير للأستاذ فاضل سليمان صاحب الباع الطويل في تصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام في الغرب و بين المسلمين أنفسهم.


الخميس، 18 أغسطس 2011

في أن غياب الرقابة الشعبية من مداخل الشيطان



منذ أن وقع الانقسام الفلسطيني في العام 2007 تعطلت المؤسسة النيابية التشريعية الفلسطينية، و غابت الرقابة الشعبية على المؤسسة التنفيذية غياباً تاماً.

- خلال تلك الفترة التي تجاوزت أ ربع سنوات تم تشكيل وزارات، و تعيين وزراء، و استحداث حقائب وزارية، في كلا شقي الوطن، كلها لم تعرض على الشعب و لم تنل ثقته.

- في كل سنة من السنوات الأربع أُقرت موازانات لم يطلع عليها الشعب، و لم يناقشها نوابه، و أعدت تقارير مالية و إدارية لم يدققها أحد، و لم يسمع أحد تعليق الشعب عليها.

- اتُخِذت قرارات سياسية مصيرية، و خطوات تمس مستقبل القضية برمتها لم يُستشر فيها الشعب، و لم يستفت نوابه فيها.

- صدرت قوانين و سُنت تشريعات و فرضت ضرائب و استحدثت عقوبات، دون أن تمر على نواب الشعب ليقروها أو يرفضوها.

- وقعت فضائح سياسية و أخلاقية و إدارية، و لا حسيب و لا رقيب.

- انتهكت حقوق الإنسان و قتل تحت التعذيب من قتل، و أغلقت المؤسسات الخيرية و التنموية، و لم يتح لنواب الشعب أن يسألوا: من؟ و كيف؟ و لماذا؟

- وقعت حوادث في بعضها ضاعت أموال و في بعضها سالت دماء و انتهكت أعراض ... فُتِح في بعضها أو كلها تحقيقات، و لم يُسمح للشعب بمتابعة التحقيقات و لا التعرف على نتائجها.

- كثرت شكاوى الناس حول الواسطات و المحسوبيات و الرشاوى، دون أن تتاح الفرصة لتلك الشكاوى أن تخرج من صدور أصحابها لتتحول إلى مساءلات حقيقية تفحص و تحاسب و تعاقب.

- تتأخر الرواتب هنا و هناك فلا أحد يعرف الأسباب الحقيقية و لا أحد يفهم ما يجري.

- و غيرها الكثير ...

غياب الرقابة الشعبية على المؤسسة التنفيذية من أعظم أبواب الفساد و من أعرض مداخل الشيطان، فالشيطان أول ما سيأتي للمسؤول - أي مسؤول- سيقول له: "لا يحاسبك أحد".

لجان الرقابة الداخلية و هيئات المحاسبة الحكومية كلها لا تغني بأي حال من الأحوال عن الرقابة الشعبية، إذ لا سبيل للحاكم أن يتعرف على نبض الشعب دون أن يسمع صوت الشعب نفسه، و لا سبيل للشعب أن يطمئن إلى سير حاكميه دون أن يتحقق من ذلك بنفسه.

كما أن سيرة المسؤول و سمعته الحسنة بين الناس، و سمات الصلاح الظاهرة عليه، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الرقابة الشعبية، هكذا أفهم قول الخليفة الراشد : (لا خير فيكم إن لم تقولوها)، فالسكوت عن مراجعة المسؤول و محاسبته إعانة للشيطان عليه!

أنا لا أقول هذا الكلام تلميحاً لوجود فساد مالي أو سياسي أو إداري... أنا لا أعرف إن كان هناك فساد أم لا ... و لكن الذي أعرفه أن كوني "لا أعرف" هو بعينه خلل ... و أن السكوت عن حقي في أن أعرف هو من أشكال الفساد!

مشكلة الكهرباء: أسئلة و مقترحات



لا أكاد أذكر طيلة حياتي التي قضيتها في غزة ( ما أعي منها على الأقل) أن ثلاثة أشهر مرت دون أن تنقطع فيها الكهرباء. فهل أصبحت مشكلة الكهرباء في غزة مرضاً مزمناً لا فكاك منه؟

في السنوات القليلة الأخيرة أصبحت الحالة مستعصية شديدة الاستعصاء، و أصبحت الكهرباء هماً كبيراً ينغص حياة الناس و يلاحقهم في كل دقيقة و كل لحظة. يحملون همها إذا انقطعت حزناً على غيابها، و يحملون همها إذا جاءت قلقاً و ترقباً للحظة فراقها، و كأن وصف الشاعر لحال المحب ينطبق على حال المواطن الغزي مع الكهرباء: 

تراه باكيــاً في كل حال *** مخافــة فرقـــةٍ أو لاشتيـــاق!
فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم *** و يبكـي إن دنو حذر الفراق!
فتسخن عينه عند التلاقي *** و تسخـــن عينـه عنــد الفراق!

و تسخن عين رب الأسرة عندما تتلف الأجهزة الإلكترونية في بيته، و تسخن عين أرباب العمل عندما تتعطل تجاراتهم و مصالحهم، و تسخن عين الطالب عندما يتأخر عن إتمام واجباته أو الإستعداد لاختباراته، و تسخن عين المريض عندما يتأخر عنه العلاج... تسخن عين المحكومين، فهل تسخن عين الحاكم؟ هذا هو سؤالي الأول.

لا أوجه هنا أية اتهامات، و إنما هي تساؤلات، و لا أهدف لا إلى لمز و لا إلى تشويش، و إنما أحاول أن أفهم ما الذي يجري.

بدأت معاناة الناس الحقيقية مع الكهرباء عندما تم قصف محطة الكهرباء في العام 2006، و حينها حاولت شركتي التوليد و التوزيع بالتعاون مع سلطة الطاقة و الحكومة إدارة الأزمة، و توزيع ما تبقى من كهرباء على الأحياء وفق جداول زمنية و بحصص محدودة، و كان الجميع يقول أن المخرج من الأزمة هو بإصلاح المحولات التي دمرها القصف.

في العام 2007 تم إصلاح المحولات المقصوفة، و مع ذلك لم تتوقف جداول الطوارئ و استمرت المشكلة... و هنا رفع المسؤولون حجةً أخرى ألا و هي اهتراء الشبكة، و الحاجة إلى قطع غير متوفرة يمنع الحصار جلبها من الخارج.

فلما شُقت الأنفاق و كثرت و تطورت فسهلَّت دخول كل شيء حتى السيارات الحديثة و ما فوقها، دخلت القطع و زالت حجة عدم توفرها، و لكن المشكلة لم تزل تراوح مكانها بل تتفاقم.

فإذ بنا نسمع عن حجة جديدة تتمثل في عدم توفر الوقود، و مرةً يوجه أصبع الاتهام للاحتلال و حصاره، و مرة لأسباب فنية تتعلق بآليات ضخ الوقود، و مرة لمناكافات سياسية بين طرفي الانقسام الداخلي، و مرة للمواطنين أنفسهم و لتقصيرهم في دفع الفواتير!

و بعد أن عاشت حجة الوقود عمراً كافياً و أسعفت المسؤولين كلما وُجِه إليهم سؤال عن أسباب الأزمة، إد بنا نسمع أن ابتكاراً محلياً جعل وقوداً مستورداً من مصر يصلح لإدارة توربينات المحطة و يغنينا عن الوقود الإسرائيلي. فتهلل الجميع و استبشر، إلا أن المشكلة بدلاً من أن تُحل فإذا بها تتفاقم و إذ بساعات الانقطاع تزداد طولاً و تزداد تكراراً.

و الحجة الجديدة الآن هي في زيادة الأحمال و تعاظم الاستهلاك في الصيف!

هل لنا أن نأمل أن يأتي الشتاء بالحل؟ أم أنه سيأتينا بحجة جديدة، قد تكون هذه المرة: زيادة الأعطال بسبب قساوة الطقس و غزارة الأمطار؟

هدفي من استعراض تاريخ مشكلة الكهرباء هو أن أقدم للأسئلة التالية:

- هل المسؤولون عن الكهرباء سواءً في الشركتين أو في سلطة الطاقة يعرفون حقاً أبعاد المشكلة و يحيطون بأسبابها كلها؟
- هل المسؤولون صريحون مع المواطن و يجعلون منه شريكاً في فهم ما يدور أم أنهم يستغفلونه و يعطونه المسكن تلو المسكن؟
- أين تقع مشكلة الكهرباء على سلم أولوياتهم؟ هل شكلوا لجنة طوارئ دائمة الانعقاد لا تنفض إلا بعلاج المشكلة جذرياً؟
- لقد سمعنا من المسؤلين كلاماً مفصلاً عن مبررات الأزمة، فهل لنا أن نعرف بنفس التفصيل خططهم لعلاجها أو التخفيف من حدتها على الأقل؟

مرةً أخرى أؤكد، أنا لا أطرح الأسئلة بطريقة إنشائية تحمل في طياتها اتهاماً أو غمزاً لقناة أحد، و إنما هي أسئلة استفهامية بهدف التعلم و المعرفة. فقد تكون الإجابات على أسئلتي كلها إيجابية و لكني لم أعرف الإجابات من قبل لتقصيرٍ مني في البحث و الاطلاع.

و حتى أبرأ بنفسي من السلبية، و لا أكون ممن يكتفي بالنقد، سأطرح بعض المقترحات العملية التي أرجو أن تصل إلى المسؤوليين و يأخدوا بما يروه مناسباً منها، و سأقسم المقترحات إلى محاور:

أولاً: الاهتمام بالمشكلة

1- تشكيل لجنة طوارئ تضم ممثليين من شركتي التوزيع و التوليد و سلطة الطاقة و نواب من المجلس التشريعي و ممثلين لمؤسسات من المجتمع المدني (نقابات و مؤسسات أكاديمية مثلاً)، على أن تبقى اللجنة في حالة استنفار دائم إلى حين معالجة المشكلة بأقصى درجة ممكنة ( إن لم يكن علاجاً جذرياً فتخفيف حدتها إلى أقل ما يمكن). و تتمثل مهام هذه اللجنة في حصر مظاهر و أسباب المشكلة، و تقديم خطة عملية مجدولة زمنياً لعلاج كل ما يمكن علاجه. و على الحكومة أن تعطي هذه اللجنة كل الصلاحيات اللازمة، و أن تقدم لها كل الموارد البشرية و المادية التي تحتاجها.

ثانياً: ترشيد استهلاك الطاقة

ترشيد الاستهلاك ليس وسيلة لإدارة الأزمة، و إنما هي استراتيجية دائمة يجب أن تتبناها كل الدول و الحكومات في كل وقت. و هذه بعض المقترحات التي يمكن أن تساعد في ترشيد الاستهلاك.

1- لمبات الإنارة الأقل استهلاكاً: تشجيع المواطنين على استبدال لمبات الإنارة عالية السحب ( 100 - 150 وات )  بلمبات الإنارة الأقل سحباً  (20 - 40 وات)، و جميل أن يكون ذلك من خلال حملة تقوم فيها الجهات المسؤولة بتوزيع لمبات قليلة السحب مجاناً، مصحوبةً بحملة إعلامية توعوية تشجع الناس على استخدامها عوضاً عن اللمبات عالية السحب.

2- الإنارات المؤقتة بزمن أو المصحوبة بمجسات حركة: و هذا النوع من الإنارات مستخدم في كثير من دول العالم في المؤسسات الحكومية و الأهلية و الجامعات و المدارس و المرافق العمومية و الشوارع، و يساهم بشكل كبير جدا في توفير الاستهلاك.

3- الاستغناء عن إنارة كل الشوارع بطولها و الاكتفاء بإنارة المفترقات:  و هذا معمول به في كثير من دول العالم حتى المتقدم منها، إذ أن السيارات تكون أكثر احتياجاً لرؤية الشارع عن بعد عند المفترقات، أما ما دون ذلك من الشارع فالإنارة الأمامية للسيارة تكفي فيه.

4- المولدات المستقلة: تشجيع البنايات السكنية المرتفعة و المؤسسات التعليمية الكبيرة عالية السحب على الاستفلال بمولدات طاقة خاصة تعمل باستمرار، و تتم مراقبتها و دعمها من الجهات المسؤولة، بحيث لا تتجاوز تكلفة تشغيلها على الجهة المستفيدة تكلفة شراء الكهرباء العادية، مع ضرورة ضمان سبل الأمان و السلامة فيها.

5- فرض حد أعلى على الاستهلاك: و ذلك بأن تقوم شركة التوزيع بصياغة معادلة تعين حداً أقصى  للاستهلاك الشهري يتناسب مع حجم المنشأة (بيت أو شركة أو ... )، بحيث إذا زاد الاستهلاك عن ذلك الحد تتضاعف قيمة الدفع ضعفين أو ثلاثة. على أن تقوم الشركة في نهاية كل شهر بإرسال فاتورة مفصلة توضح الزيادة في الاستهلاك، و رسم بياني لتوزيع الاستهلاك الشهري يساعد أصحاب المنشأة على تنظيم استهلاكهم للطاقة.

6- زيادة الضرائب على الأجهزة "الكمالية" عالية السحب للطاقة: كالمكيفات الكبيرة أو العجانات و العصارات الأوتوماتيكية، إلخ.


ثالثاً: توزيع الأحمال

1- استبدال العدادات العادية بعدادات ذكية:  و هذا النوع من العدادات مستخدم في كثير من دول العالم لغرض توزيع الأحمال، و فكرتها تقوم على أن ثمن شراء الكهرباء يختلف من وقت لآخر خلال النهار، ففي أوقات ارتفاع الأحمال اليومية المعروفة  تكون تكلفة استهلاك الكهرباء أعلى بشكل ملحوظ من أوقات ضعف الأحمال، على أن تكون هده الأوقات معلنة للناس مسبقاً، هذا يشجع الناس على تقليل استهلاكهم في الأوقات المعروف أنها أوقات ارتفاع أحمال، فربات البيوت مثلاً سيعزفن عن استخدام الغسالات أو الأفران الكهربائية (التي تسحب الكثير من الطاقة) في أوقات الذروة.

2- مخزنات الطاقة: تشجيع الشركات الصغيرة و المكاتب الخدماتية كمكاتب المحاماة و محلات الحلاقة و غيرها (و البيوت ربما) على اقتناء أجهزة تخزين الطاقة (يو بي أس) بأسعار مدعومة، و أن يتم إلحاق دائرة الكترونية ذكية (تجهيزها سهل جدا على مهندس كهرباء متوسط الخبرة) تدير هذه الأجهزة، بحيث تقوم بشحن الكهرباء في فترات ضعف الأحمال (في الليل مثلاً)، ثم تقوم بالاعتماد على ما تم تخزينه لتخفيف السحب من الشبكة الرئيسية في أوقات الذروة.

3- العمل ليلاً: تشجيع عدد من المصانع و المشاغل على العمل ليلاً مقابل خصومات مغرية في فواتير الكهرباء(شريطة أن لا يؤدي ذلك إلى إزعاج المواطنين إذا كانت المصانع في أماكن سكنية)، هذا سيخفف الكثير من أعباء السحب على الطاقة التي تكون بالعادة عالية خلال النهار و الساعات الأولى من الليل.

4- الطاقة الشمسية: السعي إلى تعميم استخدام الخلايا الشمسية لإنارات الشوارع، و للمساهمة في توفير الطاقة لبعض المؤسسات (كالجامعات و المدارس مثلاً)... و أنا على يقين أن المعرفة العلمية اللازمة لتركيب و تشغيل هذه الخلايا متوفرة، و أن إمكانية استيراد الخلايا متوفرة و ليست مستحيلة إذا ما توفرت الإرادة.

رابعاً: تحسين الجباية:

بالإضافة إلى دور القانون و الشرطة في ملاحقة المتخلفين، أقترح:

1- العدادات مسبقة الدفع: و هذه يمكن فرضها على من يتأخرون في دفع ما عليهم من كهرباء، بحيث تستبدل عداداتهم التقليدية بعدادات مسبقة الدفع يصبح المواطن معها يدفع ما يستهلكه من كهرباء سلفاً، و تنفصل عنه الكهرباء تلقائياً بمجرد انتهاء ما تم دفعه، و لا تعود إلا إدا عاود شراء المزيد من الكهرباء.

2- رصيد موثوقية المواطن: و هذه فكرة معمول بها في عدد من بلدان العالم بحيث يصبح لكل مواطن رصيد (رقم)  يتزايد بالتزامه بتسديد الفواتير و يتناقص بتأخره عن الوفاء بالتزاماته، و يكون هذا الرصيد مقيد في قاعدة بيانات مركزية، و يتم الرجوع إليه كلما أراد المواطن خدمة من جهات رسمية أو شركات أو مؤسسات مالية، فعلى سبيل المثال أصحاب رصيد الموثوقية المنخفض لا يستطيعون الحصول على قروض من البنوك أو تراخيص من البلدية أو عقود خدمات جديدة إلا بصعوبة و بشروط إضافية، و ربما برسوم أعلى من غيرهم. هذا يشجع الناس على الالتزام الدائم، و الطريقة مجربة.


أخيراً: 

الأفكار كثيرة و بالعشرات، و في تجارب الدول الأخرى في إدارة الطاقة ما يكفي، و لكن لا فائدة لهذه الأفكار إن لم تجد جهة مسؤولة تدرسها و تتبنى ما هو ممكن و معقول منها. 

أتفهم أن العديد من الأفكار تحتاج إلى نفقات و موزانات عالية، و لكن يجب أن لا نغفل عن حقيقتين:

1- أن مشكلة الكهرباء مشكلة جوهرية و كبيرة في حياة كل مواطن في كل يوم من أيام حياته، و يجب أن تكون أولويتها عالية و مقدمة على كثير من القضايا الأخرى، و بالتالي فإن كل ما ينفق على علاج هذه المشكلة لن يكون إنفاقاً على كماليات أو على مصارف مرجوحة في ميزان الأهمية.

2- أن ما يتم إنفاقه فعلياً على جيوش من يقومون بوصل و فصل الكهرباء لتوزيع و تخفيف الأحمال، و ما ينفقه المواطنون على شراء و صيانة و تغدية المولدات المنزلية، و على إصلاح الأجهزة الإلكترونية المعطوبة، و ما تنفقه دوائر الطوارئ و الصحة على المشكلات الناجمة عن سوء استخدام المولدات المنزلية، كل هذا يفوق بكثير (أو على الأقل يقترب من) النفقات اللازمة لمعالجة أصل المشكلة.

هذا و بالله التوفيق.

الأحد، 17 يوليو 2011

ارفع للخير راية



كلما تأملت الواقع و ما فيه من تبجح الباطل وتغول أهل الشر،  أتدكر قول شاعر المغرب محمد الحلوي:
تبلـد في الناس حــس الكفـــاح  **** و مـالوا لكسبٍ و عيش رتيب
يكــاد يـــزعـــزع من همتــــي **** سدور الأميـن و عزم المـريب
و لكن خـلـقــت بــــأرض بهــا **** نفـــوس العبيـــد برقٍ تطــيــب

لاحظ كيف لخص أسباب المشكلة بـ: "سدور الأمين و عزم المريب"، بل جعل سلبية الصالح سبباً مقدماً على همة المفسد، و قد صدق، فلولا تقاعس الصالحين و إحجامهم عن المبادرة لما خلت الساحة أمام المريبين و المبلبلين و أصحاب الأفكار المعوجة. 


و يذكرني الواقع كذلك بكلماتٍ قالها عبد الوهاب عزام بعد أن طاف معظم بلاد العرب و المسلمين و درس واقعها عن قرب، قال: "لا يخدعنكم الفساد الظاهر والشر المستشري، ولا يهولنكم ذكر فلان وفلان من المفسدين، ففي الأمة أخيار أكثر ممن تعدون من الأشرار، ولكنها راية رفعت للشر فأوى إليها أشرارها، وهرع نحوها أنصارها، ونفر منها الأخيار فلم ينحازوا إليها، ولم نسمع أصواتهم حولها، ولو رفعت للخير راية لانحاز إليها الأخيار وحفوا بها وسكنت أمة الأشرار وقل جمعهم وخفت ذكرهم”.

إن أزمة الأمة اليوم ليست في تراجع خيريتها، أو قلة الصالحين فيها، و إنما هي في سلبية كثير من الصالحين، و ضعف روح المبادرة في نفوسهم، و إيثارهم للتواري و التداري معتقدين - ربما - أن هذا من الورع أو من شيم أهل الزهد. 
إن من واجب كل صالح اليوم أن يخرج من صومعته و يرفع رايةً للخير في حيه أو مكان عمله أو جامعته أو مدرسته، و يجمع الناس من حولها على مشروع خيري أو فكرة تنموية أو مبادرة تطوعية أو مشروع اقتصادي أو حملة توعوية.  لابد من مزاحمة أهل الشر في ميادين العمل و الإعلام و قيادة الجماهير، و قطع الطريق عليهم، و سحب البساط من تحتهم.


كتبت هده الكلمات لأني لاحظت أنه كلما صدرت فكرة عوجاء عرجاء، فإن قلة من الناس فقط يخدعهم بريقها الزائف الذي يزينه لهم أصحابها، في حين أن  فطر الناس الصالحين - و ما أكثرهم - ترفضها و تنفر منها. و  برغم ذلك فإن مزيني الفكرة و المخدوعين فيها أجدهم يعلون صوتهم و يدفعون بأنفسهم ليتصدروا المشهد و يزيفوا الصورة و يوهموا الناظر بأنهم من يقود و من يمثل، و أن أجندتهم هي المقياس و المرجعية. هذا يجب أن يتوقف، فليقل الصالحون كلمتهم و لتعلوا رايات الخير.

الخميس، 2 يونيو 2011

أمراض ثقافية



تسود العديد من المجتمعات العربية - من ثار منها و من ينتظر- ظواهر سلوكية سلبية مقلقة كالعصبية، و التحزب، و غياب ثقافة الحوار، و ضيق الصدر عن النقد، و إعجاب كلٍ برأيه، و عدم تقبل الآخر، و الانشغال بالجدل عن العمل، و الالتهاء بالسفاسف عن العظائم ... و لم تقتصر هذه الصور السلبية على عوام المجتمع أو طبقته الدنيا، بل تسللت لوثاتها كذلك إلى نطاق عريض من المثقفين و النخب!

و أرى أن هذه الظواهر السلبية ما هي إلا إفرازات طبيعية لزمن ممتد من القهر و القمع و سلب الحريات عاشه الناس و تراكمت خلاله سموم لوثت المناخات الثقافية، و شوهت قيم المجتمع. 

و التشخيص السليم للمشكلة -باعتقادي- هو أنها مشكلة "ثقافية" مرضية ابتلي بها عموم المجتمع، و ليست مشكلة "فكرية" يختص بها تيار دون غيره. إذ لو أخطأنا التشخيص و اعتقدنا أن فريقاً دون غيره أو تياراً فكرياً بعينه هو المشكل لتمثلنا روح القاضي أو الجلاد و لانشغلنا بجلد ذلك الفريق و ذمه عن العلاج الحقيقي المطلوب.

أما النظر إلى المشكلة على أنها مرض ثقافي عام فيجعلنا نتمثل روح الطبيب المشفق أو المصلح الغيور٫ و هي عين الروح المطلوبة للعلاج.

أما العلاج فهو تربوي بالأساس، و ينبغي أن يسير في مسارين متكاملين:-

- أولاً: التربية الاستدراكية: و تهدف إلى وقف النزيف الثقافي، و إطفاء حريق القيم المشتعل، و ترميم ما يمكن ترميمه من ثقافات الجيل الحالي التي شوهتها الأيام السوداء، و نفض ما يمكن نفضه من غبار السلب الذي غطى على كثير من العقول. و هذا الاستدراك يحتاج إلى تضافر جهود جبارة جنودها قادة سياسيون و إعلاميون و دعاة و مربون، و منابرها صفحات الجرائد و شاشات التلفاز و مواقع الإنترنت و منابر المساجد و قاعات التدريس في المدارس و الجامعات و مقاهي الحواري و دواوين العائلات... إلخ.

- ثانياً: التربية البنائية: و هي التربية التي نعول عليها حقيقةً في صناعة المستقبل، فهي تستهدف النشء و تسعى إلى بناء جيل قادم على أسس سليمة و توفر البنية التحتية التعليمية و التربوية و الإعلامية اللازمة لهذا البناء. و هذه التربية تحتاج إلى جهود مبدعة يقودها خبراء علم التربية و جهابذة التعليم و التنمية البشرية و التخطيط الاستراتيجي، ليرسموا خطط مستقبلية  و يعدوا برامج و يقترحوا مشاريع ثم يدفعوا بها إلى الساسة و صناع القرار لاعتمادها و إنزالها إلى حيز التنفيذ.

و السير في هذين المسارين يتطلب التالي:

١- صناعة الأجواء: و هذه مهمة الرواد المؤثرين في المجتمع و القادرين على تحريكه و توجيه دفته، و مهتمهم تتلخص في صناعة جو نفسي عام متحمس للإصلاح الثقافي، و محفز إليه، و دافع نحوه. كما أن من مهمتهم كذلك إبراز قضايا محورية و حشد الجماهير من حولها و تعبئة المجتمع تجاهها، فالقضايا المحورية إذا ما كبرت في أعين الناس ارتقت بهم عن الانشغال بالسفاسف، و دفعتهم إلى العمل، و قطعت الطريق على مثيري النعرات و المتلذذين بالتحريش و ممتهني تفتيت الصف و شق العصا.

٢- إصلاح الإعلام: و دور الإعلام جوهري و أساسي في العلاج، فالإعلام المرئي و المسموع - المتلفز و المحوسب و المطبوع -  من أخطر وسائل التأثير و صناعة الرأي العام و توجيه المجتمع، فلابد أن يتحول الإعلام من منبر للتصارع تصرع فيه الأفكار بعضها إلى منبر للتقادح و التلاقح تقدح فيه الفكرة فكرةً أخرى و تتلاقح معها، و لابد أن يتحول تركيز الإعلام من تصيد السبقات الإخبارية إلى السبق نحو الإسهامات الثقافية و الحضارية و التنموية.

٣- الإيجابية و المبادرة: و هذه مهمة الجميع، فكلٌ منا على ثغر و يتحمل جزء من المسؤولية و الأمانة، و لا يمكن تحقيق الإصلاح إلا بنفرة جماعية للمجتمع يقودها المبادرون ووقودها الإيجابيون.

الأحد، 24 أبريل 2011

السياسة و استغلال الدين



"استخدام الخطاب الديني في العمل السياسي استغلال سيء للدين"

هذا ما يطرحه و ينظر له عدد من المثقفين في الساحة العربية بقوة و كثافة هذه الأيام، لاسيما بعد نجاح ثورتي مصر و تونس و صعود التيارات الإسلامية بأجنحتها المختلفة كقوى بارزة على الساحة و ذات تأثير بالغ في توجهات الشارع. و الحقيقة أن الحُكم على صحة أو بطلان هذا الادعاء يحتاج إلى وضعه أولاً على طاولة التشريح و التفصيل، فـ"الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره" كما عند علماء المنطق.

و أود أن أجمل تحليلي في نقاط مختصرة:

أولاً: الكثير ممن يرددون هذا الطرح و يدَّعون صحته يرددون كذلك "الدين يفسد السياسة، و السياسة تفسد الدين"، و بالتالي هم علمانيون في غالبهم، يرون أن السياسة و الدين ضدان لا يجتمعان، و خطان متوازيان لا يتقاطعان، و يرون أن الدين ثابت في حين أن السياسة متغيرة، و لا يمكن أن يُدار المتغير بتوجيهات من الثابت. و عليه فإنهم يرون أن مجموع ما في الدين من قيم و أحكام و تعاليم لا تصلح من حيث المبدأ كمحددات لأي خطاب سياسي سواءً كان خطاباً استغلالياً أو حتى خطاباً تنموياً بريئاً من الاستغلال! و لهذا فإنني أعتقد أن النقاش مع  أغلب أصحاب هذا الطرح لم يصل بعد مرحلة الحديث حول الاستغلال السيء للدين في السياسة، و إنما ربما نحتاج إلى مناقشتهم أولاً في فكرة أن الدين يحمل في طيات رسالته أسس مشروع حضاري متكامل قادر على سياسة شؤون الدنيا.

ثانياً: يفترض هذا  الطرح أن الدين في حد ذاته لا يقدم أي حلول خاصة به لمشكلات المجتمع المتنوعة، و أن وجود الدين في الممارسة السياسية للتيارات الدينية يقتصر على الخطاب، أي استخدام الالفاظ الشرعية لإضفاء صبغة دينية على أطروحات و مشاريع سياسية صرفة ليست منطلقة أساساً من الدين. و هذا افتراض خاطئ بلا أدنى شك، أما الصواب من وجهة نظري فهو أن الدين لا يقف عند حدود العبادات والطقوس و الروحانيات كما يظنون، و إنما يقدم منظومة أخلاق رصينة تصون الفرد و المجتمع، و قانون أحوال اجتماعية تحمي الأسرة و تدعم منظومة الأخلاق، و نظام عقوبات قادر على الردع و الحد من الجريمة، و نظام اقتصادي قوي قوامه الحقيقة لا الخداع و العدل لا الظلم و القناعة لا الجشع، و نظام سياسي مرن يرسم الحدود العريضة التي تضمن العدل و إحقاق الحقوق ثم يترك للناس بعد ذلك حرية تنظيم العمل السياسي وفق مصالح الناس و متطلبات الزمان، كما أن الدين  يقدم حلولاً عملية لمشكلات المجتمع كالزكاة لعلاج الفقر، و تحريم الربا لمجابهة الجشع، و الحدود العقابية الرادعة لمواجهة الجريمة و الرذيلة، و يجعل طلب العلم فريضة لعلاج الجهل، إلخ.

ثالثاً: يسوق أصحاب هذا الإدعاء مبرراً لادعائهم مفاده أن المجتمع في عمومه متدين و عاطفة الدين قوية و مؤثرة في نفوس أفراده، و استخدام لغة الدين في ساحة تنافس سياسي كهذه يعطي أفضلية للتيارات الدينية، إذ أن خطابها سيكون حتماً أكثر ملامسة لعواطف الناس بغض النظر عن حقيقة مضمونه السياسي. و الذي أراه أن هذا القول فيه توصيف صحيح للواقع (أي تنامي الصحوة الإسلامية) و لكن الاستنتاج المبني عليه خاطئ، إذ أننا لو سلمنا بأن الدين يرسي أسس متينة لمشروع حضاري تنموي متكامل كما ذكرنا في النقطة السابقة، و وضعنا هذه الحقيقة إلى جانب ملاحظة أن المجتمع بطبعه متدين، لاستنتجنا أن عرض المشروع الحضاري الديني على المجتمع هو الأنسب و الأليق و الأجدر له - أي للمجتمع (مع عدم حرمان المشاريع الأخرى من طرح نفسها بالطبع)، و حضور الخطاب الديني هنا سيكون طبيعي، إذ لا يمكن أن أحدث متدينين عن مشروع حضاري نابع من دينهم مستخدماً خطاباً ماركسياً او علمانياً أو ليبرالياً أو...

رابعاً: يتضمن هذا الطرح تشكيكاً ضمنياً في الوعي العام للمجتمع و قدرته على التمييز بين الخطاب الاستغلالي الخادع و بين الفكر "القويم"، و يرى أن سواداً كبيراً من الناس ينخدع بسهولة و ينساق وراء خطابات تلامس عواطفه لا عقله. و أنا أرى أن هذا لا يختلف عن قول من قال أن المجتمع غير مهيء للديموقراطية، و أخشى إذا ما وصل أحد أصحاب هذا الطرح إلى الحكم أن تكون هذه القناعة الفاسدة و هذا الشك في وعي المجتمع هو الراسم لمعالم سياسة الحريات في المستقبل، و هذا سيعيدنا خطوات للوراء بدل أن نتقدم نحو الحرية و الديموقراطية الحقة.

خامساً: مصطلح "الخطاب الديني" يحتاج إلى تحرير، إذ لا يخلو تنظير من يرفضون الخطاب الديني السياسي من تعميمات و خلط للأوراق، فهل الخطاب الذي يذمونه مقصور على ما نذمه جميعاً من تحويل الاجتهادات السياسية البشرية إلى أوامر و نواهي شرعية، كأن يقول أحدهم مثلاً: "إن جعل نظام الحكم في البلد رئاسياً هو واجب شرعي و حق ديني"، أم أن الذم ينسحب على كل تنظير أو دعوة للمنظومات الأخلاقية و القيمية و الاجتماعية و الاقتصادية و الفكرية للدين؟ هل إذا قال أحدهم مثلاً: "سوف أسعى إلى تشجيع السياحة الملتزمة أو الاقتصاد الشرعي أو التجارة الحلال" هل سيتعبر خطابه هذا استغلالاً للدين و تلاعباً بعواطف الناس؟ هذا هو الفيصل.

و الخلاصة: أنا بالتأكيد "ضد استغلال الدين في السياسة"، و لكني أخشى أن العديد ممن يثيرون قضية الخطاب الديني مؤخراً هم في الحقيقة "ضد وجود الدين في السياسة."


ملاحظة: لقد حرصت على تجنب التعميم في مقالي هذا، و لهذا تجدني أستخدم كلمات التبعيض في أكثر من موضع، إذ أنني أدرك ان هناك من يتناول هذه المسألة من باب الحرص على ترشيد و تطوير خطاب التيارات الدينية، و الاستدراك الغيور على ما قد يراه من وجهة نظره أخطاء في التطبيق أو الممارسة. و بالله التوفيق.

الخميس، 14 أبريل 2011

سر القفزة العجيبة!



المشهد:

كان الظلام الدامس يلف المكان، كنت أسير وحدي في ذلك الطريق الذي خلا تماماً من المارة ، كان كل شيء حولي يثير الرعب في نفسي ...


و مع ذلك، و على الرغم من هذا الجو الدراماتيكي المخيف واصلت السير في حذرٍ و ترقب...

و فجأة ... ظهر أمامي جسمٌ غريب ملأ قلبي هلعاً و فزعاً، لم أكد أستوعب ما أرى حتى بدأ ذلك الجسم بمطاردتي...

 انطلقت مسرعاً من دون تفكير، و بدأت أركض في اتجاهٍ عشوائي...  اندفعت بكل قوة في محاولةٍ للتخلص من هذا الشبح المخيف، و لكني فوجئت بأني أركض في اتجاه سورٍ مرتفعٍ يسد الطريق!!

للحظة شعرت باليأس، و بأني سأكون لقمةً سائغةً لهذا الشبح...

و لكن سرعان ما أدركت أن جسدي كان له رأيٌ آخر، فقد اتخذ قراراً سريعاً و حاسماً، و قفز من فوق ذلك السور برغم ارتفاعه !!! 

انتهت المطاردة عند هذا الحد ....  لقد كانت تلك القفزة العجيبة هي التي أنقذتني!

على الجانب الآخر من السور التقطت أنفاسي بسرعة....  ألقيت نظرةً خاطفةً على السور المرتفع.... جلست مسنداً ظهري إلى السور، ثم أطرقت أفكر و أقول في نفسي :

ما هذا الشبح الذي كان يطاردني؟  

كيف تمكنتُ من القفز من فوق هذا السور المرتفع؟  

هذه القفزة لم تأت من فراغ.

لا بد أن هناك طاقةً مخزونةً في أعماق نفسي هي التي مكنتني من القفز فوق هذا السور الذي لم أكن أقدر على تخطيه من قبل.

الدرس:

لقد تعلمت درساً عظيماً من هذا الموقف،  تعلمت أن في داخلي- و في داخل كل إنسان- طاقاتٍ كامنة و مواهبَ مدفونة كنت أنا – و الكثيرون مثلي – غافلين عنها جاهلين بحقيقتها، ثم إني قد عرفت ذلك الشبح الذي كان يطاردني، إنه "عقدة المستحيل"، تلك العقدة التي طالما طمست مواهبي و إبداعاتي، و قتلت طموحاتي و آمالي، فجعلتني أتقاعس عن كثيرٍ من الأعمال بدعوى العجز و استحالة التنفيذ، من اليوم فصاعداَ لن أعرف شيئاً اسمه المستحيل، فكل ما بإمكان البشر فعله ليس بمستحيل. سأبذل قصارى جهدي حتى أكون إنساناً منتجاً. سأسخر كل طاقاتي لخدمة أمتي و رفعة وطني، لن أكون عالةً على أحد، لن أرضى بذل الكسل و هوان الخمول، سأكون من اليوم إنساناً جديداً، يعرف أهدافه و يحددها بدقة، و يبذل كل غالٍ و نفيس في سبيل تحقيقها و الوصول إليها، لن أرضى بالدون، سأغرس قدمي في الثرى، و أرفع هامة همتي فوق الثريا.


التعليق:


عقدة المستحيل من أخطر الأمراض التي فتكت في جسد الأمة فأقعدتها عن العمل و ألقتها طريحة فراش اليأس و التخاذل و النكوص. و علاج هذا المرض هو باستفزاز الطاقات الكامنة، و التنقيب عن المواهب في بواطن النفوس، و استخراج الإبداعات من أعماقها كما تستخرج الدرر من جوف الصدف من اعمق أعماق البحر!